سواء قتل جماعي أم تحقيق للعدالة، هذا لا يعفي الكنيسة من مسؤوليّاتها

بقلم ميشال عودة

 

الخبر

ناقشت صحف عربية بنسختَيها الورقية والإلكترونية تنفيذ حكم الإعدام بحق تسعة مُدانين بقتل النائب العام السابق في مصر في عام 2015 . وفيما قال بعض المعلّقين إنّ الإعدامات كانت بمثابة “إبادة جماعية لمجموعة من الشبان الأبرياء”، رأى آخرون أنّها جاءت لتحقيق العدالة في البلاد.

التحليل

إنّ حادثة الإعدام أتت في الوقت الذي يتمّ فيه تعديل الدستور لتجديد ولاية الرئيس عبد الفتاح السيسي وتعزيز سلطته.

إنّ تنفيذ أحكام الإعدام كانت الأسرع في تاريخ القضايا التي صدرت أحكامها من القضاء، إذْ فصلت مدّة أقل من ثلاثة أشهر بين الحكم وتنفيذ الإعدام خلافًا للأعراف القانونيّة المصرية.

أمّا في مصر، أظهرت كافة الصحف، سواء الخاصة أو المملوكة للدولة، ترحيباً كبيراً بتنفيذ حكم الإعدام في حق الأشخاص التسعة. فقالت جريدة اليوم السابع “إنّ العدالة تحقّقت على قتلة النائب العام”، بينما حَمَلَتِ جريدة الوطن عنوانًا يقول “يوم القصاص”. وعلّق أحد المغرّدين بالقول “الإرهاب تحت مقصلة العدالة” وأضاف  ماجد حبته  وهو أحد المدافعين عن تنفيذ حكم الإعدام بحق المُدانين “لم نسمع أصوات المعترضين على العقوبة أو الرافضين لها إلّا بعد العام 2014 مع بدء صدور أحكام ضدّ إرهابيين. وقبل ذلك، كان بعض هؤلاء يرفعون لافتات ويردّدون هتافات تطالب بتطبيق عقوبة الإعدام.

التأمّلات اللاهوتيّة والانعكاسات الإرساليّة

لا شكّ أنّنا أمام موضوع شائك ومعقّد. فكيف لي كمؤمن أنْ أتعامل مع هذه القضيّة الحسّاسة؟ وكيف ينظر الله إلى عقوبة الإعدام؟ وماذا يقول الكتاب المقدّس؟ كيف لي أنْ أُوَفِّق بين عدالة الله والرّحمة الإلهية؟

أوصت شريعة العهد القديم بعقوبة الإعدام لعدد من الجرائم: القتل (خروج 21: 12)، الخطف (خروج 21: 16)، الزنى (لاويين 20: 10)، الشذوذ الجنسي (لاويين 20: 13)، إدّعاء النبوّة (تثنية 13: 5)، الإغتصاب (تثنية 22: 25)، وغيرها من الجرائم الآخرى. ولكن كثيرًا ما نجد الله يُظهر رحمة على الخطأة. فقد ارتكب داود الزنى والقتل، ومع ذلك لم يطلب الله أنْ تؤخذ حياته منه (صموئيل الثاني 11: 1 – 5، 14 – 17، صموئيل الثاني 12: 13) بل منحه فرصة للتوبة. وفي النهاية، فإنّ كلّ خطيّة نرتكبها يجب أنْ تكون نتيجتها الموت لأنّ أجرة الخطيّة هي الموت (رومية 6: 23). لكنّ الله بيّن محبّته لنا لأنّه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا (رومية 5: 8).

عندما أحضر الفريسيون المرأة التي أُمْسِكَتْ في ذات الفعل إلى يسوع وسألوه إنْ كان يجب أنْ تُرجم، أجاب يسوع قائلًا: “من كان منكم بلا خطيّة فليرمها أوّلًا بحجر” (يوحنا 8: 7). لا يجب أنْ تكون هذه الحادثة إشارة لرفض يسوع للعقوبة في كلّ الأحوال. فقد كان يسوع ببساطة يكشف رياء الفريسيين ونفاقهم. أراد الفريسيون أنْ يخدعوا يسوع ويجعلوه يكسر ناموس العهد القديم، فلم يكن يهمّهم أنْ تُرجم المرأة – فأين هو الرّجل الذي أُمسك معها في زنى؟ – ألم يستحقّ كلاهما العقوبة نفسها؟ أراد يسوع أنْ يرحم تلك المرأة ويمنحها فرصة التوبة والتّغيير وهنا تتجلّى الرحمة الإلهية التي يجب أنْ تتماشى دائمًا مع العدالة. لقد أظهر يسوع نعمة للناس في حالات كان حكم الإعدام مستحقًّا فيها.

ولا بدّ هنا من الإضاءة على النقطة التالية: هل الإعدام هو قتل باسم العدالة أم تحقيقًا لها؟ وهل تُقَوَّم الجريمة بموت المجرم؟ قد يستطرد أحدهم ليقول: إنّ التّنظير أمر سهل أمّا الصعوبة فتكمن في التّطبيق. فماذا نقول للأم التي قُتِلَ أبناؤها ونُكِّلَ بهم؟ ماذا نقول لمن اغْتُصِبَتْ زوجته أمام عينيه؟ ماذا نقول للأهل الذين رأوا أولادهم أشلاء أمام أعينهم؟ كيف نُحَقِّق العدالة لهؤلاء؟ وكيف نشفي قلوبهم؟

لا شكّ أنّ الإجابة صعبة، وأنّ الأمر يتطلّب تدخّلًا إلهيًّا. فالعدالة مطلوبة والله نفسه هو إله عادل. ويجب أنْ نتذكّر أنّ اللّه هو الذي أسّس عقوبة الإعدام في العهد القديم وهو مَنْ منح الحكومات السلطة لتقرير متى تستحقّ عقوبة الإعدام (تكوين 9: 6 – رومية 13: 1 – 7) ولا يمكننا التّشكيك بحكمته وعدالته حين يحكم وبرحمته حين يرحم. فلا ينبغي علينا كمؤمنين أنْ نفرح عندما تُطَبّق عقوبة الإعدام.

من الصّعب الجزم بتعاليم الكتاب المقدّس بهذا الشأن، فنحن نجد الأمرَيْنِ معًا. لكنّ الأكيد أنّ يسوع أتى بمفهومٍ جديد للمحبة والرحمة. فهو مَنْ طلب الغفران للّذين صلبوه. فهو إله الفرص الجديدة وهو مَنْ يريد تغيير الحياة لا التخلّص منها. لكنّ ذلك لا يعني عدم الاقتصاص، فالكتاب المقدّس يعلّمنا “أنّ ما يزرعه الانسان إيّاه يحصد أيضًا” (غلاطية 6: 7). فالعدالة يجب أنْ تتحقّق ومَنِ ارتكب جرمًا يجب أنْ يُعاقب. ولكنْ هل الإعدام هو الحلّ؟ ألا يُجَرِّد الإعدام المجرم من حقّه في التّوبة؟ وهل تنفيذ أحكام الإعدام وضعت حدًّا للجرائم الموصوفة؟ وهل شَفَتْ قلوب أهل الضحايا؟

إنّ الكنيسة بمختلف طوائفها لم تتّفق على رؤية موحّدة لهذه القضية، فمنها مَنْ هو مع ومنها مَنْ هو ضدّ ومنها مَنْ نأى بنفسه. لكنّ هذا الأمر لا يعفي الكنيسة من مسؤوليّاتها في ترسيخ مفهموم المحبة والتّسامح بين الناس. ينبغي على الكنيسة أنْ تُحارب فكر التطرّف وبناء بيئة مصالحة بين الشّعوب ومعالجة الأسباب التي تؤدّي إلى الجريمة بدلًا من حصد النتائج السلبيّة المترتّبة عليها، وعلينا كمسيحيّين أنْ نتمثّل بالمسيح ونقتدي به، علّنا ننجح في تغيير الواقع الذي نعيشه كما فعل هو.