مدوّنة موريتانيا – ديسمبر/ كانون الأوّل 2018

جسد المسيح في موريتانيا: صوت عبيد لا صوت لهم

بقلم ربيع الحصباني

 

الخبر

عام 1981، ألغت موريتانيا العبودية رسميًا، لتكون آخر بلد في العالم يقوم بهذه الخطوة. ومع ذلك، لا يزال عشرات الآلاف من الناس في موريتانيا يعيشون كعمّال سخرةٍ أو خدمٍ في البيوت أو زوجات قاصرات. ووفقاً لمؤشر العبودية العالمي إنّ العدد التقديري للأشخاص الذين يعيشون في عبودية حديثة في موريتانيا هو 90.000 نسمة، بينما تبلغ النسبة التقديرية للسكان الذين يعيشون في هذه العبودية 21.43 / 1000.

للرق تاريخ طويل في هذا البلد الشمال إفريقي. على مرّ القرون، غزا المغاربة الناطقون باللغة العربية قرى أفريقية، ما أدى إلى ولادة نظام طبقي متزمت لا يزال قائمًا حتّى يومنا هذا، حيث يبقى السكان ذوو البشرة الداكنة مديونين “لأسيادهم” ذوي البشرة الفاتحة. ينتقل وضع العبيد من جيل إلى جيل. هذا ويتعرّض نشطاء مكافحة العبودية للاعتقال والتعذيب على نحوٍ منتظم في موريتانيا. على سبيل المثال، احتُجز أحد الناشطين الموريتانيين البارزين المناهضين للعبودية، بيرام ولد أعبيدي، عشية الانتخابات التشريعية في أغسطس / آب الماضي. ومع ذلك، تنكر الحكومة باستمرار وجود العبودية في موريتانيا.

التحليل

يحاول نشطاء حقوق الإنسان إبراز قضية العبودية من خلال مناصرة العبيد وكذلك من خلال الإجراءات التي تهدف إلى حث السلطات على تطبيق التشريعات القائمة. يواجه النشطاء المناهضون للعبودية والمدافعون عن حقوق الإنسان في موريتانيا على نحوٍ دائم عدم التعاون بل وحتّى القمع من جانب السلطات.

بالإضافة إلى ذلك، تقوم دول مثل الولايات المتحدة بالضغط على الحكومة الموريتانية لتطبيق قانون مكافحة العبودية من خلال فرض العقوبات. في 5 أكتوبر / تشرين الأول، ألغت الولايات المتحدة وضع موريتانيا كشريك تجاري تفضيلي، متهمةً دولة غرب أفريقيا بالتساهل في عمل السخرة القسري والاسترقاق الوراثي.

ردّت الحكومة الموريتانية بغضب بعد اتخاذ القرار أعلاه. وانتقد المتحدث باسم الحكومة محمد ولد ماهام الخطوة على موقع تويتر، واصفًا إيّاها بأنّها “خيانة للعلاقات الودية بين بلدينا وإنكار لجهودنا” الهادفة للحدّ من ممارسات الاسترقاق.

يحاول النشطاء والمنظمات غير الحكومية وغيرهم من الأطراف، مثل الولايات المتحدة، الدفاع عن حقوق العبيد في موريتانيا والضغط على الحكومة الموريتانية لفرض التشريعات القائمة. ما هو دور جسد المسيح في موريتانيا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وحول العالم فيما يتعلق بمسألة العبودية؟

التأملات اللاهوتية والكتابية

يوضح بولس أنّه من حيث مكانتنا أمام الله، لا فرق بين العبد والحر:

“ليس يهودي ولا يوناني. ليس عبد ولا حر. ليس ذكر وأنثى، لأنكم جميعا واحد في المسيح يسوع” (غلاطية 3: 28).

وعلاوة على ذلك، فهو يُبطِل مفهوم العبودية في قوله إنّ العبد هو “عتيق الرّب” (1 كورنثوس 7: 22).

بالإضافة إلى ذلك، يكتب بولس إلى مالك العبد، فليمون، الذي هرب عبده أنسيمس، وجاء إلى بولس. إنّ بولس لا يهاجم مؤسسة العبودية على نحوٍ مباشر في رسالته، بل يذهب إلى أبعد من ذلك بكثير. إنّه يلغي فكرة العبودية:

“أَنَّهُ رُبَّمَا لأَجْلِ هذَا افْتَرَقَ عَنْكَ إِلَى سَاعَةٍ، لِكَيْ يَكُونَ لَكَ إِلَى الأَبَدِ، لاَ كَعَبْدٍ فِي مَا بَعْدُ، بَلْ أَفْضَلَ مِنْ عَبْدٍ: أَخًا مَحْبُوبًا، وَلاَ سِيَّمَا إِلَيَّ، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ إِلَيْكَ فِي الْجَسَدِ وَالرَّبِّ جَمِيعًا” (فليمون 15-16)

الانعكاسات الإرسالية

أخبرني طالب موريتاني في كلية اللاهوت المعمدانية العربية أنّه ورث عبدين من عائلته، هما إخوة وُلِدوا لعائلة رقيق. قال أنّه بعد أن أصبح تابعًا للمسيح، بدأ يراهما كشخصين خُلقا على صورة الله وقرّر القيام بما هو مخالف للثقافة. أولاً، قرّر على الفور أن يُطلق الأخت العبدة حرّة. تعامل معها وكأنّها عضو في العائلة، حتى تزوجت وتركتهم للعيش مع زوجها. من ناحية أخرى، كان الأخ يواجه بعض التعقيدات الصحية. اعتنى الطالب به حتى تعافى من مرضه. قبل إطلاق سراحه، تأكد الطالب من أنّه تلقى تعليمه وأرسله للتدريب المهني. عند الانتهاء من المدرسة وإيجاد وظيفة، تم إطلاق سراح الأخ.

اختار طالبنا الموريتاني اتباع آثار بولس في التعامل مع العبيد في مجتمعه. وعلّق على أنّ أتباع المسيح في موريتانيا، الذين يمثلون جسد المسيح داخل مجتمعاتهم، يجب أن يتعاملوا أيضًا مع مسألة العبودية. وهو يدعوهم إلى تحدي المعايير والثقافة السائدة في المجتمع ومنح العبيد حقوقهم. إنّ إطلاق سراحهم على الفور قد لا يكون هو الحل الأمثل دائمًا، لأنّه في بعض الأحيان لا يكون لديهم مكان يذهبون إليه غير منزل “أسيادهم”، ولا يمكنهم الحصول على أي وظيفة أخرى إذ أنّهم مُستعبدون منذ ولادتهم. غير أنّ تمكينهم من خلال التعليم والتدريب المهني يمكن أن يكون وسيلة لهم ليجدوا تحريرًا من قيود العبودية التي يعانونها منذ سنوات.

يمكن للكنيسة العالمية والكنيسة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن تكون فعالة في إثارة مسألة العبودية من خلال مناصرة العبيد. موريتانيا ليست البلد الوحيد الذي لا يزال يمارس العبودية. فعاملات المنازل الأجنبيات تُعاملن مٌعاملة الرق في لبنان. إنّ عمالة الأطفال وتجنيدهم لخوض المعارك أشكال أخرى من العبودية. حتّى إنّ الموظفين الذين لا يحصلون على رواتب جيدة يمكن وصفهم ببساطة على أنّه شكل أخف وطأة من أشكال العبودية. إلا أنّ يسوع أرسلنا إلى العالم لنعصِبَ مُنكَسري القلب، ولننادي للمسبِيِّين بالعتق. إنّ الكنيسة في منطقتنا وحول العالم مدعوّة لإتمام هذه المهمة، لتكون صوتًا نبويًا لعبيد لا صوت لهم.