إلى فلسطين وإسرائيل: افسحوا المجال لوجود الآخر الاجتماعي – السياسي والديني

بقلم جسّي ويلر

 

الخبر

بالنسبة لأولئك الذين يتابعون الصراع والتطورات العالمية المتعلقة بالنزاع الفلسطيني / الإسرائيلي، يمكن وصف شهر تشرين الثاني/ نوفمبر على أنّه سلسلة ارتفاعات ومنخفضات. لقد شهد الشهر الماضي، على سبيل المثال، انتخاب أول امرأة فلسطينية أمريكية في الكونغرس الأمريكي، رشيدة طليب، إلى جانب عدد من المناصرين الجريئين لحقوق الفلسطينيين، نذكر منهم إلهان عمر وألكسندرية أوكاسيو كورتيز. نظرًا لدور الولايات المتحدة الفعال في استمرار الصراع، فإن تكاثر الأصوات المتعاطفة مع الفلسطينيين في الكونغرس يُعدّ تطورًا مثيرًا للاهتمام، حتى كتقدميين جدد فهم يواجهون مؤسسة الحزب الديمقراطي التي ما زالت مؤيدة لإسرائيل. بالإضافة إلى ذلك، إنّ شركة Airbnb، وهي شركة لإيجار نُزل للمبيت عبر الإنترنت، اتخذت قرارًا بالتوقف عن تأجير منازل داخل المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهذا ما يمثل نجاحًا صغيرًا آخر لحركة المقاطعة اللاعنفية وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات.

إلّا أنّ الأمر الأكثر مأساوية هو أنّ “عملية القوات الخاصة” التي فشلت داخل غزة قد أدت إلى جولة إضافية من الأعمال العدائية بين إسرائيل وحماس والتي يخشى الكثيرون من أن تتحول إلى حرب شاملة أخرى. لقد أطلقت حماس 400 صاروخ على الأراضي الإسرائيلية، وكانت حادثة الموت الوحيدة لعامل فلسطيني من الضفة الغربية يقيم مؤقتًا في إسرائيل، بينما قصفت إسرائيل 100 موقع، من المدنيين والناشطين على حدّ سواء، ما أسفر عن مقتل سبعة أشخاص. إدراكًا للحالة الهشة في غزة منذ 2014، تواصلت حماس مع إسرائيل عبر مصر من أجل وقف الأعمال العدائية وإعادة وقف إطلاق النار الأمر الذي وافقت عليه حكومة نتنياهو في نهاية المطاف. بيد أنّ هذا الاتفاق أثار استقالة وزير الدفاع الإسرائيلي المتشدد أفيغدور ليبرمان وهدّد بانهيار حكومة نتنياهو، وهي خطوة اعتبرها الكثيرون ترشيح ليبرمان لرئاسة الوزراء. كما قام أعضاء آخرون من الحكومة بإدانة وقف إطلاق النار على نحو متشدد وأيّدوا في المقابل شنّ هجوم شامل على غزة، لكن في نهاية المطاف اختاروا عدم الاستقالة خشية أن يُنظر إلى انهيار الحكومة على أنه انتصار لحماس. ردًّا على ذلك، استمر نتنياهو في وضع نفسه في موقع الوسط المسؤول – وهو تطور مهم، وإن كان مدعاة للسخرية، مع اقتراب موعد الانتخابات.

التحليل

ولعلّ التطور الأكثر إثارة للاهتمام هو الإقرار بأنّ حماس تعمّدت التوصل إلى وقف لإطلاق النار مع إسرائيل وأنّ نتنياهو وافق على ذلك، في احتمال – أو على الأقل – إدراك خطر ذلك على التحالف الحاكم. يجب أن نتذكر أنّ كلّ واحد يمثل تقليديًا الحرب داخل مجتمعه. وقد أظهر كلّ منهما في تسعينات القرن العشرين معارضة اتفاقات السلام، ولعب كلّ منهما دورًا مهمًا في زوال أوسلو. فمن نواحٍ كثيرة، يُمكن القول إنّ حماس ونتنياهو غذّيا بعضهما بعضا في التخاصم وكلّ منهما يستمد شرعيته السياسية من معارضة العنيفة للآخر.

ومع لعب القادة ألعابهم السياسية، والرقص في قاعات السلطة أو وضع الاستراتيجيات داخل المخابئ والأزقة الخلفية للمقاومة، فإنّ الأبرياء هم الذين يعانون دائمًا. بينما يقرع السياسيون طبول الحرب، ويستحوذون الدعم الشعبي من خلال المواقف العدوانية والخطاب اللاإنساني، لا يأخذون بعين الاعتبار، أو لا يهتمون، لأولئك الذين يعانون بلا جدوى. ماذا يعني إذًا عندما يمدّ نسر الحرب ذراعه للسلام؟ هل نحتفل بهذه المبادرات أينما وجدناها؟ أو، هل يجب علينا أن ننظر إلى مثل هذه المساعي على أنّها مجرد رغبة في إدامة الوضع الشيطاني الراهن واستغلاله؟ هل يجب تفسيره على أنّه تعب جرّاء المعركة؟ أو أكثر من مجرّد مسرح سياسي؟ هل من الصواب أن يكون المرء متهكمًا ومرهقًا من نوايا الناس؟

لذلك، نستعير مفهومًا من علم النفس الاجتماعي ونسأل ما هي العوامل التي تسمح لاستعادة الثقة بين الجماعات المعدومة الثقة فيما بينها حاليًا؟[1]

[1] شكراً لاستشارية معهد دراسات الشرق الأوسط، د. ثيا ساغيريان.

 الانعكاسات الاهوتية والإرسالية

لى الرغم من الحساسيات المعاصرة، فإنّ كلّ دين هو سياسي بالفطرة – الإسلامي، اليهودي، المسيحي، أو غيرهم. إنّ الاعتراف بحكم الله، أو سلطانه السيادي، يحتاج تلقائيًا إلى تحييد أولئك المجموعات أو الحركات البشرية النظامية التي ترفع نفسها إلى مكانة الله، وتعيّن لنفسها سلطة الحياة والموت على الآخرين وتعيد تعريف الخطأ والصواب وفق إرادتهم (للسلطة). ولكن عندما يتحالف الزعماء الدينيون والجماعات الدينية أو يتماهون مع مثل هؤلاء القادة والمؤسسات قد يصبح الوضع خطرًا للغاية[1]. فهذا جوهر عبادة الأصنام.

خاصة عندما تتصارع الهويات الدينية-السياسية وتتنافس لتحتل الحيز الجغرافي أو الأيديولوجي نفسه، يمكن عندها أن يتحوّل الوضع بسرعة. وهذا ينطبق على أمريكا، حيث أنّ الكثيرين لا يعرفون أو يخشون الوافدين الجدد إلى الكونغرس، ووجهات نظرهم السياسية غير التقليدية وفي بعض الأحيان مواقف النصر – وهما من أكثر النساء المسلمات شهرة – وهذا ينطبق على حالة فلسطين / إسرائيل، حيث تجد العديد من القوميات الدينية والسياسية نفسها محصورة في حلقة مفرغة من الاستبداد والعنف.

يقودنا هذا إلى السؤال عن معنى مشاركة الفضاء العام، بسلام وعدالة. إنّ القومية العلمانية وخصخصة الدين كحل لهذه المسألة لهما تاريخ مضطرب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وفي أكثر الأحيان يفرضها القادة الاستبداديون. وبالمثل، لقد فقدت الليبرالية اللاهوتية / الحداثة اللاهوتية الكثير من نفوذها، كنتيجة لرفض سلطة المصادر الدينية التقليدية. إذًا، كيف يبدو الأمر بالنسبة لمجموعتين تشغلان الفضاء الاجتماعي الجغرافي نفسه، بسلام، من موقع الإخلاص الكامل لمعتقداتهم وهويتهم الاجتماعية – الدينية؟

في هذه الحالة، كل ما يمكنني فعله هو أن أشيد بكلمات المسيح يسوع: “فَكُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهِمْ، لأَنَّ هذَا هُوَ النَّامُوسُ وَالأَنْبِيَاءُ”. وأشيد بممارسة التعاطف، وأن نفسح بداخلنا المجال لوجود الآخر الاجتماعي-السياسي والديني. عندها يصبح هناك فرصة أن نكون قادرين في يوم ما على احتلال المساحة الجغرافية نفسها، بسلام وعدالة.

[1] Ida Glaser, The Bible and Other Faiths: What Does the Lord Require of Us? (Carlisle: Global Christian Library – Langham, 2005) Kindle Locations 1353-1387.