مدوّنة فلسطين/ إسرائيل – مارس/ آذار 2019

لا مناهضة السامية، ولا التعصب المناهض للفلسطينيين يجب أن يحظيا بمكان داخل الكنيسة أو المجتمع

بقلم جسّي ويلر

 

الخبر

بات من الشائع وعلى نحوٍ متزايد في الخطاب الغربي حول فلسطين وإسرائيل، مساواة نقد الدولة الإسرائيلية بمناهضة السامية. وفيما يتم اتخاذ تدابير تعزّز هذه الروابط في السياسة، توبّخ في أغلب الأحيان الأصوات المعارضة باعتبارها معادية للسامية. على سبيل المثال، تعرّض حزب العمّال البريطاني لهذه الاتهامات في السنوات الأخيرة تحت قيادة جيريمي كوربين. وردًا على ذلك، وتصديًا لمحاولة كوربين تقديم بيانات توضيحية، فإنّ تعريف حزب العمل المعتمد حديثًا لمعاداة السامية يساوي وعلى نحوٍ صريح انتقاد إسرائيل مع معاداة السامية. في فرنسا، تقوم حكومة إيمانويل ماكرون بتحركات لتجريم “معاداة الصهيونية” باعتبارها شكلًا من أشكال معاداة السامية، في حين أنّه ثمة مؤسسات في ألمانيا قد تمّ تجميد أصولها.

كتب الصحافي جوناثان كوك، “في الولايات المتحدة ثمّة 26 ولاية قامت بسنّ قوانين لمعاقبة أو مجازاة الأفراد والمنظمات التي تؤيد مقاطعة [إسرائيل]. لا يزال هناك تشريعات مماثلة قيد الإقرار في 13 ولاية أخرى.” وقد أدى هذا بالفعل إلى طرد أشخاص من وظائفهم وكان حافزًا لتمرير مجلس الشيوخ الأمريكي لقانون مكافحة المقاطعة، سحب الاستثمارات، والعقوبات بتأييد 77 صوت مقابل اعتراض 23 على هذه القوانين. في ظلّ هذه الأجواء اعترضت عضو الكونغرس، إلهان عمر، على ما تعتبره تأثير مفرط في الكونغرس من قبل لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك)، وهذا ما أدينَت عليه بشدة من قِبل قيادة الحزب الديمقراطي لتداولها “استفزازات معادية للسامية واتهامات مسيئة”. وهذا الأسبوع بالذات، تمت أُدينَت عمر مرة أخرى لإدلائها بتعليقات أخرى تتحدّى فيها ما تراه دعمًا أحادي الجانب لإسرائيل في الكونغرس. وحتى كتابة هذه السطور، ما زالت عمر تواجه استنكارًا من زملائها في الكونغرس.

التحليل

لا بدّ من التأكيد من دون أيّ شك على أنّ معاداة السامية واقع حقيقي. إنّه أمر خطير. وهي دمغة مازالت عالقة في الإرث الثقافي الغربي لآلاف السنين. وهي تزداد مع الوقت. ويجب إدانتها أينما وجدت. من المؤسف أنّ المناقشات حول إسرائيل وفلسطين قد تلطخت بنبرة مناهضة للسامية. ومع ذلك، يجب التأكيد على أنّ التعصب ضد الفلسطينيين في حدّ ذاته قوة غير معترف بها تقريبًا في الأوساط الغربية. إنّه يعمّ قاعات السلطة، ويجب أن يُسلط عليه الضوء وإدانته، لا سيّما أنّ الفلسطينيين يعانون يوميًا تحت وطأة الاحتلال العسكري، وفي بؤس مخيمات اللاجئين (في لبنان أكثر من أي مكان آخر)، أو في دهليز المنفى.

ما أراه أساسًا لهذا الخطاب هو تضارب في التعريفات. لهذا السبب، من الأهمية البالغة توضيح التعريفات في المناقشات حول إسرائيل / فلسطين. وإلّا، فإنّ ما ينوي المرء أن يقوله لن يقرأه شخص آخر بالمعنى نفسه. مفتاح هذه المناقشة هو تعريف مناهضة السامية وصلتها بمناهضة الصهيونية. في الوقت الذي يعرّف فيه القادة الغربيون على نحو متزايد النقد الموجه للسياسة الإسرائيلية على أنها معاداة للسامية، أدانت مجموعات أخرى في الصهيونية ما تراه إيديولوجية عنصرية بطبيعتها. يكتب كوك، في تمييزه بين مناهضة السامية ومناهضة الصهيونية قائلًا،

مناهضة السامية تشير إلى كراهية اليهود. إنّه بكلّ بساطة تعصب عنصري.

من ناحية أخرى، فإنّ معاداة الصهيونية هي معارضة الأيديولوجية السياسية للصهيونية، وهي حركة أصرت بكل مظاهرها السياسية على إعطاء الأولوية لحقّ اليهود بوطن على حساب أولئك الفلسطينيين، الذين كانوا يعيشون هناك في الأصل.

معاداة الصهيونية ليست عنصرية ضد اليهود. إنّها معارضة لعنصرية اليهود الصهاينة.

وبالطبع، قد تكون معاداة الصهيونية معاداة للسامية، ولكن من المرجح أن يتخذ مناهضو الصهيونية مواقفهم لأسباب عقلانية وأخلاقية تمامًا.

في الواقع، نشطاء ما بعد الصهيونية[1] اليهود هم في أغلب الأحيان أكثرهم صخبًا في معارضتهم لمعاملة إسرائيل للفلسطينيين، كما نرى في هذه الأعمال موندويس، صوت اليهود من أجل السلام، إن لم يكن الآن، كسر الصمت، بتسيلم، كتابات مارك إليس، الحاخام برانت روزن، وغيرهم.

غير أنّ تعريف من هو الأهم؟

الألم اليهودي حقيقي، ويجب الاعتراف به وأخذه بعين الاعتبار. وبالطبع، ينكر الفلسطينيون المسؤولية التاريخية لهذه الآلام، ويرون أنّها خطيئة أوروبية أُجبِروا على تحمل عواقبها كشعب مستعمَر. وغالبًا ما يكونون يفقدون الأمل في أن تُخبر قصتهم ويُعترف بمعاناتهم المستمرة. ولا يمكن نقل تاريخ قدرنا دون تضمين منظور الأمريكيين الأصليين، و”أعباء الرجل الأبيض” دون منظور الرجل غير الأبيض (أو المرأة)، أو الإرسالية المُحضِّرة دون منظور أولئك الذين فُرِضَت عليهم “الحضارة”، إعادة صياغة الكاتب والمحلل روبرت كوهين، لا يمكن الحديث عن الصهيونية دون النظر إلى المنظور الفلسطيني. وهذا هراء إذا كنت قد افترضت مسبقًا عدم شرعية المنظور الفلسطيني على أنّه جدير بالاعتبار. يقول كوهين: “إذا أردنا أن نكون جديين بدل أن نكون قبليين في تعريف عادل للصهيونية، فنحن بحاجة إلى أن نسأل الشعب الفلسطيني بما يفكّر ويؤمن ويشعر”. وإذا أخبرونا بأنّ “الصهيونية هي مسعى عنصري”، فمن الأفضل أن نتيقّظ”.

التأملات اللاهوتية والانعكاسات الإرسالية

للتكرار: معاداة السامية أمر حقيق وخطير وفي ازدياد مستمر. ويجب إدانته أينما وُجد. وفي الوقت نفسه، فإن التعصب ضد الفلسطينيين هو في حد ذاته قوة يجب إدانتها أيضًا من دون أيّ شك.

ما يجب الإقرار به هو أن نفس الأشخاص الذين ينبذون وينددون بمعاداة السامية أينما وُجدت، هم نفس الأشخاص الذين ينبغي عليهم أن يشجبوا التعصب المناهض للفلسطينيين أو المعاداة للعرب أو المسلمين، وذلك لكون ذلك إهانة لإنسانيتنا المشتركة كمخلوقين على صورة الله، وإهانة لقهرنا المشترك، إهانة لالتزامنا المشترك بحقوق الإنسان العالمية، و / أو إهانة للتعاضد بوجه كل أشكال الظلم – غير أنّ المرء يفضّل تأطير الخطاب بإطار واحد.

إقرار حقوق مجموعة واحدة، وفي الوقت نفسه إنكار حقوق شخص آخر هو إهانة للرؤية التوحيدية، أي وجود إله عالمي واحد سائد. إمّا هناك حرية وعدالة للجميع، أو لا حرية وعدالة لأحد. في الكلمات الخالدة للقس مارتن لوثر كينغ، الابن،

الظلم في مكان ما يمثل تهديدًا للعدل في كلّ مكان. نحن عالقون في شبكة لا مفر منها من التبادلية، ومربوطون بحبل مصير واحد. ما يؤثر بواحد على نحو مباشر، يؤثر بالجميع على نحو غير مباشر.

إنّ حقوقي لا تنكر حقوق الآخر، ولا يمكنني المطالبة بحقوقي على حساب شخص آخر. وذلك لأنّ تحريري يرتبط ارتباطًا لا ينفصل عن الآخر، وذلك بإعادة صياغة لناشطة السكان الأصليين ليلى واتسون.

ما الذي يمكن للكنيسة فعله حيال ذلك؟ الخطوة الأولى، وأنا أتحدث هنا كمسيحي غربي يعيش في الشرق، التوبة والاعتراف، وثانيًا التعويض. نحن متواطئون. أيدينا ملطخة بالدم. إنّ تحيّزنا الذي ندعمه بلاهوتنا في كثير من الأحيان، قد تسبب على نحو مباشر وغير مباشر، على نحو ناشط وسالب، بموت الملايين من خلال مذابحنا وفتوحاتنا الاستعمارية على حد سواء. واليهودي والفلسطيني على حدّ سواء.

يجب أن نعود إلى أنفسنا الفُضلى، لتعاليم ملكنا الذي يسير فيها التعاطف والعدالة جنبًا إلى جنب. يجب أن يصبح ألم الآخر ألمي، لأننا نبذل أنفسنا في العمل لتحقيق عالم بلا جدران حيث قد يختبر الجميع يومًا ما السلام الإلهي لملكوت الله.


[1] مصطلح سمعته لأوّل مرة كطالب جامعي في تاريخ الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في جامعة كاليفورنيا في بيركلي في شتاء / ربيع عام 2003.