مدوّنة فلسطين/ إسرائيل – يونيو/ حزيران 2019

المطلوب هو السلام وليس التهدئة في الأرض المقدسة

بقلم جسّي ويلر

 

الخبر

إلى حين كتابة هذا المقال، كان آخر إعلان صادر عن الإدارة الأمريكية بشأن خطة السلام الإسرائيلية الفلسطينية التي طال انتظارها – الملقّبة بـ “صفقة القرن” – هو أنّ محتوى الخطّة ومضمونها سيتم الإعلان عنهما في حزيران/يونيو 2019، وقد تم إخفاءهما حتى الآن بستار السرية “غير السري”. سنعلم قريبًا ما إذا كان هذا هو الحال بالفعل. تكهن النقاد والحزبيون، من اليسار واليمين، مضمون الخطة، حيث توقّع الكثيرون فرص نجاحها والبعض الآخر أعلن أنّها ستولد ميتة – بناءً على ما شهدناه حتى الآن فيما يتعلق بالاعتراف بالقدس ومرتفعات الجولان ووقف تمويل الأونروا وتهميش القيادة الفلسطينية. وفي الوقت نفسه، نشرت صحيفة إسرائيل اليوم ما يقولون أنّه مشروع مسرّب للخطة.

أعاد الصحفي جوناثان كوك صياغة العناصر الرئيسية لمضمون الخطة على النحو التالي:

  • دعم ضم إسرائيل الكامل لمساحات شاسعة من الضفة الغربية وإدماج المستوطنات الإسرائيلية بصورة كاملة في إسرائيل، وهو أمر غير قانوني حاليًا بموجب القانون الدولي.
  • تأسيس كيان، يُشار إليه باسم “فلسطين الجديدة”، ويتألف من مناطق منفصلة معزولة عن بعضها البعض وتحيط بها المستوطنات. “فلسطين الجديدة” ستشكل 12٪ من فلسطين التاريخية أيام الانتداب.
  • تأمين التمويل الاقتصادي (30 مليار دولار على مدى 5 سنوات) إلى “فلسطين الجديدة” وهي منح مقدّمة بصورة أساسية من دول الخليج الغنية. تتلقى إسرائيل حاليا 38 مليار دولار من المساعدات، والتي من المرجح أن تستمر.
  • ستبقى القدس عاصمة إسرائيل. لن يُسمح للإسرائيليين ظاهريًا بشراء منازل فلسطينية، لكن فلسطينيو القدس الشرقية سيصبحون مواطنين في فلسطين الجديدة، وليس القدس.
  • سيتم فتح قطاع غزة على الأرض في شمال سيناء حيث سيكون هناك ظاهريًا منطقة صناعية ومطار للاستخدام من قبل سكان غزة.
  • سيصبح اللاجئون الفلسطينيون في البلدان المحيطة مسؤولية هذه البلدان المختلفة بصورة دائمة.
  • إذا رفض الفلسطينيون الصفقة، وفقًا لتقرير جوناثان كوك، “ستقطع الولايات المتحدة جميع تحويلات الأموال إلى الفلسطينيين” و”ستسمح الولايات المتحدة لإسرائيل” بإلحاق الأذى شخصيًا بقيادة حماس والجهاد الإسلامي.
  • إذا أخفقت إسرائيل في الالتزام بالاتفاقية، فإنها ستخسر التمويل ظاهريًا.

وبالمثل، أفيدَ أنّ المسؤولين السعوديين قد سلّموا تقريرًا لمحمود عبّاس، الذي لم يكن مفاجئًا أن يرفضه مباشرة. بعد رؤية الخطة والاعتراض عليها، قدّم عباس عرضًا داحضًا للأميركيين، “الذين رفضوا مناقشته وحذّروا من أن الخطّة ليست للتفاوض بل للتطبيق.” وكما أفادت “ميدل إيست آي“، “كما قال المبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط، جيسون غرينبلات، أنّ خطة السلام الأمريكية تهدف إلى إفادة المنطقة ككل، ولا تتطلب موافقة الفلسطينيين.” وأضاف أنّ “الفلسطينيين لم يعودوا الطرف الحاسم. لدينا خطة للمنطقة ويمكن للفلسطينيين الانضمام إليها إذا أرادوا، لكنّهم أيضًا أحرار في عدم المشاركة “.

التحليل

بصفتها “خطّة سلام” بين الإسرائيليين والفلسطينيين، أعتقد أنّه من العدل أن نقول أنّ بدون مشاركة فلسطينية ستكون الوثيقة ميتة عند ولادتها. بالنسبة لأولئك الذين يدركون المنظور الفلسطيني، يبدو أنّ الشروط المذكورة أعلاه ستضيف ببساطة شرعية دولية إلى الوضع الحالي للاحتلال والاستيطان الإسرائيلي، لتنضم إلى تاريخ طويل من الاتفاقات المرعية دوليًا – والتي يفصّلها أستاذ جامعة كولومبيا رشيد الخالدي في “حرب المائة عام على فلسطين“: من إعلان بلفور عام 1917، الذي أعلن رغبة بريطانيا العظمى في إنشاء “وطن قومي لليهود”، ثمّ 5٪ من السكّان في فلسطين التاريخية؛ خطة الأمم المتحدة للتقسيم عام 1947، التي تمنح 55 ٪ من أكثر الأراضي المرغوبة لما كان في ذلك الوقت 31 ٪ من السكّان؛ قرار الأمم المتحدة رقم 242 بعد حرب 1967 الذي شهد مجيء الاحتلال الإسرائيلي، والضغط على الفلسطينيين للتخلي عن مطالباتهم بفلسطين التاريخية، وفرض فلسطين في نهاية المطاف على إقامة دولة خاصة داخل الأراضي المتبقية (22٪)؛ إلى اتفاقيات أوسلو في أوائل التسعينيات، والتي منحت شرعية الاحتلال الإسرائيلي مقابل ذريعة قيام دولة فلسطينية لها “سلطة” على مساحة أصغر (40٪) من المساحة المتبقية البالغة 22٪ من الأراضي بعد عام 1967. بالنسبة للفلسطينيين، تمثّل خطة كوشنر مجرد مرحلة إضافية في نزوحهم المستمر على يد مؤسسة استيطانية قوية من الناحية العسكرية. لهذا السبب، كان القادة الفلسطينيون يصفون الخطة بأكثر من مجرد “شروط للاستسلام” أو “مذكرة استسلام“.

غير أنّ أنشيل بفيفر، كاتب في صحيفة “هآرتس، يسأل، “ماذا لو كانت خطة ترامب ستعمل؟” – ليس “كخطة سلام”، ولكن كوسيلة لإزالة المشكلة الفلسطينية من جدول الأعمال الدولي وخلق مساحة للتعاون الإقليمي العربي الإسرائيلي. ويكتب بفيفر قائلًا،

بالنسبة إلى واضعي الخطة، لا يتعلق الأمر بتقديم حلّ عادل ومنصف للفلسطينيين. النجاح بالنسبة لهم هو إزالة الفلسطينيين ومأزقهم من جدول الأعمال الدولي بأقل سعر ممكن. هذا السعر هو عبارة عن سلسلة من المقاطعات التي تتمتع بحكم شبه ذاتي في غزة، وعلى الأكثر، نصف أراضي الضفة الغربية، وبقدر ما يتطلبه الأمر من أموال سعودية وإماراتية وقطرية للحفاظ على هدوء الفلسطينيين.

التأمل اللاهوتي والانعكاسات الإرسالية

السعي لتحقيق المصالحة يكمن في صميم إرساليتنا كأتباع للمسيح. أي أمر أقل من هذا هو تقصير في أداء الواجب. كما أوضح اللاهوتي فيلي ماتي كركاينين في فصلٍ عنوانه، “المصالحة: إرسالية الكنيسة في العالم” وذلك من كتابه “المسيح والمصالحة: لاهوت مسيحي بنّاء لعالمٍ تعددي”:

إنّ طرح عقيدة الكفّارة في إطار الثالوث الصحيح وفي سياق أمانة الله لخليقته يساعدنا على توسيع عمل الكفّارة وجعله أكثر شمولية من خلال التركيز على المعنى المتعدّد الجوانب لمصطلح “المصالحة” – الشفاء وجمع العلاقات المنكسرة. من بين كل استعارات الخلاص، فإنّ المصالحة لها القدرة على أن تكون الأكثر شمولية، وتجمع أفكارًا مثل “المصالحة الكونية، والمفهوم العبري لشالوم، ومعنى الصليب، والآثار النفسية للتحول، وعمل الروح القدس، والتغلب على الحواجز بين المسيحيين، وعمل الكنيسة في العالم، وصنع السلام، والتحركات نحو المصالحة العرقية وتجديد التوازنات الإيكولوجية بين الإنسانية وبيئتها الطبيعية.” وتكمن وراء الكثير من جوانب المصالحة هذه فكرة استعادة العلاقات المنكسرة.[1]

هذه هي الرؤية المستقبلية التي يجب أن نسعى إلى تحقيقها في الوقت الحاضر، في فلسطين وإسرائيل بلا بل في أيّ مكان آخر. من جانبه، يعرّف جون بول ليدراتش، صانع السلام المنونايت الشهير، المصالحة بأنّها تتكون من أجزاء متساوية من الحقيقة والعدالة والرحمة والسلام.[2] دون وجود جميع الجوانب الأربعة مجتمعة، ستبقى أي محاولات للمصالحة هشة وغير كافية.

علاوة على ذلك، بالاعتماد على الأفكار المستقاة من سليم منير وليزا لودين، في حالات الصراع المستعصية غالبًا ما يكون هناك إطاران سرديان متميزان لتفسير الصراع وفهمه. هذا هو الوضع في صراع إسرائيل – فلسطين. الفلسطينيون والمتعاطفون معهم، على سبيل المثال، يفسّرون التاريخ ويحملون اللوم للطرف الآخر، بينما الإسرائيليون والمتعاطفون معهم يفسّرون التاريخ على نحو مختلف ويوجهون اللوم بطريقة معاكسة. وبما أنّ الهويات الشخصية والجماعية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالروايات التي يفسّر من خلالها الأفراد أو الجماعات تجاربهم في الصراع، فإنّ التعامل مع قراءات بديلة للتاريخ يمكن أن يكون أمر بالغ الصعوبة وفي بعض الأحيان يزعزع الاستقرار النفسي والعاطفي. فإنّ الحلّ المقترح الذي قد يبدو معقولًا ومقبولًا لطرف، قد يبدو كارثيًا للآخر. بهذه الطريقة، سيقوم الفلسطينيون بطبيعة الحال بتفسير “هدية” شمال سيناء من خلال عدسة النكبة، كمثال إضافي للتطهير العرقي، وهي محاولة أخرى لطرد الفلسطينيين من وطن أجدادهم. وبالمثل، كثيرًا ما يفسر الإسرائيليون “حلّ الدولة الواحدة” من خلال عدسة معاداة السامية التاريخية والمذابح المعادية لليهود التي تؤدي في النهاية إلى المحرقة، وهي بالتالي رغبة في تدمير إسرائيل. تجسّد كل من المجتمعات الفلسطينية والإسرائيلية روايات يكسب فيها أحد الأطراف ما يخسره الآخر.

وبإعادة صياغة الأخلاقيات الفلسفية لألاسدير ماكينتير: في أي خلاف أو حوار، يتطلب الاتفاق “تمكين كلّ من أولئك الذين يشاركون فيه بالتعبير عن مخاوفهم الخاصة وفهم اهتمامات الآخرين”. وإلّا، فإنّ شري القمع أو التعطيل سيولدان مشاكل حتمية[3]. ولهذا السبب بالتحديد، يجب أن يكون الطرفان حاضرين على طاولة المفاوضات إذا ما كان الهدف التوصل إلى ما يشبه السلام العادل. لذلك، من أجل الرحمة والسلام، يجب أخذ الروايتين الإسرائيلية والفلسطينية في الاعتبار وتقييمها. غير أنّه ولأجل إحقاق الحق والعدالة، يجب أيضًا الاعتراف بأنّ ليست كلّ الروايات مبنية على أسس متساوية. يبعث البعض شعور الضحية بصورة مستمرة، سواء كان ذلك حقيقيًا أو متخايلًا. تخدم بعض الروايات على تيسير “العنف الفاضل“، ما يزيد من احتمال حدوث الصراع العنيف وإطالته. وتخدم بعض الروايات بكلّ وضوح مصالح الإمبريالية وإضفاء الشرعية على الاحتلال والاستغلال والسرقة. في سيناريو كهذا، السلام بدون عدالة ليس أكثر من مجرد تهدئة، لأنّه يذكرنا دانيال جرودي أنّه “لطالما هناك اختلالات اقتصادية واجتماعية صارخة، السلام مستحيل”.[4]


[1] Veli-Matti Karkkainen, Christ and Reconciliation: A Constructive Christian Theology for the Pluralistic World (Grand Rapids: Eerdmans Publishing, 2013) 364

[2] John Paul Lederach, Reconcile: Conflict Transformation for Ordinary Christians (Harrisonburg: Herald Press, 2017) 83

[3] Alasdair MacIntyre, Ethics and Politics: Selected Essays Vol. 2 (Cambridge: Cambridge University Press, 2006)

[4] Daniel Groody, Globalization, Spirituality and Justice, (Maryknoll: Orbis Books, 2007) Kindle Location 3061.