مدوّنة لبنان – يونيو/ حزيران 2019

أرض جديدة وسماء جديدة لنا على الأرض بالمسيح

بقلم شادن هاني

 

الخبر

وسط “حرب كلامية” حول هوية مزارع شبعا الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي، أعلن رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي والعضو السابق في مجلس النواب اللبناني وليد جنبلاط في مقابلة أجراها في شهر نيسان/ أبريل الماضي مع القناة الروسية الناطقة بالإنكليزية RT ، أنّ خرائط مزارع شبعا “تمّ التلاعب بها” وهي في الواقع ليست لبنانية بل سورية. وذلك لأنّ لبنان تخلّف عن تقديم الوثائق اللازمة لإثبات وضعها القانوني إلى الأمم المتحدة.

ردًا على ذلك، أعلن الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله،

“فيما يتعلّق بقضية مزارع شبعا، فإنّ الدولة اللبنانية تقّر بملكيتها، وهو أمر مذكور في بيانات الدولة الرسمية. هذه قضية تم البثّ بها وهي قضية منتهية. لطالما أنّ الدولة اللبنانية والحكومة ومجلس النواب يعتبرون مزارع شبعا لبنانية، لا نعتبر أنفسنا أمام مشكلة والقضية مقفلة”.

الخلفية

مزارع شبعا هي عبارة عن مساحة صغيرة بحدود عشرة أميال مربعة، تقع على الحدود بين إسرائيل ولبنان وسوريا. ترتفع 5000 قدم فوق مستوى البحر وتُطّل على سهل البقاع اللبناني. تحتفظ إسرائيل بهذه المنطقة منذ تاريخ الحرب العربية الإسرائيلية عام 1967، وهي تؤمّن لها موقعًا استراتيجيًا واستخباراتيًا.

اعترفت الأمم المتحدة بمزارع شبعا في عام 1974 كجزء من مرتفعات الجولان السورية التي تحتلها إسرائيل. في شهر أيار/ مايو عام 2000، انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان بعد مدة 18 عامًا من الاحتلال. اعتبر حزب الله أنّ الانسحاب لم يكن كاملًا لأن مزارع شبعا تابعة للأراضي اللبنانية وليس السورية. هذا الادعاء أعطى حزب الله نوعًا من الشرعية أو الذريعة لمواصلة المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي.

كثُر الحديث في المجتمع الدولي وفي الداخل السوري واللبناني حول التنازع على مزارع شبعا. فمنذ عام 1967 تحتل إسرائيل هذه المنطقة، وتصّر حكومتا سوريا ولبنان على أنّ شبعا هي لبنانية، بينما تزعم كل من إسرائيل والأمم المتحدة أنّها سورية، حيث كانت تحت سلطة الحكومة السورية وقت احتلالها، خلال حرب عام 1967.

يزعم البعض أنّ الخلاف الشديد حول مزارع شبعا أثاره الرئيس السوري السابق حافظ الأسد عندما تبيّنت له نيّة الإسرائيليين بالانسحاب من جنوب لبنان. وبالتالي، ادّعى أنّها تنتمي إلى الأراضي اللبنانية لتبرير استمرار مقاومة حزب الله في لبنان. فلو كانت قد تحررت جميع الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي، لبات من الصعب لحزب الله أن يحافظ على وجوده المسلح ويحتفظ بالدعم من بعض الفئات الشعبية. اعتبر الأسد سلاح حزب الله مهمًا وضروريًا لكونه الأداة في مواجهة إسرائيل.

التأمل اللاهوتي

غالبَا ما يكون السياسيون مدفوعون بمصالحهم الشخصية وايدولوجياتهم السياسية. يقرأون الواقع من منظورهم الخاص للحفاظ على السلطة ولمواجهة خصومهم في السياسة. بالنسبة للسياسيين، موضوع الأرض يُستخدم عذرًا وليس حجّة شرعية، في حين أنّ الرجاء الذي يتمسك به المسيحيون لا يقع ضمن الصراع السياسي الذي يسعى إلى امتلاك الأرض، بل هو رجاء في توحيد الأرض والسماء من خلال المسيح. رجاؤنا الأخروي يتعلّق بـ”الأرض الجديدة”. وكما تقول لنا رؤية يوحنا:

 ثُمَّ رَأَيْتُ سَمَاءً جَدِيدَةً وَأَرْضاً جَدِيدَةً، لأَنَّ السَّمَاءَ الأُولَى وَالأَرْضَ الأُولَى مَضَتَا، وَالْبَحْرُ لاَ يُوجَدُ فِي مَا بَعْدُ. وَأَنَا يُوحَنَّا رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ أُورُشَلِيمَ الْجَدِيدَةَ نَازِلَةً مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُهَيَّأَةً كَعَرُوسٍ مُزَيَّنَةٍ لِرَجُلِهَا. وَسَمِعْتُ صَوْتاً عَظِيماً مِنَ السَّمَاءِ قَائِلاً: «هُوَذَا مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ، وَهُوَ سَيَسْكُنُ مَعَهُمْ، وَهُمْ يَكُونُونَ لَهُ شَعْباً. وَاللهُ نَفْسُهُ يَكُونُ مَعَهُمْ إِلَهاً لَهُمْ. وَسَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ، وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ، وَلاَ يَكُونُ حُزْنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِي مَا بَعْدُ، لأَنَّ الأُمُورَ الأُولَى قَدْ مَضَتْ».

وقَالَ الْجَالِسُ عَلَى الْعَرْشِ: «هَا أَنَا أَصْنَعُ كُلَّ شَيْءٍ جَدِيداً». (رؤ 1:21-5)

يمكن أن تبدأ الكنيسة في الشرق الأوسط في تطوير ثقافة بديلة ونظرة مختلفة عن تلك التي يروّجها أصحاب السلطة. الأرض والحدود لا يجب أن يكونا مصدرًا للصراع والتنازع، بل سببًا للاحتفاء بالتقارب والسعي لتحقيق المصالح المشتركة التي تُنتج السلام. للحدود أهمية كبرى لحفظ أمن الأمم والشعوب وضمان وجودهم. ولكنّها لطالما كانت المحفّز للعديد من الفظائع المرتكبة على مرّ التاريخ تحت شعار “القومية”.

توصيات إرسالية

كأتباع للمسيح، أوصانا الله أن نسعى وراء إحقاق العدالة. في أوضاع ضبابية مثل حالة مزارع شبعا حيث يمكن أن تكون الحقيقة مضللة، علينا أن نسعى إلى تحقيق العدالة للشعوب التي تعاني الحروب والنزاعات. في حين قد يستخدم السياسيون الأرض ذريعة للحفاظ على سلطتهم ونفوذهم، علينا أن نناصر كلّ من يعاني عواقب الظلم جرّاء الجشع والطغيان السياسي. مسؤولياتنا ليست ماديّة بطبيعتها، ولكن علينا أن نواصل سعينا لإحلال العدالة للمحرومين والأرامل والأيتام لأن “الديانة الطاهرة النقيّة عند الله الآب هي هذه: افتقاد اليتامى والأرامل في ضيقتهم، وحفظ الإنسان نفسه بلا دنس من العالم” (يعقوب 27:1). دورنا هو إيصال رسالة الرجاء لهؤلاء وتمكينهم من رؤية الأرض الجديدة المثلى حيث يملك المسيح في ملكوت المحبة والسلام والعدالة.