مدوّنة لبنان – مارس/ آذار 2019

بذار التغيير

بقلم شادن هاني

 

الخبر

تمكّن رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري من تشكيل حكومة في تاريخ 31 كانون الثاني/ يناير بعد أكثر من تسعة أشهر من المفاوضات. مؤخرًا نالت هذه الحكومة ثقة البرلمان اللبناني وأصبح بإمكانها أن تباشر بورشة عملٍ جديّة لتحسين الوضع الاقتصادي والمالي للدولة اللبنانية وإجراء إصلاحات شاملة في قطاع لخدمات العامة. دَعا الحريري جميع الوزارات الممثِلة لجميع للأحزاب السياسية بالانضمام إلى “ورشة عمل” وطنية لحلّ أزمة الكهرباء المزمنة ومشاكل النفايات ومكافحة الفساد المتفشية في الإدارات العامة. كما قال رئيس البرلمان اللبناني نبية برّي المنتخب منذ عام 1992، أنّ المشرّعين يمكنهم الآن المضيّ قدمًا في تحقيق هدفهم الأول وهو محاربة الفساد.

التحليل

الفساد في لبنان منتشر انتشارًا واسعًا، ويشمَل جميع فئات المجتمع وميادينه. كلّ حزب وكلّ وزارة تتحدث مؤخرًا عن موضوع محاربة الفساد وكأنّه عنصر غريب اُسقط فجأة على النظام المؤسساتي اللبناني، دون أن تتحمّل أي جهة مسؤولية جديّة في هذا المجال. القلّة القليلة من الأحزاب السياسية وضعت خطة واضحة لبدء عملية الإصلاح ومكافحة الفساد. المهمة تبدو صعبة للغاية في السياق اللبناني، وذلك يعود جزئيًا إلى عدم إمكانية تطبيق فعلي للقانون الخاص بالعقوبات في مجال مكافحة الفساد. فنظام الحكم الطائفي السائد، يغذّي المحسوبيات الطائفية والمحاصصة التي أصبحت جزءًا من الحمض النووي للشعب اللبناني، ما يقوّض مستقبل نظام الحكم في البلاد.

يواجه لبنان اليوم فرصة تاريخية لحلّ العديد من المشاكل التي يعانينها، وذلك نتيجة وجود جميع مكونات الحكومة في مواقعها، ونتيجة الإصرار الموجود لدى القادة الأساسيين في البلاد.

تشكّل بعض الموضوعات الملّحة على أجندة الإصلاح تحدّيات للنظام الديني والسياسي في لبنان. وبالتالي يمكن لهذه الموضوعات أن تكون بداية أمل جديد بالنسبة للبنانيين يتمثّل بإمكانية التغيير لصالح مستقبل أفضل لهذا البلد. إليكم أمثلة عن هذه الموضوعات: الزواج المدني، الخدمات الاجتماعية، آلية تطبيق القوانين، ملف التعينات الإدارية وغيرها. ولكن في النهاية السؤال الذي يطرح نفسه هو، هل يمكننا أن نعيد الثقة في القيادات السياسية لمحاربة الفساد في لبنان، وهي نفسها التي كانت على الأقل شاهدة إذا لم تكن مشاركة في الفساد الذي شلّ لبنان؟

التأمل اللاهوتي والتوصيات الإرسالية

على الكنيسة أن تميّز هذه الفرصة التاريخية الماثلة أمام لبنان، وأن تبادر في التعامل مع بعض القضايا المتعلقة بالإصلاح ومكافحة الفساد، وبخاصّة لأنها تتعلّق بالنزاهة الشخصيّة والتعاطي العام في المجتمع اللبناني.

الكنيسة هي جزء من المجتمع، بالتالي يمكن لأي سلوك سلبيًا كان أم إيجابيًا أن يخترق مجتمع الكنيسة ويصبح عادة حتّى لو كان هذا السلوك يمثّل إشكالية بحد ذاته. القيادة المتوارثة هي واحدة من هذه القضايا الموجودة في الكنائس أيضًا. وبينما تعيد الكنيسة النظر مواقفها وممارساتها وتخطط لمسار جديد، يمكنها أن تصبح نموذجًا قابلًا للتنفيذ في الميادين الاجتماعية والسياسية كافة في موضوع القيادة الصحيّة على سبيل المثال.

هل يمكننا أن نتطلع إلى عيش حياة كريمة في لبنان؟ هل في إمكاننا أن نتغاضى عن تجاربنا السابقة وتطلعاتنا الخائبة لمستقبل أفضل؟ هل يمكننا أن نثق في الأشخاص نفسهم الذين كانوا في السلطة وقادوا البلاد إلى الهاوية؟ ماذا ينبغي أن يكون موقفنا في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ لبنان الحديث؟

تعيش الكنيسة على وعد يسوع المسيح بأنّ ملكوت الله في العالم، وهو مثل البذرة الصغيرة التي تنمو بوفرة مع الوقت (متى 31:13). رغم أن ّالبعض يعتبر أن محاربة الفساد هي عملية تتم من القيادات العليا إلى أسفل الهرم، إلّا أنّ البذرة الصغيرة يمكنها دائمًا إحداث التغيير. أمام الكنيسة فرصة قيّمة لدعم ورشة العمل الحكومية التي تجري في لبنان، وذلك من خلال تعليم أخلاقيات الملكوت والعودة الجديّة لمناصرة التغيير في مجتمعاتنا. فقط إذا استغلّت الكنيسة هذه الفرصة، يمكنها زرع بذور الأمل في قعر الهاوية حيث هو لبنان، الذي يسعى نحو التشبه بحياة الملكوت.