كلمة الرئيس

هل هناك أمل؟

لم ينتهِ الصراع في سوريا بعد، وأكثر من نصف سكان البلاد مشرّدون. لا أحد يعلم متى أو كيف سينتهي الصراع. لقد حوّلتِ الحرب المدمِّرة في اليمن البلاد إلى كارثة إنسانية. لا يزال الوضع السياسي والأمني في لبنان والمنطقة غير مستقر، وبخاصة بعد التصعيد الأخير مع إيران. يمرّ السودان في حالة من الاضطراب والفوضى. الاقتصاد ينهار في العديد من بلدان المنطقة. يتم إغلاق الكنائس في الجزائر، ناهيك عن الصراع العربي الإسرائيلي الذي لا يزال يزعزع استقرار المنطقة.

ماذا عن الفساد المزمن والمتجذِّر؟ القيود على الحرية الدينية وتجريم التحوّل الديني؟ الأنظمة الاستبداديّة والظالمة؟

لا يوجد استقرار أمني وسياسي واقتصادي واجتماعي وديني. عن أيّ أملٍ نتحدّث؟ هل نلوم أولئك الذين يريدون الهجرة، وترك منطقة متقلّبة للبحث عن حياة أفضل في مكانٍ آخر؟ ماذا عن مجتمع الكنيسة؟ هو غير مُحَصَّنٍ ضد أمراض مجتمعاتنا. على العكس، يشعر الكثيرون داخل المجتمعات الكنسيّة أنّهم أقليّة مضطّهَدة. ألا يُسمَح لأعضاء هذه المجتمعات أو يُتَوَقَّع منهم البحث عن حياة أفضل في الخارج؟ ماذا عن قادة الكنيسة؟ هم يشعرون في كثير من الأحيان أنّهم مستهدفون على وجه التحديد. فالكثير منهم لديهم شبكة اتّصالات وسهولة في الوصول إلى العالم الخارجي. لماذا سيبقون؟

من السهل علينا، ككنيسة، أنْ نلعن الظلام. لكنّنا ننسى أنّنا مدعوّون لكي نكون النور، وأنّ نورنا، بغض النظر عن مدى خفاتته أو ضآلته، لكنّه يسطع أفضل في الظلام. نشعر بالإحباط من الفساد والظلم. ننسى أننا مدعوّون لكي نكون الملح، وأنّ الملح يجب أنْ يتناثر ليكون له تأثير. نحن نخاف من المشقّة والاضطّهاد، وننسى أنّ دعوتنا ومصيرنا غالبا ما يكونا مُرتبطَيْن بمصير سيّدنا. لم يبقَ الله بعيدًا في السماء مُبعدًا السلام عن عالمنا الفاسد. عوضًا عن ذلك، تجسَّد بيننا، وجاء إلى عالمنا الخاطىء والعنيف والمليء بالفوضى، وعاش بين النّاس أنفسهم الذين تمرّدوا عليه، من أجل الفداء والاسترداد.

يتجنّب حافظو السلام الصراع، ويُفضّلون الابتعاد عن المشاكل، والهرب من العنف. في المقابل، يخطو صانعو السلام في المتاعب ويذهبون إلى حيث لا يوجد سلام، إلى أماكن الصراع، لجلب الشفاء والاسترداد. إنّ صانعي السلام هم الذين يُطْلَق عليهم أبناء الله في (متى5: 9).

عندما كان يسوع يدعو تلاميذه لكي يكونوا الملح والنور، وفقًا لشهادة متّى الإنجيلي، فقد استخدم الضّمير المؤكَّد "أنتم". يمكن أن يقال ذلك على النّحو التالي: "إنّكم أنتم ملح الأرض ... أنتم أنفسكم نور العالم". أستطيع أنْ أتخيّلَ يسوع يشير بإصبعه إلى التلاميذ وهو يخاطبهم. يبدو الأمر كما لو أنّ يسوع كان يختار التلاميذ من أجل هذه المسؤولية المذهلة. هناك ظلام في العالم، وأريد أن تكونوا "أنتم" النور؛ يوجد فساد في العالم وأريد أن تكونوا "أنتم" الملح. أستطيع سماع يسوع يُكرّر الدعوة ذاتها لنا اليوم. إنّه يختارنا، كنيسته، أقلّ الناس احتمالًا، لإنجاز هذه المهمة الحاسمة.

تُملي الفطرة السليمة علينا أنْ نهرب من منطقةٍ مضطربةٍ، في حين أنّ دعوة الله للكنيسة هي أنْ تستمرّ، وتكتشف دورها النّبوي، وتعلن عن محبة المسيح، وتعيش قيم الملكوت، وتُظهر للعالم علامات سيادة الله.

هذه هي الكنيسة المطلوبة في العالم العربي لمثل هذا الوقت. الحمد لله، لأنّه يُنَمّي ويُنْضِج ويُشَكِّل الكنائس في جميع أنحاء العالم العربي. نحن نشهد العديد من الأمثلة عن المجتمعات الكنسيّة الجريئة المليئة بالحبّ والشغف لله وإرساليّته، وبالمشاعر المقدّسة تجاه شعوب المنطقة.

نحن، في كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة، متشوّقون لدعوة الله لنا لخدمة مثل هذه الكنيسة بكلّ اتّضاعٍ وفرح. نقف إلى جانب الكنيسة في العديد من القدرات. أولاً، نحن نستثمر في تطوير قادة للكنيسة ونعمل على تطوير قادة مفكّرين ناقدين، يتمتّعون بشخصيّة روحيّة قويّة وكفاءة في مهارات الخدمة، بالإضافة إلى الإعلان عن الأشواق للخدمة. منطقتنا تتضوّر جوعًا للقادة. كنائسنا تواجه أزمة في القيادة. إنّ تجهيز عدد كافٍ من القادة لتلبية احتياجات الكنيسة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يبدو اليوم مهمّة شاقة. ومع ذلك، يُقيم اللّه شهودًا أمناء له كلّ يوم. ونحن لدينا شرف العمل جنبًا إلى جنب مع عددٍ قليلٍ منهم في رحلة التحضير للخدمة.

تخدم كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة الكنيسة أيضًا من خلال توفير الموارد التّعليمية والرّوحيّة. فالحاجة الأكثر وضوحًا هي نشر الكتب ذات الجودة من المحتوى الجدّي. من المستحيل تشكيل قادة مفكّرين دون بناء قدراتهم الفكريّة.

البُعد الآخر المهم لخدمة كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة هو معهد دراسات الشرق الأوسط. وهو مكوّن تعليمي يتضمّن شهادة ماجستير في الأديان، يتم تسليمها باللغة الإنجليزية وتستهدف القادة من مختلف أنحاء العالم الذين يستعدّون للمشاركة في واقع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. إنّه برنامج فريد من نوعه، ومُبتكَر للدّراسة عن بعد، تتنوّع فيه الحقول المعرفيّة. مكوّن آخر هو المؤتمر السنوي للشرق الأوسط الذي يجذب المشاركين المهتمّين بالخدمة في سياقنا من مختلف أنحاء العالم.

بالإضافة إلى المكوّن التّعليمي، يخدم معهد دراسات الشرق الأوسط الكنيسة الإقليميّة بطرق ليست نموذجيّة بالنسبة لكليّة لاهوت. يشارك معهد دراسات الشرق الأوسط مشاركة كبيرة في الأنشطة متعدّدة الأديان، والحوار المسيحي الإسلامي، ومبادرات بناء السلام المختلفة التي تجمع المجتمعات مع بعضها البعض وتعزّز الصالح العام. الغرض من كلّ هذه المبادرات هو استكشاف طرق جديدة تستطيع الكنيسة من خلالها إشراك المجتمعات في سياقنا. أصبح معهد دراسات الشرق الأوسط مكانًا آمنًا لاختبار الأفكار والمبادرات الرائدة. ففي نهاية المطاف، يتمثّل الهدف في تجهيز الكنائس وتأهيلها في إشراك مجتمعاتها باستخدام هذه الأفكار والمبادرات الجديدة. أصبحت كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربية أرضًا خصبة للأفكار المبتكرة في مجال التعليم واللقاءات الإرسالية، وقد وفّر الله الأشخاص المبدعين والشغوفين الذين يمكنهم تحقيق ذلك. إنّه لأمر مثير للغاية أنْ نخدم الله في مثل هذه البيئة إلى جانب هؤلاء الناس.

الواقع المذهل لخدمة كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربية هو أننا نتعامل مع الكنائس والقادة في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لتمكينهم من الخدمة، لكنّ مواردنا محدودة للغاية. هذا يثبت أننا نخدم اله رائع. يجب أنْ نختبر تسديد الله للإحتياجات على أساس يومي. يجلب الله شركاء من مختلف أنحاء العالم إلى شبكة الخدمة هذه لكي يجهّزوننا ويمكّنوننا وينضمّون إلينا في هذه الإرساليّة. يا له من تشجيع، أنْ نكون جزءًا من شبكة الله العالميّة مجتمعة لإنجاز إرساليّته.

هل هناك أمل؟ بالتأكيد! الله يرفع كنيسته لتكون شاهدة له في المكان الأكثر صعوبة والوقت الأكثر دقّة. له كل المجد والكرامة والحمد!