مدوّنة العراق – أبريل/ نيسان 2019

يجب أن نركّز على الواقع الاجتماعي والاقتصادي بين الشباب السنّي في العراق لتجنُّب نشوء الخَلَف الوحشيّ الجديد لتنظيم داعش

بقلم مرتان عقّاد

 

الخبر

منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، تمر الطائفة السنيّة هناك بأزمة هوية وقيادة، كما يشير تحليل أخير لمركز كارنيغي للشرق الأوسط. تشهد الطائفة السنية في العراق توترات داخلية قوية نتيجة الإضعاف الحاصل من تزايد سيطرة الشيعة على الحكومة المركزية في بغداد. وقد أدّى ذلك إلى ازدياد التأثير السلفي، وبخاصة على الشباب.

التحليل

على الرغم من أنّ السلفية العراقية كانت تقليديًّا من النوع الذي ينأى بنفسه من العمل السياسيّ، فإنّ إضعاف الشباب السني وشعورهم بالتهميش قد ترك فراغًا ابتدأ يملأه نوع من الإسلام المائل إلى السلفيّة الجهاديّة. وفي هذه الأثناء، يبدو الإسلام الصوفي، الذي كان مفضّلاً تقليديًّا لدى المجتمع العراقي، لا يقدّم سوى القليل من المساعدة والعزاء لهذه المجتمعات المهمّشة.

من المثير للقلق أنّ وزارة الخارجية الأميركية أصدرت الشهر الماضي بيانًا صحفيًا يقدم مكافأة قدرها مليون دولار لأي شخص يزوّدها “بمعلومات تؤدي إلى تحديد هوية القيادي في تنظيم القاعدة، حمزة بن لادن، أو تؤدّي إلى تحديد مكان وجوده في أي بلد.” تُعتبر هذه المبادرة مؤشّرًا مهمًّا على أنّ عالم الاستخبارات ينظر إلى ابن أسامة من زوجته المفضلة، خيريّة، باعتباره تهديدًا ملحوظًا للأمن القومي والدولي.

نظرًا لانزلاق داعش إلى الظِلال في الآونة الأخيرة، يعتبر المحلّلون في الشؤون الأمنيّة بأنّ حمزة، البالغ من العمر 29 عامًا، قد يبرز في الأشهر القادمة كالأيقونة المفضلة للجهادية الإسلامية، وقد يتم دعمه كرمز جديد للقاعدة على يد أيمن الظواهري، الزعيم الأيديولوجي البالغ من العمر 67 عامًا.

قبل بلوغه سن المراهقة، كان حمزة بن لادن يظهر في أشرطة فيديو دعائية إلى جانب والده ويعظ بالخطب النارية التي تدعو للجهاد ضدّ الغرب. وفي العقد الماضي، جدّد خطاب والده الراحل ضدّ الغرب، ولا سيّما ضدّ الولايات المتحدة، التي يتهمها “باحتلال” شبه الجزيرة العربية و”بغزو” ثروة الأراضي الإسلامية. كل مميّزاته تجعله شخصية تجيّش الجهاديين في كلّ مكان، من العراق وسوريا إلى شمال إفريقيا وشبه الجزيرة العربية، وإلى أعداد متزايدة من الجهاديين المحتملين في الغرب.

الخواطر اللاهوتيّة

العنف يولّد العنف! لم يكن هناك أيّ شك فيما يتعلق بحقيقة هذا المبدأ وقوّته في ذهن المسيح عندما وبّخ بطرس بحدّة بعدما استلّ سيفه للدفاع عنه في حديقة جثسيماني: “ردّ سيفَك إلى مكانه. فمَنْ يأخذ بالسيف، بالسّيف يهلِك” (متى 26: 52). لقد أدّى انتهاك هذا المبدأ إلى عواقب وخيمة، حيث تبِع كلَّ ظاهرةٍ من العنف الإسلاموي ظاهرةٌ أسوأ منها، بدءًا من جماعة الإخوان المسلمين في فترة القرن العشرين من مصر ما بعد الاستعمار، إلى نشوء تنظيم القاعدة في أواخر العشرينات وأوائل القرن الحادي والعشرين، وحتّى تفشّي ظاهرة داعش في سوريا والعراق في أعقاب “الربيع العربي” في عام 2014. وها هي الآن تبرز علامات تزايد آلام المخاض التي قد تلد أحدث وأخطر تجسيد لتنظيم القاعدة بقيادة حمزة بن لادن الشبابيّة.

بالنسبة لأتباع المسيح، لم يكن العنف خيارًا أبدًا. وكلما حمل رجال العنف السيف تحت راية المسيحية، كان ذلك على حساب الكنيسة وفي تناقض صارخ مع تعاليم سيّدنا، الذي علمنا أن نحب ليس فقط أقرباءنا، ولكن أيضًا أعداءنا.

لكن الكنيسة ليست مدعوة فقط للمثابرة في العيش السلمي من خلال تبني الموقف اللامبالي في انتظار عودة مخلصها. بل استدعانا ربّنا من طرق العالم وإلى الحياة الناشطة من أجل خلاص مجتمعاتنا روحيًّا وجسديًّا. تضمّن استشهاد المسيح بنبوّة إشعياء في مجمع الناصرة اليهودي دعوَتَه العليا، حيث قال: “روح الربّ عليّ لأنّه مسحني لأُبشّر المساكين، أرسلني لأُنادي للأسرى بالحريّة، وللعُميان بعودة البصر إليهم، لأُحرّر المظلومين وأُعلِنَ الوقتَ الذي فيه يقبل الربّ شعبَه” (لوقا 4: 18-19).

التأمّلات الإرساليّة

يحتاج أولئك الذين يريدون مواجهة النشوء المقبل لتجسيد الجهادية الفتّاكة إلى تحويل أنظارهم إلى المجتمعات السُنيّة الغاضبة، حيث يكافح الشباب يوميًّا على المستوَيَيْن الاجتماعي والاقتصادي. تمثل المجتمعات السنية في العراق اليوم أرضاً خصبة للإسلاميين المتشدّدين. إنّ وَضعَهم يتطلّب تفاعلاً اجتماعيًّا واقتصاديًّا فعّالاً من قِبَل المجتمع الدولي، وكذلك مِن قِبَل الكنائس في جميع أنحاء العالم التي لديها رغبة في العمل من أجل سلام مجتمعاتنا وافتداء عالمنا.