Warning: Invalid argument supplied for foreach() in /home/customer/www/abtslebanon.org/public_html/wp-content/plugins/jetpack/modules/carousel/jetpack-carousel.php on line 641
مدوّنة الأردن - يونيو/ حزيران 2019 - Arab Baptist Theological Seminary (ABTS)

مدوّنة الأردن – يونيو/ حزيران 2019


Warning: Invalid argument supplied for foreach() in /home/customer/www/abtslebanon.org/public_html/wp-content/plugins/jetpack/modules/carousel/jetpack-carousel.php on line 641

إنّ خطة السلام الأميركية التي طال انتظارها، والمسمّاة بـ”صفقة القرن،” ستحتاج إلى قدر أكبر من العدالة لتحقيق النجاح

بقلم مرتان عقّاد

 

الخبر

كان من المفترض أن تعلن الولايات المتحدة عن “صفقة القرن” الموعودة، وهي خطة سلام للصراع الإسرائيلي الفلسطيني المستمر منذ سبعة عقود، في نهاية شهر حزيران/يونيو. غير أنّ التطورات الأخيرة في السياسة الإسرائيلية، بما في ذلك حلّ البرلمان الإسرائيلي والإعلان عن إعادة الانتخابات العامة في أيلول/سبتمبر القادم، دفعت المفاوض الفلسطيني المخضرم، صائب عريقات، إلى الإعلان عن الخطة: “الآن أصبحت صفقة القرن القادم.” لقد تمّ تأجيل الإعلان عن الصفقة من قبل الولايات المتحدة رسميًا، وعلى ما يبدو إلى أجل غير مسمى. وقد لا يأتي الإعلان على الإطلاق، وإن أتى فمِن المرجّح أن يأتِيَ ميتًا عند الولادة.

على الرغم من هذه التطورات الأخيرة، فإنّ الحديث عن الصفقة وتحليلها يبقى أمرًا ضروريًّا يساعدنا على التفكير في مسألة السلام في المنطقة عامةً. قد تم حجب المعلومات عن “الصفقة” بالسرية، ولكن بناءً على جميع المعلومات المتاحة، يبدو أنّها تفتقر إلى عنصر أساسي واحد هو العدالة. ويبدو أنّ الأردن سوف يلعب دورًا رئيسًا في تقرير مصير الخطّة. إنّ المروّجين الرئيسين الثلاثة للصفقة هم صهر الرئيس ترامب، كبير مستشاري البيت الأبيض جارد كوشنر، وكبير المستشارين القانونيين لدونالد ترامب والممثّل الخاص للمفاوضات الدولية جيسون غرينبلات، والممثل الخاص لإيران براين هوك. لقد تمّ تكليفهم بمسؤولية جمع الأموال اللازمة لدعم الجوانب المالية للصفقة بين الدول العربية، وعلى ما يبدو، أوكل إليهم مسؤولية إقناع العاهل الأردني بتولي الدور الحاسم المتمثل في توجيه الضربة القاضية للقضية الفلسطينية.

التحليل

يبوح التاريخ الشخصي للرجال الثلاثة بما يكفي جدول أعمالهم، وبالتالي عن محتويات “صفقة القرن” وغرضها. يعمل كوشنر على تفعيل تحالفاته الطويلة الأمد مع دُوَل الخليج لحشدهم حول خطّته، استنادًا إلى الفوائد الاقتصادية المتبادلة التي ستنجم عن تعاونهم الأعمى مع الولايات المتحدة بشأن هذه المبادرة. وكان قد كشف إعلان ترامب بأنّه أبرم صفقة أسلحة بقيمة 110 مليار دولار مع السعوديين، بعد أول رحلة خارجية له كرئيس في أيار/مايو 201٧، عن بداية هذا المسار. ومنذ ذلك الحين، أصبح البلدان ملتزمَيْن بفوائد مالية متبادلة هائلة يصعب التراجع عنها. إنّ كتم قضية خاشقجي، التي كان من غير الممكن تصوره قبل صفقة الأسلحة، أظهر جيدًا أن غضّ الطرف عن الأنظار سيتحول من الآن فصاعدًا إلى أي إساءة استخدام للسلطة وأي نشاط إجرامي يخدم الذات يقوم به حلفاء الولايات المتحدة الصاعدون. كما وعدت تلك العقود الماليّة دُوَلَ الخليج بالقوة العسكرية، التي احتاجتها لشن هجوم متزايد ضد إيران، عدوها الشيعي منذ قرون.

وهنا يبرز دور الممثل الخاص لإيران، براين هوك، حيث كان له دورٌ فعال في إسقاط الاتفاق النووي الذي رعاه أوباما مع إيران، وفي تصلُّب موقف الولايات المتحدة من الإيرانيين. من خلال تنمية العداوة بين إيران ودول الخليج إلى مستويات غير مسبوقة، فإنّ الأخيرة تعمل الآن على تسليح نفسها بداعي الخوف، وسيكون من الصعب للغاية التراجع عن هذا المسار. سيلعب الخوف والعداوة دورًا رئيسًا في إجبار الدول العربية على التماشي مع مطالب الولايات المتحدة لمنعها من تعريض نفسها لغضب إيران من خلال سحب دعمها لـ”صفقة السلام” الجديدة.

أمّا بالنسبة لجيسون غرينبلات، فقد تم وصفُه في مقالٍ صدر مؤخّرًا بأنّه يعمل على صيد “مجموعة محيِّرة من الأفراد والمؤسسات الفلسطينية.” وكونه مشهورًا في مدافعته عن المستوطنات الإسرائيليّة وتأييده لها، ومعروفًا في ترويجه لأيديولوجية الكراهية ضدّ كلّ أساليب النشاط الفلسطيني لقضيّتهم، سيضمن دوره إسقاط ما يُطلَق عليها بـ”صفقة القرن،” التي يُرجَّح أن تولَدَ ميتة. وسيتم إلقاء اللوم على الفلسطينيين، كالعادة، بسبب انهيار “العرض الذي لا يمكنهم رفضه.” وقد جاء هذا الاتهام المألوف بعد خطة التقسيم التي أصدرتها الأمم المتحدة عام 1947، وبعد اتفاقيّة أوسلو في 1993، وبعد كامب ديفيد الثاني في عام 2000، كما بعد انهيار “خريطة الطريق للسلام” في عام 2003. إنّ إطلاق مصطلح “صفقة القرن” على المحاولة الأخيرة هدفه بلا شك لعب الدور نفسه، ومن المتوقع أن يقابلها المصير نفسه: الرفض من قِبَل السلطات الفلسطينية. يتمثل دور غرينبلات في القضاء على المطلب الفلسطيني بتفكيك المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية، وهي بطاقة تفاوض أساسية في أي محادثات سلام.

إنّ الاعتراف الأحادي وغير القانوني دَولِيًّا بالقدس كعاصمة لإسرائيل من قِبَل الولايات المتحدة في كانون الأول/ديسمبر 2017، ثمّ إعلان هضبة الجولان كجزء من الأراضي الإسرائيليّة في بداية هذا العام، قد وجّه بالفعل ضربة قاتلة لمسألتَيْن حاسمتَيْن أُخرَيَيْن في جدوَل أي مفاوضات نحو السلام—مصير القدس الشرقية، والتفاوض على الأرض مقابِل السلام من خلال إعادة الأراضي التي قد تمّ احتلالها بطريقة غير قانونيّة خلال الحرب. وعلى الرغم من الموقف الرسمي للولايات المتحدة بأنّ هذه مجرد تكهنات لا أساس لها من الصحّة، فإنّ زيارة الثُلاثيّ إلى الأردن في نهاية أيار/مايو يُرجّح أنّه قد تم تصميمها لممارسة الضغط على الملك عبد الله، الوصي الرسمي والتاريخي على المقدّسات الإسلاميّة والمسيحيّة في القدس، لإقناعه بالتخلي عن هذه الوصاية لصالح العاهل السعودي. ولا شك أنّه تمّ التقديم للأردن مزايا مالية سخيّة تحتاجها المملكة لاستعادة صحة اقتصادها.

وثمة شائعات أيضًا بأنّ الاجتماع مع العاهل الأردني عبد الله الثاني كان يهدف إلى إقناعه بقبول تجنيس مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون في مخيمات في المملكة لعقود من الزمن، كما إعادة توطين مئات الآلاف الآخرين من اللاجئين من الدول المجاورة في مدن جديدة التي سيتم بناؤها في صحراء الأردن. هذا من شأنه أن يشكّل ضربة قاضية للبطاقة الأخيرة التي يملكها المفاوضون الفلسطينيون في أي اتّفاقيّة سلام، وهي مسألة حق العودة للاّجئين. وقد أدّى تعليق الولايات المتحدة العام الماضي لتمويلها للأونروا، وهي هيئة الأمم المتحدة المكلفة بالدعم المالي والتربوي للاّجئين الفلسطينيين الذين يعيشون في المخيمات منذ عام 1948، إلى غرق الوكالة في أزمة مالية غير مسبوقة. وقد بادر الأردن والسويد في محادثات مكثفة لمعالجة هذا الوضع، ولكن دون جدوى حتّى الآن.

يجد الملك عبد الله نفسه في موقف لا يُحسَد عليه بالتأكيد. فيبدو أنّ مصير الشعب الفلسطيني يعتمد عليه، وقد بدا أنّ الدول العربية الأخرى قد باعت أرواحها للخطة الجديدة. فتُواصِل الولايات المتّحدة جهودها في إبراز إيران بأنّها بمثابة تهديد وشيك لمصير الغالبية السنّيّة من العرب وبقائهم. إنّ “صفقة القرن،” على الرغم من أنها لا تزال محاطة بالسرية رسميًا، بدأت تظهر معالمها بوضوح كعين الشمس: جلبُ الفلسطينيين إلى طاولة المفاوضات بالقوّة وبدون أوراق تفاوض. سيتعيّن عليهم رفض الصفقة. سيُلامون. وسيُختم مصيرهم.

التأمّلات اللاهوتيّة وأبعادها الإرساليّة

هذه الأمور التي تتكشّف أمام أعيننا في الآوِنة الأخيرة لا علاقة لها بالتحيّز السياسي. فلا علاقة لها حول ما إذا كنت تحب إسرائيل وتكره الفلسطينيين، أو ما إذا كنت تكره إسرائيل وتحب الفلسطينيين. فلن يشعر الساسة الفلسطينيون والطبقة النخبويّة بالضربة القاتلة، إذ يمتلك أكثرهم مساكن ثانوية في باريس ولندن ونيويورك. من سيقابل حتفه هو الشعب الفلسطيني، الملايين من الفلسطينيين المحرومين أصلاً، الذين يعيشون في فقر ويأس منذ سبعة عقود. يصرخ الله اليوم بصوتهم: “اسمعوا ما يقول الربّ: ’قُم ارفَع دعوايَ على شعبي، ولتسمعِ الجبال والتّلال صوتي.‘ فاسمعي يا جبال دعوى الرب، ويا سهول الأرض الخالدة: للرب دعوى على شعبه. يقول مُعاتِبًا إسرائيل: ’ماذا فعلتُ لكم يا شعبي؟ هل كنتُ عالةً عليكم؟ أجيبوا.‘” (ميخا 6: 1-3). وأنبياء كنيسته اليوم يستمرّون في النداء بصوت أنبيائه القدامى: “بماذا أتقدّم إلى الرب وأكافئ الله العليّ؟ أبِمُحرقات أتقدّم إليه بعجول حوليّة مسمّنة؟ أيرضى بألوف الكباش والكثير من خِيارِ الزّيت؟ أأُبدِل بكري عن معصيتي، ثمرة بطني عن خطيئتي؟” (ميخا 6: ٦-٧). ويدوي صوت الرب إلينا مرة أخرى بهذه الرسالة: “أخبرتُك يا إنسان ما هو صالح، وما أطلب منك أنا الرب: أن تصنع العدل وتحبّ الرحمة وتسير بتواضع مع إلهك.” (ميخا 6: 8).

بالتخلّي عن إحقاق العدالة للشعب الفلسطيني، فإن جميع المقترحات البشريّة للسلام لن تكون سوى رنين صنج. يقول الرب إلهنا (هوشع 6: 6) “فأنا أريد طاعة لا ذبيحة، معرفة الله أكثر من المحرقات.” سواء تم الكشف عن “صفقة القرن” هذا العام، أو في عام 2020، أو لم تُكشَف أبدًا، فإنّ العدالة هي العنصر الوحيد الذي يضمن السلام في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.