مدوّنة العراق/سوريا – مارس/ آذار 2019

النساء الجهاديات، وأطفالهن المولودون في أراضي “الخلافة الإسلاميّة” السابقة—”داعش،” يدفعون المجتمعات الغربية إلى الفحص الذاتي

بقلم مرتان عقّاد

 

الخبر

كانت شاميما بيغوم، البالغة من العمر الآن 19 عامًا، واحدة من بين ثلاث مراهقات من شرق لندن تم التقطتهن الكاميرا أثناء مغادرتهنّ مطار غاتويك في عام 2015، وهنّ في طريقهنّ إلى سوريا للانضمام إلى “داعش،” التي كانت آنذاك في أوج قوّتها. هي الآن عالقة في مخيم “الحول” للاّجئين السوريّين بالقرب من الحدود العراقية، وقد فقدت طفلَيْن خلال المعارك الأخيرة التي كادت أن تقضي على “داعش،” ولها طفل رضيع حديث الولادة. رغم تصريح بيغوم بأنّها “غير نادمة” على أفعالها، هي الآن تتوسل إلى حكومة بريطانيا لحق العودة إلى بلادها وتربية ابنها في مكان آمِن.

التحليل

تجد المملكة المتحدة والحكومات الغربية الأخرى نفسها في معضلة قانونية وأخلاقية قاسية بشأن مصير مواطنيها الذين انضموا إلى “داعش” على مدى السنوات الخمس الماضية. ويبدو أنّ القانون البريطاني (المادة 40(2) من قانون الجنسية البريطاني لعام 1981) يمنح وزير الداخلية الحق في تجريد مواطنين من جنسيتهم البريطانيّة ما دام هذا لا يجعلهم مكتومي القيد. في حالة بيغوم، اتخذ وزير الداخلية ساجد جاويد هذا الإجراء، استنادًا إلى الاعتقاد بأنّ الشابة ستكون قادرة على إعادة التوّطُن في بنغلادش، إذ أنّ أسرتها من أصول بنغلادشيّة، على الرغم من أنّها هي وُلِدت في المملكة المتحدة.

يزيد من تعقيد هذه المعضلة أنّ وزارة الشؤون الخارجية في بنغلادش عبّرت مباشرة عن رفضها حجة المملكة المتحدة، قائلة إنّ بيغوم ليست مواطنة في بلدها ولم تطالب قط بالجنسيّة البنغلادشيّة. وبيغوم نفسها أكّدت بأنها لم تطأ قدمها أبدًا في أرض أجدادها.

الخواطر اللاهوتيّة

تشكّل حالة شاميما بيغوم رمزًا لكابوس أخلاقي وقانوني يجب علينا جميعًا التفكير فيه. يسهل اللجوء إلى استنتاجات قاسية بشأن هذه الحالة استنادًا إلى عناوين الأخبار. فكيف تثير شابة “غير نادمة” شفقة مواطني بلادها ورحمتهم، وقد أعربت بيغوم باستمرار عن كراهيّتها لهم؟ وكيف يشعر اللاجئون السوريون في لبنان أو الأردن أو تركيا بالشفقة على أطفال بيغوم، وهي نفسها التي ساهمت في موت الآلاف من أطفالهم نتيجة لقرارها الانضمام إلى “داعش”؟

وإلى جانب عدم مشروعية موقف الحكومة البريطانية في ضوء القانون الدولي، إذ يجعل بيغوم عديمة الجنسية—كما أشرنا أعلاه—ثمة المزيد من القضايا الأخلاقية التي تظهر. فلم تولد بيغوم في بنغلادش ولا في سوريا ولا في العراق، بل في المملكة المتحدة. ولم يتولّد فيها التطرّف في جنوب آسيا أو في الشرق الأوسط، بل في شرق لندن. أليس قرار الحكومة البريطانيّة أن يضعها على عاتق بلد آخر، بعد أن تجلّى تطرّفها، تربًا من المسؤوليّة؟ إذا كانت تصرّفات بيغوم وتصريحاتها “لا تعكس القِيَم التي تمثّلها المملكة المتحدة،” كما يقول من يقدّم الحجة ضدها، فأين التعبير عن هذه القِيَم ذاتها عندما تتهرب بلاد نشأتها من مسؤولياتها تجاه المراهقين الذين حدث تطرّفهم على أراضيها؟

لقد ذكرت وسائل الإعلام بوضوح أن بيغوم “غير نادمة” عن أفعالها، وبالتالي لا تستحق شفقتنا. ولكن كيف ستتعامل الدول الغربية مع خطاياها هي، هذه الدول التي سمحت للتطرف أن يتجذّر داخل حدودها نتيجة الإهمال واللامبالاة تجاه شبابها؟

وقد سلّم البعض بأن قضية بيغوم تذكّرنا بمَثَل “الابن الضال،” الذي قاله المسيح في إنجيل لوقا، الفصل الخامس عشر. هذا ما يقوله اللاهوتي الإنجيلي الشهير ن.ت. رايت في مقال نشرَتْه مؤخراً مجلّة “كريستيانيتي توداي” (Christianity Today). فيقول بأنّ الكنيسة—إن لم تكن الدولة—ينبغي عليها أن تُظهر تعاطفها مع بيغون وأن تتيح لها إمكانية الإصلاح.

تجدر الإشارة في هذا الخصوص بأنّ الابن الضال، في مثل يسوع، كان قد قارب إمكانيّة المصالحة مع أبيه بروح مختلفة تمامًا. نقرأ في إنجيل لوقا بأنّ الابن قال في نفسه: “سأقوم وأرجع إلى أبي وأقول له: يا أبي، أخطأتُ إلى السماء وإليك، ولا أستحق بعد أن أُدعى لك ابنًا، فعامِلْني كأجير عندك” (لوقا 15: 18-19). روح الندم والتوبة واضحَيْن في الابن الضال، في حين أن بيغوم قد صرحت بوضوح بأنّها غير نادمة على ما فعلت.

قد يرى البعض بأنّ الأب في القصة كان مستعدًّا لمصالحة ابنه حتى من غير توبة، إذ من الواضح أنّه ركض إليه بأذرع مفتوحة قبل أن يكون على علم بنوايا الأخير. غير أنّنا قد نسأل أنفسنا كذلك ما إذا كان الأب قد نفّذ فعله التصالحي لو جاء ابنه إليه وقال بغرور: “ها أنا يا أبي! أعِدني إلى مكانتي السابقة، لأنّ لديّ حقوق في أسرتك، كَوْني ابنك!” واستنادًا إلى أمثال يسوع وتعاليمه الأخرى، كان هكذا موقفًا قد قوبِل على الأرجح بالحكم والعقاب.

التأملات الإرساليّة

إن حالات شباب الغرب المتطرفين الذين انضموا إلى يوتوبيا “داعش” هي في الواقع كابوس. فالنزاع الداخلي الذي نشعر به جميعًا لكي نشعر بالشفقة تجاه بيغوم وطفلها، وتجاه مئات الآخرين مثلها، أمر مفهوم. إنّ الأفعال لها عواقب، والمراهقون المتطرفون الذين ازدادت قساوَتُهم في ميدان المعارك، يمثّلون خطرًا حقيقيًّا على أمن مجتمعاتنا. وسواء أُعيدوا إلى البلدان التي ولدوا فيها أم لا، فمن المحتمل أن يمثّل هؤلاء الشباب التحدّي الأمنيّ الأكبر في السنوات القادمة. ولكن إذا لم يتحمل أحد مسؤوليّة إخراجهم من تطرّفهم ومساعدتهم على إعادة الاندماج في المجتمع، فمن المرجّح أن يصبحوا رأس الحربة التي ستجسّد الظاهرة الداعشيّة المقبلة والأسوأ. ينبغي على العدالة أن تكون بهدف الإصلاح والمصالحة بدلاً من الانتقام. تتحمّل الدول المسؤولية الأساسيّة عن حماية مواطنيها. فعليها أن تتفكّر برويّة في نمط إعادة دمج هؤلاء “الأبناء الضالّين” وأن تطبّق القانون الجنائي حيثما ارتُكِبَت الجرائم.

لكن للكنائس دور تلعبه أيضًا بالتوازي مع دُوَلِها. إذا كان على الدولة أن تواجه قضايا مثل قضيّة بيغوم مع إصرار قوي على تطبيق القانون وحماية جميع مواطنيها، وإذا كان على بيغوم وآخرون مثلها أن يدفعوا ثمن أي جرائم قد ارتكبوها، فإنّ دور الكنيسة سيكون الشروع في العمل الإصلاحي والتصالحي. قد تحتاج الكنيسة إلى لعب دور الأب في قصة “الابن الضال،” فتركض إلى مثل هؤلاء المتمردين بأذرع مفتوحة مع نيّة التقديم لهم إمكانية الإصلاح وإعادة الاندماج في الأسرة الاجتماعية. لا يجوز لأيّ دولة أن تتخلّى عن مسؤوليّتها في تطبيق العدالة، كما لا يجوز للكنيسة أن تتخلّى عن دورها في تطبيق الرحمة الإصلاحيّة والنعمة التصالحيّة. عندها ربما سيكون لبيغوم ولِأَخَواتِها وإخوانِها وأطفالهم فرصة جديدة ليتمّ احتضانهم في زمالة البنوّة لله، التي يعيدنا إليها المسيح.