مدوّنة مصر – مارس/ آذار 2019

تعديلات الدستور المصري بين الرفض والانتقاد

بقلم ميشال عودة

 

الخبر

لم تمرّ موافقة البرلمان المصري بأغلبية ساحقة على تعديلات دستورية تتيح للرئيس عبد الفتاح السيسي البقاء في منصبه حتى عام 2034 مرور الكرام، فقد اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بالتعليقات الرافضة والمنتقدة لهذه الخطوة، والانتقادات لِما آلت إليه الأوضاع في مصر.

تضمّنت التعديلات تمديد دورة الرئاسة إلى ستّ سنوات بدلًا من أربعة، مع الإبقاء على عدم جواز انتخاب الرئيس لأكثر من دورتًين متتاليتَيْن.

التحليل

من وجهة نظر المعارضين، فإنّ هذه التعديلات تُرَكِّز السلطة في يد الرئيس الذي تتّهمه منظمات حقوق الإنسان بشنّ أسوأ حملة قمع للحريات في تاريخ مصر الحديث.

اللافت في الأمر أنّ هذه التعديلات طرحت أكثر من علامة استفهام إنْ من حيث التوقيت أو المضمون، فقد عانت مصر ما عانته من ثورتين في فترة زمنيّة قصيرة ضد الظّلم وحكم “الرّجل الواحد” وقدّمت شهداء لتحقيق العدالة والديموقراطيّة بهدف ترسيخ مبدأ تداول السلطة في البلاد.

تفاعل المصريون مع هذا الموضوع على مواقع التواصل الاجتماعي عبر تغريدات وتدوينات للتعبير عن وجهة نظرهم. فمنهم من رأى أنّ ما يحدث في البلاد خطير، وإذا لم تعلن المؤسسات رفضها لما اعتبروه مؤامرة التعديلات الدستوريّة، فستكون شريكة في جريمة العصر. فما يجري ليس حفاظًا على ما هو قائم رغم سوئه بل سقوط في ما هو أسوأ. فهذه التعديلات تهدم المؤسسات وتلغي الدولة لحساب شخص واحد.

كما تبادل بعض النّشطاء مقاطع فيديو للرئيس السيسي قبل عامَين، أشاد فيها بالدستور المصري “الحالي” مؤكّدًا أنّ هذا الدستور لم يترك مجالًا لعودة الدكتاتوريّة إلى مصر وأنّ أيّ رئيس مصري لن يكون بإمكانه البقاء بالحكم لأكثر من أربع سنوات.

أمّا رأي الكنيسة فقد تجلّى فيما أدلى به الأب “مكاري يونان“، الكاهن القبطي الذائع الصّيت والمؤثّر في المجتمع المسيحي المصري حيث قال عن الرئيس السيسي:

“لم يأتِ مثله رئيس في مصر من قبل، فهو أمين بدون أدنى شك ولا يشوب حياته أيّ شائبة. فهو عادل ينصف المسكين والضعيف ونريد أنْ تكون ولايته لمدى الحياة”.

التامّلات اللاهوتيّة والانعكاسات الارساليّة

نجد في سفر قضاة 8: 22- 23 أوّل محاولة من شعب الله لإقامة نظام ملكي.

“وقال رجال اسرائيل لجدعون تسلّط علينا أنت وابنك وابن ابنك لأنّك قد خلّصتنا من يد مديان. فقال لهم جدعون لا أتسلّط أنا عليكم ولا يتسلّط ابني عليكم الرب يتسلّط عليكم”.

نجح جدعون في هذا الاختبار إذ طلب أنْ يكون الله هو الملك، لأنّ جدعون كان سالكًا بالروح فلم تغره السلطة بل قَبِلَ أنْ يكون خادمًا للشعب. والغريب هنا أنّ الشعب نسب الانتصار لجدعون “لأنّك قد خلّصتنا”. أمّا جدعون رفض ذلك ونسب الفضل لله في الانتصار وإذا كان الله هو الذي انتصر فليتسلّط الله على الشعب “الرب يتسلّط عليكم”. وذلك لأنّ الشعب رأى مصلحته المباشرة وعيونهم كانت تركّز على الواقع الملموس وليس على الله وأخفقوا في اتخاذ الموقف الإيماني السليم.

فالكنيسة مدعوة أن تتخذ مواقف وطنية تعزّز من خلالها مبادئ الملكوت وألا تنظر إلى امتيازاتها فقط وحمايتها الشخصية بل أن تُعنى بالخير العام للمجتمع. وعلى غرار الشعب في عهد جدعون غالبًا ما نخفق في النظر إلى الواقع الراهن والتمسك بملوك أرضيين فقط لأنّهم يحمون مكانتنا كأقلية عددية في بلد ذات أغلبية إسلامية. ولكن المسيحية الأمينة تعني مواطنية أمينة أيضًا. ولكن كيف يمكن للمسيحي الملتزم بإيمانه أن يعبّر عن محبته للوطن؟ أيكون هذا بمجرد إخلاصه لوطنه؟ وكيف يكون الإخلاص؟ هل هو الإخلاص لسلامته الشخصية؟ ما معنى هذا الإخلاص وما هو تعريفه؟ ألا يتطلب الإخلاص أحيانًا مواقف معيّنة؟ ما هي الحدود التي يتوقّف عندها المسيحي ولا يستطيع أنْ يتجاوزها لأنّها تتناقض مع إيمانه؟

فالمسيحي هو مواطن ينتمي إلى بلد ويخضع لقوانينه؛ وكلّ إجحاف يحيط بالوطن هو إجحاف بحق مواطنيه أيضًا. ويجب أن تكون الكنيسة وكيلة للعدالة ومنددة بالظلم والإجحاف. فالكنيسة كوكيلة تغيير في المجتمع عليها أن تعمل للخير العام وقد يعني هذا اتخاذ موقف تحدٍّ فيه كثير من مجابهة النفس قد تبلغ أحياناً حد التضحية بالذات.

ينبغي أن تميّز الكنيسة بين الدفاع عن القيم في المجال العام، والمشاركة في صفقات مع الدولة أو الأحزاب السياسية. ففي حين أنّ الدفاع عن القيم ضروري  لتُعبّر الكنيسة عن أمانتها تجاه الملكوت السماوي لا الأرضي، قد تكون للمشاركة في الصفقات عواقب وخيمة لأنها تجعل الكنيسة جزءاً من النظام السياسي. يجب أن تُدمَج مُثُل الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان في خطاب الكنيسة. فلن يحصل الأقباط على حقوقهم الاجتماعية والسياسية الكاملة، جنبًا إلى جنب مع المصريين كافة، إلّا عبر النضال من أجل إرساء نظام سياسي يحترم هذه المبادئ.

يمكن للكنيسة القبطية، من خلال تعديل خطابها وإعادة تعريف رسالتها، أنْ تضطلع بدور إيجابي في العملية الانتقالية في مصر، فتساهم في ضمان الحقوق الكاملة للأقباط ضمن نظام ديمقراطي، وتخفّض مستوى الاستقطاب الديني في البلاد.