مدوّنة العراق – يناير/ كانون الثاني 2019

قادة الكنائس “الرسولية” التاريخية في العراق يرفضون الإنجيليين واصفينهم بالابتكار الهدّام

بقلم مرتان عقّاد

 

الخبر

في 4 كانون الأول / ديسمبر 2018، وجّهت المديرية العامة لشؤون المسيحيّين في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية التابعة لحكومة إقليم كوردستان كتابًا إلى مجلس الكنائس الإنجيليّة في الإقليم. تشير الرسالة إلى كتاب آخَر تلقّته المديرية العامة من أساقفة “الكنائس الرسولية،” حيث عبّروا عن رفضهم لشرعية تلك الكنائس الإنجيلية “الجديدة.” في هذه الرسالة التي وقّعها ستة أساقفة في 17 أيلول / سبتمبر، وأسفق سابع في 6 تشرين الأوّل / أكتوبر 2018، يطلب الأساقفة من مدير وزارة الأوقاف والشؤون الدينية تزويدهم بقائمة أسماء جميع أعضاء رعاياهم الذين “انشقّوا” عنهم وانتسبوا إلى تلك الكنائس الجديدة. ويبني هذا الطلب شرعيّته على أساس مقطع من قانون تسجيل الكنائس الذي ينصّ على أنه “من منطلق وجود الحريّة الدينيّة والفكريّة لكل فرد في كوردستان، إذا أراد عضوٌ معيّن في كنيسة معيّنة نقل عضويّته، عليه بتقديم طلب إلى الكنيسة الأم والإعلان على موقفه (اللاهوتي والكنسي على ما يبدو).” ويوضّح الكتاب أنّ هذا الطلب يهدف إلى “احترام القوانين الكنسية وبالأخص التي تنص على حظر مؤمنيها على نكران العقيدة والالتزام الكنسي المزدوج” (الصياغة كما في نص القانون).

التحليل

وجاء رفض الكنائس التاريخية الاعتراف بالكنائس الإنجيلية الناشئة في كوردستان بناءً على اتهام هذه الجماعات بأنّها تقدم المساعدات الإنسانية للمسيحيين المحتاجين كذريعة تهدف إلى إخراجهم من الطوائف الكنسية التي وُلِدوا فيها. كما يتهمونهم بإقامة علاقات خارجية مع مُرسلين غربيّين يحملون بجعبتهم جداول أعمال داعمة لإسرائيل. علاوة على ذلك، يعربون عن خشيتهم من أن هذه الحركات الجديدة ستُحدِث زعزعةً في مجتمعاتهم، من خلال إضعاف هذه المجتمعات وخلق صراع مع الأكثريّة المسلمة الذين لطالما عاشوا معهم بسلام منذ أكثر من 1400 عام. والجدير بالذكر بأنّ هذه الاتهامات تتجاهل حقيقة الوجود البروتستانتي في العراق منذ منتصف القرن التاسع عشر، فتمثيلهم كبدعة جديدة نشأت في فترة ما بعد حرب العراق هو تجاهل للواقع لأهداف استغلاليّة من طرف المتّهِمين.

الخواطر اللاهوتيّة

يسهل علينا رفض هذه الاتهامات من قِبَل البطاركة على أنّها بكل بساطة تعبير عن الهيمنة الدينية والاستبداد. لكن على المدى البعيد، من شأن الموقف الرفضي أن يقود المجتمعات الإنجيلية الناشئة إلى العودة لعقلية “الغيتو،” التي غالبًا ما اتّصف بها مسيحيّو الشرق الأوسط على مدى قرون. وهذا الشعور بأنّهم “ضحية” ناجم عن تعرضهم للاضطهاد ويقودهم إلى التقوقُع والشعور الضمنيّ بأنّهم مواطنون من الدرجة الثانية.

غير أنّ كلا النهجَيْن المذكورَيْن مرفوضان. فنهج التسلّط من قِبَل الكنائس التاريخيّة تجاه رعاياها مرفوض تمامًا، والرضوخ لشعور الضحيّة عند رعايا الكنائس الناشئة مرفوض أيضًا. إنّ أتباع المسيح مدعوّون لتشكيل “الإكليزيا” (ekklesia)، وهي الجماعة التي “تخرج عن” أنماط العالم ولكن دون أن تخرج “من” العالَم. لقد افتدانا المسيح لكي نعيش حياةً تُجسِّد الخبر السار بالفداء لمجتمعاتنا، وليس بهدف معاداة مجتمعاتنا.

توازيًا مع التمسك بحرية الضمير المطْلَقة، يجب أيضًا أن تتعامل الكنيسة مع هذا الوضع الشائك بحكمة إلهيّة. فالتحدّي يكمن في استِطاعة جماعة المسيح على مواصلة دعوتها الإرساليّة بإعلان إنجيل الخلاص مع التمسُّك بالمحبة الصادقة تجاه الجميع – هذه هي الإرساليّة النابضة بالحياة التي تتّصف بالفهم العميق لتاريخ الكنيسة القائمة وواقعها.

التأملات الإرسالية

في المسيح، عبّر الله عن محبته لنا إذ قد افتدانا وخلّصنا ببذل نفسه من أجلنا حتى الموت. ولاء المسيحي الأوّل هو لإرساليّة الله التي يدعونا من خلالها، في المسيح، إلى علاقة معه. وهذه ليست رسالة دينونة للعالم، بل دعوة للخلاص، وإن كلّفنا ذلك حياتنا. لا يستطيع أتباع المسيح التنازل عن هذه الأولوية، لكنّهم مدعوون لممارستها بحكمة وأخلاق، وهذا ما يقوم به قادة الكنيسة الإنجيلية في العراق منذ عقود.

ثانيًا، إذا أرادت الكنيسة العراقية أن تعبّر عن إرساليّتها ببذل الذات، فعليها أن تقاوم البحث عن السلطة من خلال اللجوء إلى ولاءات سياسية خارجيّة. فبالإضافة إلى ولائهم الأساسي لله، على أتباع المسيح في العراق أن يركّزوا على تشديد الكنيسة المحلية وتعزيزها. ويبدأ ذلك بالتزام الكنيسة التاريخية العميق في هذه الأوقات الصعبة، بالتمسّك بالمقاربة المسكونيّة بمعنى التعاون والشراكة إلى أقصى حدّ ممكن. تحتاج الحركات الناشئة أولًا إلى فهم مخاوف الأساقفة وهمومهم. إذا كانت الكنيسة التاريخية تعيش تحت عبء الترهيب الناجم عن الشعور بكونها أقليّة، فإنّ مواجهة هذه المخاوف والتصدي لها يجب أن يشكّل جزءًا كبيرًا من الإرساليّة الإنجيلية في العراق. غير أنّ زيادة ثقل العبء على كاهل المجتمع الكنسي المكافح للبقاء من خلال “اصطياد” رعاياه يساهم في إضعافه ولا يشكّل تعبيرًا مناسبًا عن الحب الذي أعلنه الله تجاهنا في المسيح. وثمة حاليًا العديد من الجهود لقادة إنجيليين عراقيّين يسعون إلى تعزيز هذه العلاقات الكنسيّة، فيجب على أي جهود تبشيريّة خارجيّة أن تكون على دراية بها وأن تتعاون معها.

ثالثًا، يجب أن تأخذ الكنيسة الإنجيلية العراقية مخاوف أساقفة الكنائس الرسولية على محمل الجد فيما يتعلق بجهودها للمحافظة على علاقاتها الوديّة مع الغالبية المسلمة عبر العصور. وعلى الرغم من أن المسيحيين والمسلمين في الشرق الأوسط قد تمكّنوا في كثير من الأحيان من التعايش السلمي، إلاّ أن موجات الاضطهاد التي شهدها التاريخ من وقت لآخَر قد نجحت في القضاء الشبه الكامل على الجماعات المسيحية المحلية. ولكن قارئ التاريخ المجتهد يعلم أيضًا أن ما أحدث موجات الاضطهاد نادرًا ما كان الحماس الزائد للكرازة والإرساليّة. بل سواء في مرحلة الغزو العربي الإسلامي الأوّل، أو خلال فترة الحروب الصليبية الدمويّة، فإن الاضطهاد كان في أغلب الأحيان سببه المكايد السياسية الخاضعة للأجندات الخارجية التي لا علاقة لها بالإنجيل. لذلك، يجب أن يكون إعلان إنجيل السلام مصحوبًا بحوار جاد وصادق بين الأديان وبمبادرات تسعى إلى بناء السلام داخل المجتمعات الغنيّة بتنوّعها.

لذلك، نرى أهميّة قصوى في استمرار الكنيسة الإنجيلية العراقية في إرساليّتها بالتعاطف مع المحتاجين ورعايتهم، وأن يكون ذلك قدر الإمكان بالشراكة مع سلطات الكنيسة التاريخيّة. فليت الزخم المبذول يصبّ في خانة تعزيز المجتمعات المسيحية المحلية وتمكينها من خلال قوة كلمة الله التي تبعث الحياة، والعمل من خلال الهيكليّات والشبكات الاجتماعية القائمة. كما وينبغي التواصل مع المجتمع السائد بآذان صاغية وباحترام شفّاف، ومن خلال مقاربة الكنيسة بشجاعة لدعوتها إلى إعلان بشارة الله السارّة في المسيح، ومن خلال إقامة مبادرات سلام وثيقة تسهم في إعادة بناء مجتمعات متعددة الأديان ومتماسكة في مرحلة ما بعد الحرب وفي وسط الخراب الذي يعانيه جميع العراقيين.