مدوّنة العراق – مايو/ أيّار 2019

التحولات الحالية في التركيبة السكانية الدينية في العراق تتطلب أن تُعيد الكنيسة وضعها كعامل محفّز شجاع وجريء للوحدة وسط التنوع

بقلم مرتان عقّاد

 

الخبر

ستستند “مدونتي حول العراق” هذا الشهر إلى ثلاثة مقالات من مركز كارنيجي للشرق الأوسط، واستنتاج انعكاسات تقع على الكنيسة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وعلاقتها بالمجتمع الأوسع.

يواصل عراق ما بعد صدام (2003) وما بعد داعش الكفاح للتوصل إلى إعادة تعريف متماسك لما سيكون عليه المجتمع العراقي والنظام السياسي في العقود المقبلة. وفي صميم عملية البحث عن الذات هذه، ثمة صراع يخوضه المجتمع المسلم لاستعادة تعبير ذاتي ينصف تنوعه الغني ويفضي إلى هوية وطنية متماسكة.

التحليل

في مقال يصف تحول حزب الدعوة الرائد في العراق من الإسلاموية الراديكالية إلى الإسلاموية الريعية (في سعي إلى كسب شعبية بين المؤيدين من خلال توفير الخدمات الاقتصادية)، يصف الكاتب حارث حسن تحول الحزب الإسلامي الذي نُفي آنفًا، وذلك كنتيجة رئيسة لعملية العلمنة التي تفرضها البراغماتية السياسية. بمجرد توحيده حول الأجندة الإيديولوجية لإقامة دولة إسلامية مستوحاة من النموذج الإيراني، كان على الحزب إعادة توجيه أهدافه نحو التزامات أكثر ديمقراطية وتعددية للوفاء بمتطلبات العملية الانتخابية ومصالح الحكومة في عراق ما بعد صدام. يصف حسن هذا التحول بأنّه تحول ناتج عن “أزمة كل التنظيمات السياسية التي تشكّلت إبان مرحلة الإيديولوجيات والسرديات الكبرى.” ظاهريًا غالبًا ما تكون البراغماتية السياسية نعشًا لأي نوع من التعصب الإيديولوجي. غير أنّها قد تصبح مهد الفساد الاقتصادي والانحطاط الاجتماعي والثقافي. والدرس المستفاد من ذلك هو أنّ تليين التطرف الديني لن يؤدي إلى سلام مدني وتكافؤ في الفرص الاجتماعية والاقتصادية بمعزل عن برنامج يعزز بقوة الشفافية الاقتصادية وتوطيد المؤسسات المدنية. إذا كان التحول إلى الديمقراطية والتعددية خطوة يُحتفى بها، فسوف تنهار هذه المكاسب بسرعة تحت عبء الفساد والسياسة الزبائنية.

يحذّر مقال ثانٍ، كتبه مهنّد الحاج علي، من أنّ الإسلاموية الجهادية في عراق ما بعد داعش (كما في سوريا) ، بدلاً من أن تكون في طريقها إلى الاندثار بعد هزيمته عسكريًا أمام التحالف العسكري المدعوم من الغرب، يعود على نحوٍ متزايد إلى نسخة معولمة من الصراع الذي ظلّ العلامة التجارية الرئيسة للقاعدة. في مدونتي الشهر الماضي، أشرت إلى عودة ظهور تنظيم القاعدة كلاعب رئيس في المشهد الجهادي العالمي، الذي تميز بظهور حمزة بن لادن (المعروف أيضًا باسم أسامة الابن) من خلال صفوف القيادة الكاريزمية للمنظمة. على أرض الواقع، يسلّط الحاج علي الضوء على نشأة حرّاس الدين، وهم فرع من تنظيم داعش، مستوحًى من نموذج القاعدة للجهاد العالمي، وهم يتنافسون على الصدارة ضد الجماعات الأخرى التي تحتل هيئة تحرير الشام الصدارة بينها. ويشير أنّ “ويراهن التنظيم على أن وتيرة الانشقاقات من هيئة تحرير الشام إلى صفوفه سترتفع بفضل اكتسابه مصداقية كتنظيم عابر للحدود، مايساهم في إعادة إحياء نموذج القاعدة الذي يُعتبر بطاشاً وخفياً في آن.” ويتفق الجميع على أنّ المقاتلين الذين تقسّيهم المعارك لا يندمجون ببساطة في حشد المواطنين بين ليلة وضحاها، وأنّ ميلهم إلى العنف بدوافع دينية لا يتلاشى ببساطة. والدرس المستفاد هنا هو أنّه إذا لم نبحث عن حلول جديدة لإعادة إدماج الشباب الغاضب، فسيستمر العنف ببساطة في توليد العنف.

المقالة الثالثة هي بقلم حارث حسن. ويصف الصدع المتنامي بين الشيعة والسنة في العراق، والذي تجلى في الصراع بين المجموعتين من أجل السيطرة على الأوقاف الدينية وإدارتها. يشير حسن إلى أنّ “الحدود الفاصلة بين الطائفتين الإسلاميتين قد تم ترسيخها وأصبحت المساحات المحايدة نقاط خلاف بدلاً من نقاط تعايش.” مع تفكك سيطرة الدولة المركزية للمؤسسات الدينية في عراق ما بعد صدام، باتت المساجد والمراكز الدينية أدوات صراع للسلطة الشعبية والسيطرة الطائفية، مع فشل السلطات الدينية السنية والشيعية في اغتنام فرصة الاستقلال الحديث النشأة لتحويل المؤسسات الدينية إلى نقاط تجمع من أجل شفاء التوترات الطائفية. مع وجود مؤسسات اجتماعية مؤثرة ومؤسسات تجارية مربحة مرتبطة بها، أصبحت الفوائد الاقتصادية للأوقاف الدينية سببًا لمزيد من الصراع والانقسام بين الطائفتين الرئيسيتين في العراق. وقد أدى هذا في الواقع إلى الاعتناق الاقتصادي للإسلام العراقي. سيكون لترسيخ الطائفية بين السنة والشيعة آثار سلبية على الأقليات الدينية في العراق. هذا هو الدرس الثالث الذي يجب أن نستفاده من هذه التطورات.

الخواطر اللاهوتية والانعكاسات الإرسالية

إنّ التغييرات التي يشهدها الإسلام العراقي حالياً ليست لها علاقة بتطورات التفكير اللاهوتي وكل ما يتعلق بالجشع الإنساني الذي يتنافس على السلطة والسيطرة. هذه هي مشكلة الدين. في أكثر الأحيان، تتغير مظاهره ويتحول إلى الأسوأ نتيجة للسياسة والاقتصاد، بدلاً من أن يكون هو نفسه حافز التحول الإيجابي في المجتمعات والجماعات. فبدلاً من السماح للقيم الإيمانية بإلهام ممارسة اجتماعية اقتصادية أفضل وتعزيز التنوع والتعايش التعددي، فإن الجهات الفاعلة الدينية تميل إلى استخدام نفوذها الديني لزيادة سيطرتها ونفوذها على الجماعات الدينية الأخرى.

ماذا يمكن أن تتعلّم الكنيسة من هذه التطورات في العراق؟ في أوقات “الإيديولوجيات والسرديات الكبرى”، يجب أن نكون حذرين من الانتهازية وأن نستمر في التصرف بدافع القيم والقناعات الإيمانية. دخول يسوع إلى أورشليم على ظهر جحش، والذي رحب به الناس الذين توقعوا أنه سيقود انتفاضة ضد الحكم الروماني لم يغيّر سير إرساليته كخادم إلى حاكم سياسي. لم يكن يسوع انتهازيًا، وأبقى ذهنه ثابتًا على الغرض الأصلي من حياته، ألا وهو بذل ذاته بدافع الحب لخلاصنا.

فيما كنّا نحتفل الشهر الماضي بأحد الشعانين وأسبوع الآلام المقدّس سارت الكنائس في جميع أنحاء العالم مع يسوع من دخوله إلى أورشليم منضمين إليه في طريقه إلى الصليب في الجلجثة. لقد احتفلنا بفعالية بذكرى مسيرته بعيدًا عن التوقعات الشعبية بأنه سيحكم كملك أرضي، وشهدنا احتضانه لألم المسيّا. في هذه المسيرة يسوع هو نموذج لنا للسلوك في مواجهة جاذبية النفوذ الأرضي. ثمة الكثير لتتعلّمه الكنيسة العالمية من خادمها الملك، ولدينا الكثير لنشهد عنه عندما نتكلّم بصوت نبوي إلى السلطات الأرضية.

إن التحولات الحالية التي تحدث في التركيبة السكانية الدينية في العراق تتطلب أن تُعيد الكنيسة وضعها كعامل محفّز شجاع وجريء للوحدة وسط التنوع وعلى هذا المحفّز ينأى عن التقوقع في خضم المحاصصة العرقية والطائفية. يجب أن نعالج الحاجة الهائلة لإعادة الدمج الاجتماعي للمقاتلين السابقين في المجتمعات التي يمكن أن توفر لهم الأمل في مستقبل مفدي. ويجب علينا أن ننضم للكنيسة في العراق ونسأل أنفسنا كيف يمكننا أن نكون أكثر تعاونًا مع الآخرين؛ ليس فقط الأقليات الأخرى، ولكن أيضًا مع مجموعتي الإسلام الرئيستين اللتين تأخذان حصّة الأسد الديموغرافي في مجتمعاتنا.