مدوّنة الجزائر – أبريل/ نيسان 2019

مصالحنا تحدّد القصص التي نُخبرها

بقلم ربيع الحصباني

 

الخبر

في الآونة الأخيرة، عمّت الاحتجاجات كلّ من الجزائر وليبيا للمطالبة برحيل رئيسَي البلدين القابعَين في الحكم منذ فترة طويلة. خرج عشرات الآلاف إلى شوارع الجزائر منذ أكثر من شهر، يشكون من الفساد والمحسوبية وسوء الإدارة الاقتصادية التي يقولون أنّها شوّهت حكم الرئيس بوتفليقة الذي دام 20 عامًا. استقال بوتفليقة بعد أسابيع من الاحتجاجات في الشوارع. أمّا في السودان فقد اندلعت الاحتجاجات في 19 ديسمبر/كانون الأوّل 2018 في بعض المدن، بسبب غلاء المعيشة وتدهور الأوضاع الاقتصادية. وسرعان ما تحولت الاحتجاجات من مطالب بإصلاحات اقتصادية عاجلة إلى مطالب بتنحّي الرئيس عمر البشير.

وفي العامَين الماضيين، اندلعت احتجاجات كبرى أيضًا في تونس والعراق والأردن والمغرب. وتتوافر الظروف المواتية لتطفو مجدّدًا على السطح “الانتفاضة العربية”. وقد حاول عدد كبير من النشطاء عبر الإنترنت إعادة خلق الانتفاضة. غير أنّ القنوات الفضائية العربية الأساسية تجنّبت إلى حدّ كبير الإقدام على الخطوة نفسها.

القنوات العربية الكبرى لا تتجاهل بالتمام ما يجري في الجزائر والسودان. فالنشرات الإخبارية وكذلك بعض البرامج الحوارية تتناول التطورات الأساسية. إنّما من الملفت أنّ هذه المحطات اختارت عدم تعبئة مشاهديها كما حصل في العام 2011، عندما حوّلوا الاحتجاجات إلى رواية إقليمية. اليوم، وبدلاً من ربط الاحتجاجات في إطار رواية عربية واحدة، تُظهِرها التغطية الإعلامية، إلى حدّ كبير، على أنّها أحداث وطنية منعزلة.

التحليل

وقد لاحظ العديد من النشطاء والمراقبين إلى ضعف دعم الإعلام العربي لهذه الانتفاضات. وبغية التدقيق في هذا الملاحظات، استخدم مارك لينش، زميل بدوام جزئي في مركز كارنيجي للشرق الأوسط، أداةً طوّرها دين فريلون لمتابعة آخر 3200 تغريدة عبر الحساب الأساسي للمحطتَين الفضائيتين الرئيستين، العربية والجزيرة، على موقع تويتر. الجزيرة تصطف إلى جانب السياسة الخارجية القطرية؛ وقناة العربية هي الناطقة باسم الكتلة السعودية-الإماراتية المضادّة للثورات. وبعد إجراء دراسته يستنتج لينش التالي:

“نحو 7 في المئة من تغريدات الجزيرة تمحورت حول الجزائر بعد اندلاع الاحتجاجات الأولى في 22 شباط/فبراير؛ وخُصِّصت نسبة 4 في المئة للأحداث في السودان بعد بدء الاحتجاجات هناك. وبلغت نسبة تغريدات العربية عن الجزائر نحو 7 في المئة أيضاً منذ 22 شباط/فبراير، ونسبة التغريدات عن السودان حوالي 3 في المئة. حتى لو كانت الأجندة الإخبارية مكتظّة بالمواضيع والأخبار، تبدو تلك النسب المئوية متدنّية مقارنةً مع أهمية الاحتجاجات واهتمام الرأي العام بها.”

ما لا شكّ فيه أنّ السياسة تُحدّد معالم التغطية الإعلاميّة. لا تستطيع كبرى المحطات العربية أن تتجاهل بالكامل تطورات سياسية ذات أهمية مثل الاحتجاجات في السودان والجزائر، لكنها تفتقر في هاتَين القضيتين إلى الحوافز القويّة لخوض حملة تعبئة شاملة. فالنظام الإقليمي في قبضة قوى تسعى للحؤول دون اندلاع موجة جديدة من الاحتجاجات العامة. فجميع الأنظمة العربية تقريبًا ينتابها اليوم قلقٌ شديد من نشوب انتفاضة إقليمية جديدة. فلم تنسَ هذه الأنظمة بعد أنّ شرارة الانتفاضة الأولى انطلقت من تونس البعيدة والهامشية. ولا يريدون إعادة السيناريو نفسه مع الجزائر والسودان.

في حين قد تكون القوى العربية مدفوعة لتشجيع الانتفاضات ضد الأنظمة المعادية، فإنّ السودان والجزائر دولتان محايدتان في الاستاد الإقليمي الشديد الاستقطاب. فالجزائر، على سبيل المثال، حافظت على حيادها في النزاع بين قطر والمحور السعودي-الإماراتي. ولم يرَ الطرفان فائدةً في استعداء الجيش الجزائري، أو في دفع الجزائر نحو الجانب الآخر من الانقسام. وسوف يحرص الفريقان على ألا يؤدّي التغيير المحتمل في القيادة الجزائرية إلى جرّ البلاد نحو المعسكر الآخر.

تأملات لاهوتيّة وانعكاسات إرسالية

تحترف وسائل الإعلام مهنة صناعة الأخبار إذ تُظهر بعض الأحداث على السطح وتبقي أحداثًا أخرى في قعر وعينا العام. ولأنّ القنوات الإعلامية مسيسة، فإنّها تختار تسليط الضوء على الأخبار التي تخدم مصالح مموليها السياسيين. غير أنّنا، ككنيسة، في بعض الأحيان متحيزون وانتقائيون في خدماتنا أيضًا. عالمنا مليء بالمصائب، لكننا لا نختار سوى تلك التي توسّع نطاق المانحين والمستفيدين. هذا يعيد إلى الأذهان قضية اللاجئين السوريين والكنيسة اللبنانية. زاد اللاجئون السوريون من عدد الحاضرين في خدماتنا الأحد كما زادوا من حجم التمويل لدعم مختلف الخدمات. من المُلاحظ أنّ العديد من مباني الكنيسة ومرافقها قد بُنيت خلال هذا الوقت من وجود اللاجئين السوريين في لبنان. غير أنّني لا أتجاهل النوايا الطيبة لقادة الكنيسة والخدمات اللبنانيين ولا حقيقة أنّ السوريين غير المسيحيين جاءوا للمسيح من خلال أعمال الرحمة التي قام بها أتباع المسيح اللبنانيون.

يدعونا هذا الموقف إلى إلقاء نظرة نقدية على ذواتنا نتفحّص من خلالها دوافعنا، كما فعل يسوع مع ابني زبدي. في خدمتنا، يجب أن نركّز على المسيح بدلاً من التركيز على الذات وأن نسعى دائمًا إلى مجد المسيح. إنّها دعوة لتقييم حوافزنا للخدمة ولنسأل أنفسنا ما إذا كان اختيارنا للخدمة مدفوعًا بمصالحنا الخاصة أو بغاية نشر ملكوت الله على الأرض. ما هي العوامل التي تساعدنا على التمييز مع من نختار أن نتعاطف؟

علاوة على ذلك، نحن نثور فقط ضد الظلم الذي نسمع عنه في وسائل الإعلام. لكنّ الإعلام متحيّز في معظم الوقت ولا يصوّر دائمًا الجوانب المختلفة للقصة بطريقة دقيقة. يقدّم برنت حمود في مدونة معهد دراسات الشرق الأوسط، قصصًا من شرق الهند والصين وميانمار عن مسلمين يواجهون اضطهادًا شديدًا. هذه القصص لا نسمع عنها في وسائل الإعلام لأنّها قصص حول أقليات عددية التي لا تهتم بها القوى الحاكمة. هذا يعلّمنا أن نتعمّق في كشف قصص الظلم في مجتمعاتنا. قد لا تكون قصصًا عن الأبطال وقد لا تجعلنا من دعاة حقوق الإنسان المشهورين، لكن من مسؤوليتنا كجسد المسيح أن نطلب العدالة للمظلومين وأن نجعل المسيح معروفًا.