العيش في السبي، في الوطن والمهجر: الفلسطينيون يواجهون التهميش المستمر

بقلم جسّي ويلر

 

الخبر والتحليل

لقد صُدمت الشهر الماضي بقصتين إخباريتين مختلفتين ولكنّهما مرتبطتان في آنٍ معًا. أولاً، في 12 كانون الأول / ديسمبر 2018، صوّت الكنيست الإسرائيلي بأغلبية ساحقة على رفض القانون الأساسي: مشروع قانون المساواة بهامش 71-38. وإليكم اقتباس مباشر من إعلان الاستقلال الإسرائيلي، حيث ينص مشروع القانون على ما يلي: “تلتزم دولة إسرائيل بإقامة المساواة في الحقوق السياسية متساوية بشكلٍ تام لكل مواطنيها، بدون فرق في الدين أو العرق أو الجنس”. وبعد قانون الدولة القومية المثير للجدل، والذي أرسى القانون الرسمي الذي يُمارس على أرض الواقع داخل إسرائيل، نصّت الحكومة شروطًا مُلتبسة على أنّ الدولة موجودة لصالح جماعة اجتماعية دينية واحدة على حساب جماعة أخرى. لا يبرز التمييز العلني وتزايد اليأس في الوضع إلّا من خلال الواقع حيث أنّ المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل – مسيحيين ومسلمين ودروز – يشكلون ما يقرب من 20٪ من السكاّن، ما خلى الأراضي الخاضعة للاحتلال العسكري (والتي تزيد النسبة إلى أعلى من 50 ٪). إنّ هذه الإحصائيات تتحدّى ادعاء إسرائيل بأنها “النظام الديمقراطي الوحيد في الشرق الأوسط”. في هذه الأثناء، لا يزال الفلسطينيون محاصرين في وضع لا نهاية له من اللامبالاة، ويعيشون غرباء داخل وطنهم.

ثانيًا، بمناسبة الذكرى السبعين لقرار الأمم المتحدة رقم 194 الذي يمنح اللاجئين الفلسطينيين حق العودة، نشرت قناة الجزيرة في 14 كانون الأول / ديسمبر 2018 تقريراً بعنوان “الفلسطينيون في لبنان يتأملون في حلم العودة المتلاشي.” على مدى أربعة أجيال على الأقل، منذ عام 1948 عندما طُرِدوا أو هربوا من منازلهم التي تضمّها إسرائيل اليوم، وهؤلاء الفلسطينيون يعيشون كلاجئين في لبنان. إنّ وضعهم في لبنان، وهو نظام ديمقراطي أخر في الشرق الأوسط، يتسم إلى حدّ كبير بالفقر والتهميش، حيث يفتقر اللاجئون إلى الحقوق المدنية ويحظرون قانونيًا من مزاولة العديد من المهن. مخيمات اللاجئين التي أُنشِأَت لـ500 عائلة، مثل برج البراجنة في جنوب بيروت حيث تطوعت مرة كمدرّس اللغة الإنجليزية، تضم الآن ما لا يقل عن 50000 نسمة وتفتقر إلى البنية التحتية الأساسية. كما أنّ التوازن الديموغرافي الدقيق في لبنان يجعل تحسن ظروفهم أمرًا شبه مستحيل. هذا الوضع معقد فقط بسبب أنّ إسرائيل، والآن الولايات المتحدة، لطالما سعت إلى غسل يديها من المشكلة التي خلقتها من خلال الضغط لإزالة “قضية اللاجئين” من نطاق الحوار المقبول، حتى إلى النقطة إنكار وجود مشكلة لجوء أو وجود فلسطينيين كمجموعة متميزة من الناس. هذا بالطبع سيكون خبرًا غير مألوف لأي شخص في لبنان.

بالنظر إلى هذه البيئة التي يعيش فيها الفلسطينيون، يبرز تقرير قناة الجزيرة ثلاث وجهات نظر متباينة أعرب عنها أصغر جيل من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وهم يواجهون وضعهم المربك. وكما هو متوقَّع، موقفهم يسجل الشوق الحار لهؤلاء الذين أملهم المطلق هو الهروب من وحش المقاومة المستمرة إلى دوّامة التسوية:

          “الطبيعة جميلة في فلسطين، خضرة في كل مكان”.

“ثمة أشجار زيتون هناك. إنّها كجنة عدن”.

“إن شاء الله! يوم ما سوف نعود! “

كما يجسّد التقرير الأمل المتضائل لأولئك الذين يتطلعون للهروب من ظروفهم في الشرق الأوسط لمراعٍ خضراء في الخارج، مثل العديد من اللبنانيين، في أوروبا أو في أي مكان آخر:

لن يتخلى عن حق العودة – كمبدأ. وقال: “إنّه وطننا، وطني. وأينما كنت أعمل، يبقى بلدي بلدي”.

ومع ذلك، قال إذا كان لديه فرصة الحياة الكريمة في أوروبا، فهذا صحيح سيختارها.

أخيرًا، يجسد التقرير التناقض الكئيب واليائس بين هؤلاء الشباب الذين يرون أنفسهم بعد أربعة أجيال أنهم لبنانيون:

          “لقد ولدت هنا، وأريد العيش هنا. ومن يدري كيف سيعاملنا الفلسطينيون”.

العودة إلى فلسطين قد تحولها إلى لاجئة مرة أخرى، ففكرت في الأمر – ذلك صعب لأنّها ستكون في البلد الذي حلمت به أسرتها لفترة طويلة. لكنّها تفضل إقامة معركة في بيئة مألوفة.

وقالت: “إذا حصلت على حقوقي في لبنان، فسأتمتع بها هنا”.

التأملات اللاهوتية والإرسالية

آخر ما أقوم به في هذا التأمل هو الخوض في مياه السياسة اللبنانية المضطربة، أو التجرؤ على تقديم حل. بعد أن سُلبوا من ديارهم لفترة طويلة، على الفلسطينيين أنفسهم أن يحدّدوا أفضل طريقة للاستجابة لتهميشهم، ومنفاهم الذي يبدو أبديًا والذي يجدون أنفسهم عالقين فيه – في الوطن أو المهجر. يمكنني ببساطة تشجيع الأطراف المعنية على عدم فقدان الأمل والتشبث بوعد الكتاب المقدس بأنّ الله يقف بجانب المهمشين، ويسمع صراخ المنبوذين، ويقف فوق حكم رؤساء هذا العالم.

أحد المراجع، وإن كان ساخرًا، الذي قد أوصي الفلسطينيين به هو في العهد القديم، قصة يدور فحواها حول السبي. على الرغم من التجاوزات التي حملها النص في الذاكرة الحديثة، والتجاوزات التي يعتبر الفلسطينيون بها الضحية الكبرى، ستكشف القراءة المتأنية للنص أنّهم أيضًا ورثة للوعود الموجودة في القصّة. بدلاً من تجنب العهد القديم واعتباره مصدر إحراج، يمكن أ تنطلق الكنيسة الفلسطينية منه لإعادة إعلان رسالته. قراءة النص على نحو مناسب ستؤدّي إلى إرسال رسالة فعّالة، وقد يكون ما يحتاجه الفلسطينيون لإعادة تأكيد حقّهم في الوعود.

وأخيراً، أوصي بمدونتين بارزين كتبهما زملائي في معهد دراسة الشرق الأوسط في الأشهر الأخيرة، يوفيان هذا الموضوع حقّه أكثر منّي: