مدوّنة شمال أفريقيا – مايو/ أيار 2019

أتباع المسيح العرب والأمازيغ: لغّتان، ولكن ربّ واحد

بقلم ربيع الحصباني

 

الخلفية

البربر أو الأمازيغ هم مجموعة عرقية من سلالة السكّان الأصليين الذين كانوا قبل العرب في شمال أفريقيا. يعيش الأمازيغ في مجتمعات مختلفة في المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر ومالي والنيجر وموريتانيا. يتحدثون لغات أمازيغية مختلفة تنتمي إلى عائلة اللغة الأفريقية الآسيوية.

أكبر نسبتين من الأمازيغ نجدها في كلّ من الجزائر والمغرب. يُقدر أنّ حوالي ربع سكان الجزائر هم من الأمازيغ، في حين يُقدر أنّهم يشكّلون أكثر من ثلاثة أخماس السكّان في المغرب.

تمتد الهوية الأمازيغية إلى ما أكثر من مجرّد اللغة والعرق وتشمل وجغرافيا منطقة شمال أفريقيا وتاريخها بأكمله. الأمازيغ ليسوا عرقًا متجانسًا تمامًا، وهم يضمّون طيفًا متنوعًا من المجتمعات والأصول والمعتقدات الدينية وأساليب الحياة. على سبيل المثال، غالبية الأمازيغ هم من المسلمين السنة. غير أنّ بعضهم تحولوا منذ عهد قريب إلى الشيعة والمسيحية والإلحاد. قد يكون العاملان الموحدان لغتهم المشتركة والتماهي الجماعي مع التراث والتاريخ الأمازيغي.

في عام 705، استكمل العرب غزو الأراضي الأمازيغية، التي أطلقوا عليها اسم بلاد المغرب (“أراضي الغرب”) أو ببساطة المغرب. كان للغزاة العرب المسلمين تأثير مستدام على ثقافة المغرب أكثر من الغزاة الذي زحفوا على المنطقة قبلهم وبعدهم. بحلول القرن الحادي عشر، أصبح الأمازيغ مؤسلَمين ومعرَّبين أيضًا. واضمحلت المجتمعات المسيحية الأصلية في المنطقة، والتي كانت قبل الفتح العربي جزءًا مهمًا من العالم المسيحي.

التحليل

على الرغم من أنّ العرب والأمازيغ متعايشان منذ قرون في شمال أفريقيا، فقد نشأت صراعات كثيرة بسبب التوترات العرقية بينهما. كان الصراع العربي الأمازيغي جزءًا من الحياة اليومية. نظرًا لأنّ القوى الحاكمة في شمال أفريقيا عزّزت تعريب السكان، فقد شعر كثير من الأمازيغ بأنهم يتعرضون للتمييز ويواجهون تهديدًا قويًا لحقوقهم اللغوية وإرثهم الثقافي.

يسعى الأمازيغ إلى الحصول على اعتراف رسمي بلغتهم في المغرب، وقد تم الاعتراف برأس السنة الأمازيغية وتمّ اعتبارها عطلة رسمية في الجزائر والبلدان المجاورة الأخرى، ومع ذلك، فإنّ الأمازيغ في جميع أنحاء شمال أفريقيا يسعون إلى تحقيق المزيد من الاعتراف بحقوقهم.

الكنيسة كونها جزءًا من المجتمع لا يمكنها عزل نفسها عن الصراع العربي الأمازيغي القائم. وهي في وضع حرج لأنّه من المغري أن تتماشى مع الأمازيغ الذين يشكّلون الغالبية العظمى من أتباع المسيح في شمال أفريقيا. قد يصبح من المغري أكثر أن تشارك في النزاع عندما تُعتبر اللغة والثقافة العربية لغة الإسلام وثقافته.

في العام الماضي حضرت مؤتمرًا مع عائلة جزائرية مسيحية. لا يتواصل الأهل باللغة العربية مع أطفالهم، ويصرون على التحدث باللغة الأمازيغية معهم. ابنتهما الصغرى لا تعرف أي كلمة عربية. سألتهم عن سبب عدم استخدام اللغة العربية مع أطفالهم. أجابوا أنّ الأمازيغية هي لغتهم الأم، واللغة العربية هي لغة الإسلام التي سيتعلّمها الأطفال في المدرسة في وقت لاحق لأنهم ملزمون بتعلّمها وقراءة القرآن. يمكن تفسير موقفهم على مستويين. أولاً، يتوقون إلى الحفاظ على لغتهم الأصلية كعنصر أساسي من هويتهم. ثانيًا، ليسوا سعداء لأنّ أطفالهم ملزمون بتعلم اللغة العربية ويحاولون مقاومة تأثير التعريب / الأسلمة على أطفالهم.

وبغية معرفة المزيد عن العلاقات القائمة بين أتباع المسيح من أصول أمازيغية وأولئك الذين من أصول عربية، قابلت إحدى طالباتنا المغاربة. قالت إنّ العرب والأمازيغ يكرهون بعضهم بعضًا عامةً ولكن في الكنيسة، علاقتهما جيدة. غير أنّها أعربت عن استيائها من أنّه حتى في الكنيسة الأولوية دائمًا للعرب وجميع الخدمات وبرامج دراسة الكتاب المقدس تتم باللغة العربية على الرغم من أنّه قد يكون بين الحاضرين اثنين فقط من العرب والباقي جميعهم أمازيغيون. كما أعربت عن شوقها لقراءة الكتاب المقدس باللغة الأمازيغية وأخبرتني أنّ خريجينا أنهوا العمل على ترجمة الكتاب المقدس إلى الأمازيغية ولكن الترجمة لم تُنشر لأنّها لا تزال بحاجة إلى مراجعة وتحرير.

خريج مغربي من كلية اللاهوت المعمدانية العربية لديه خبرة مختلفة فيما يتعلق بالعلاقات بين الأمازيغ والعرب في سياق خدمته. وقال إنّ أتباع المسيح الأمازيغ يتعاطفون مع الأمازيغيين أكثر من العرب ويستهدفون شعبهم في الخدمة لأنهم يهتمون بهم أكثر. وأضاف أنّ العرب يشعرون أنّهم مستبعدون في بعض الأحيان من المجموعة ومعزولون عندما تتحدث الأغلبية مع بعضهم البعض في اللغة الأمازيغية.

التأملات اللاهوتية والانعكاسات الإرسالية

يتناول بولس الصراع العرقي بين اليهود والأمم في رسالته إلى كنيسة غلاطية. يحث المؤمنين على السعي لتحقيق الوحدة في المسيح بغض النظر عن الاختلافات العرقية والثقافية ويقول: “ليس يهودي ولا يوناني. ليس عبد ولا حرّ. ليس ذكر وأنثى، لأنّكم جميعًا واحد في المسيح يسوع” (غلاطية 3: 28). تأتي هذه الوحدة من تحول في الهوية الجوهرية للمؤمن الذي يصبح خليقة جديدة ذات روح متغيرة. أتباع المسيح، بصرف النظر عن خلفياتهم العرقية، يجمعهم ربّ واحد وإيمان واحد ومعمودية واحدة. كما تم حثّ الغلاطيين على السعي لتحقيق الوحدة داخل جسد المسيح، فإنّ المؤمنين من شمال أفريقيا مدعوون إلى احتضان بعضهم البعض ليشتركوا في هوية واحدة في المسيح تتخطى الاختلافات العرقية واللغوية.

في رسالته إلى أفسس أيضًا، يعرض بولس خطة الله الرائعة لإحلال السلام والوحدة والخلاص لجميع الناس، اليهود والأمم على حد سواء. “الأمم شركاء في الميراث والجسد ونوال موعده في المسيح بالإنجيل” (أفسس 3: 6). يعامل الله البشر على قدم المساواة ويقدّم النعمة للبشر دون تمييز. كسفراء للمسيح، نحن مدعوون لإنجاز مهمته في مجتمعاتنا. خطته هي إحلال السلام والخلاص لجميع الناس، لذلك نحن مدعوون أيضًا إلى خدمة شاملة لا تقتصر على أي عرق. جسد المسيح في شمال أفريقيا مدعو لتجاوز كل الحدود الفاصلة وتوسيع خطة الله لتشمل الأمازيغ والعرب على قدم المساواة.

من ناحية أخرى، احترم بولس التقاليد اليهودية ولم يدعو المؤمنين من خلفيات يهودية إلى الامتناع عن ممارسة الختان أو تناول الطعام الطاهر. لكنّه أوضح لهم أيضًا أنّ الخلاص هو بالإيمان وليس بالأعمال. الكنيسة في شمال أفريقيا مدعوة إلى احترام اللغة والتقاليد الأمازيغية لشعبها. يمكن إظهار ذلك على سبيل المثال من خلال تقديم ترجمة إلى اللغة الأمازيغية خلال اجتماعات الكنيسة لأولئك الذين لا يتحدثون العربية.

قبول موت المسيح لغفران الخطايا وضع العرب والأمازيغ على قدم المساواة أمام الله. من خلال إتاحة غفران الخطيئة لجميع الشعوب، ألغى المسيح كل عذر للعداوة تجاه الآخرين.