مدوّنة لبنان – ديسمبر/ كانون الأوّل 2018

الأسرى المفقودون، قضية في انتظار تدخل الكنيسة في عملية الشفاء

بقلم شادن هاني

 

الخبر 

في تموز/ يوليو الماضي، قام جهاديون في تنظيم الدولة الإسلامية باختطاف ثلاثين امرأة وطفلًا درزيًا من محافظة السويداء الجنوبية في سوريا، وفي الشهر الحالي، تمّ الإفراج عن آخر 19 امرأة من أصل الـ 30  بعد محنة استمرّت خمسة عشر أسبوعًا انتهت باتفاقٍ يقضي بتبادل الرهائن.

هذه القصة تعيد إلى أذهاننا قصةً أخرى حصلت منذ ثلاث سنوات تخصّ 16 جنديَا لبنانيًا اختطفتهم مجموعة ” جبهة النصرة” السورية وتم الإفراج عنهم في كانون الأول/ ديسمبر من العام 2015، بعد ستة عشر شهرًا من الحجز في مدينة عرسال الشمالية على الحدود اللبنانية السورية، بعد اتفاق بتبادل أسرى محتجزين من قبل الحكومة اللبنانية من السُنّة الأصوليين.

نتيجة الاحتلال السوري للأراضي اللبنانية الذي استمر من العام 1976 إلى العام 2005، ثمة اليوم أكثر من 600 رجل لبناني ما زالوا معتقلين في السجون السورية، من دون أي خبر يطمئن سؤال ذويهم عن أماكن تواجدهم أو سلامتهم. وعلى الرغم من النداءات المتعددة من المجتمع الدولي لمعرفة مصير هؤلاء المعتقلين، يبقى تجاهل الحكومة السورية لهذه المأساة صادحًا أمام معاناة أهالي الضحايا الذين لم يوفّروا أيّة وسيلة ممكنة لمحاولة استرجاع أولادهم.

التحليل

قضيّة المعتقلين العسكريين والسياسيين والدينيين ليست أخبارًا جديدة في التاريخ الحديث للشرق الأوسط. قصص السجناء والرهائن في مصر، اليمن، العراق وحتى في المملكة العربية السعودية ملأت القنوات الإخبارية، وأدّت إلى نداءات ومفاوضات دولية نيابة عن المعتقلين. اختطاف الرهائن واحتجازهم ليس فقط انتهاك لحقوق الإنسان، بل يُعتبر جريمة ضد الإنسانية بحسب قانون روما للمحكمة الجنائية الدولية.

لطالما كان موضوع المعتقلين اللبنانيين مثيرّا للجدل تم التداول به وتجاذبه منذ انسحاب القوات السورية من لبنان عام 2005. وفي الحادي عشر من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، صوّتت اللجنة التشريعية في البرلمان اللبناني لصالح القانون رقم 19، الذي يوافق على تشكيل لجنة مستقّلة لتحديد مصير المعتقلين عبر جمع البيانات وفحص للحمض النووي وإخراج الجثث التي تم دفنها ما بين عام 1975-1990. هذه الإجراءات ستمّكن السلطات اللبنانية من إبلاغ أهالي المخطوفين عن مصير أولادهم وأحبائهم. “هذه هي أول خطوة في اتجاه مساعدة الأهالي على إنهاء معاناتهم” تقول رونا حلبي، المتحدثة باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

هذا وقد صرّح وزير الخارجية اللبنانية قائلًا: “من خلال اعتماد قانون يوافق على متابعة موضوع المخطوفين، يدخل لبنان لأول مرّة في مرحلة مصالحة حقيقية من خلال تضميد الجراح ومنح الأهالي حقهم في معرفة مصير أولادهم”.

التأمل اللاهوتي والانعكاسات الإرسالية

دورة الحزن هي كما يلي: الصدمة والإنكار، الألم والذنب، الغضب والمساومة، الاكتئاب، التطلع إلى ما بعد، إعادة البُنيان ومحاولة معالجة الأزمة وأخيرًا القبول. في كلّ مرحلة من هذه المراحل ثمة دور مهم للكنيسة تستطيع فيه أن تساعد العائلات على التعامل مع الألم وأن تقودهم الى الشفاء والمصالحة. عملية الشفاء تتضمن معالجة الجروح الخارجية والداخلية التي تحتوي مرارة يخزّنها الإنسان في كيانه وقلبه وتعيق نموه وتقدمه، وعمل الكنيسة يأتي في المساعدة على تجاوز هذه الحواجز من خلال مبادرات عمليّة تركّز على معالجة الصدمات والمصالحة الشاملة.

فعندما بدأت الأزمة السورية عام 2011، بادرت الكنيسة المحليّة في لبنان إلى مساعدة اللاجئين السوريين قبل أن يتسنى لها الوقت الكافي كي تعالج جراح الشعب اللبناني الذي عانى تحت يد الاحتلال السوري، ولا زال البعض يعاني من فقدان أفراد عائلته رهائن لدى النظام السوري. المشاعر أساسية في عملية المصالح. لهذا السبب أعطى يسوع المسيح أهمية كبيرة لشفاء القلب كما لشفاء الجسد، بتركيزه على معالجة المشاعر العميقة للأشخاص الذين التقاهم. عندما أقام اليعازر من الموت كان المسيح يحاكي قلب أخواته المحترق والموجوع إثر الفقدان، وعندما شفى ابنة الامرأة الكنعانية، كان يستجيب لوجع قلب الأم المنسحق أمام مرض ابنتها.

الشفاء من الصدمات والتعامل مع الحزن هما حاجة أساسية للعديد من الأشخاص في الكنيسة المحلية. فعندما لا نسمح لأنفسنا بالحزن ونعالج مراحله، يمكنه أن يبقى متشبثًا في قلوبنا لوقت طويل. كنائسنا بحاجة أن تعالج هذا الألم في مجتمعاتها وفي المجتمع اللبناني عام. الرحمة، المحبة، الرجاء السلام والمصالحة كانت ويجب أن تبقى اللغة التي تتكلم بها الكنيسة.