2018 مدوّنة الأردن سوريا – نوفمبر/ تشرين الثاني

إعادة فتح معبر الأردن مع سوريا ومخاطر التراضي مع الأنظمة السائدة

بقلم مرتان عقّاد

 

الخبر 

تمّ الإعلان عن إعادة فتح معبر جابر-نصيب الحدودي بين الأردن وسوريا يوم الاثنين 15 تشرين الأوّل/أكتوبر، وذلك فقًا لوكالة رويترز ووكالات أنباء أخرى. إذا تم تفعيل هذا الإعلان، فسوف يُسمح من جديد بتدفق الأشخاص والسلع بمليارات الدولارات بعد ثلاث سنوات من الإغلاق، ما سيدر فائدة على العديد من بلدان المنطقة اقتصاديًّا. هذا وقد كانت قوّات الحكومة السورية قد استعادت المنطقة من المتمردين في تموز/يوليو الماضي بدعم من الجيش الروسي.

التحليل

تشكّل إعادة فتح الحدود بين الأردن وسوريا خطوة مهمّة اقتصاديًّا للعديد من البلدان. كان الأردن قد أعاد فتح حدوده مع العراق في آب/أغسطس 2017، ما أعطى نفسًا جديدًا لاقتصاده، وكنت قد أشرتُ إلى المحادثات المتجددة حول إعادة فتح الحدود مع سوريا في المدونة الإقليمية التي صدرت عن معهد دراسات الشرق الأوسط في نيسان/أبريل الماضي. إن إعادة فتح الحدود الأردنية-السورية سيعطي الاقتصاد الأردني دفعة إضافية، وسيسمح كذلك باستئناف التجارة مع الأسواق الأوروبية عبر البحر الأبيض المتوسط. وسيجني كلّ من سوريا ولبنان فوائد كبيرة من هذا القرار أيضًا. فمنافع الحدود المفتوحة بين سوريا ولبنان بقيَت محدودة بالنسبة للبلدين، نظرًا إلى أن الطريق البري الوحيد بين لبنان والعالم الخارجي يمرّ عبر سوريا. وستسمح هذه الخطوة الجديدة للتجارة اللبنانيّة باستئناف علاقاتها مع أسواق الخليج، التي تشكّل ما يقرب من 50٪ من صادراتها.

ولا تحمل إعادة فتح هذا المعبر فوائد اقتصادية فحسب. بل سيشكّل هذا المسار بين الأردن وسوريا أيضًا نصرًا دبلوماسيًا كبيرًا لحكومة الأسد، التي عانت عزلةً مع أشقّائها العرب منذ عام 2011. كما أنّ استئناف السياحة الأردنيّة واللبنانيّة عبر سوريا سوف يشكّل مستوى جديداً من التطبيع في العلاقات بين سوريا وجيرانها. ومن المرجح أن يجلب معه كذلك عودة أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين إلى مدنهم وقراهم من كلّ من لبنان والأردن. وتجدر الإشارة أنّ المفوضية العليا للاّجئين التابعة للأمم المتحدة في الأردن قد أعلنت أنّها ستبدأ بتسجيل اللاجئين السوريين الراغبين في العودة إلى بلادهم طوعًا.

التأمل اللاهوتي

إنّ تطبيع العلاقات العربية والدولية مع الحكومة السورية يجلب معه عددًا من القضايا اللاهوتية للكنيسة على مستوى المنطقة والعالم. شهدت الثورة السورية الكثير من هدر الدم، وقد عانى الشعب السوري ما عاناه من آلام. كما أشرتُ في تقريري في المدونة الإقليمية من نيسان/أبريل الماضي، فإنّ الآثار الأخلاقية المترتبة على الحلّ السياسي للأزمة السورية بالدوافع الاقتصاديّة بدلاً من قضايا حقوق الإنسان والعدالة جديّة، وإن كانت معقدة أيضًا. وسيعتمد مدى المعضلة الأخلاقية على مدى الإنصاف الذي تتلقاه مختلف الأطراف التي عانت من النزاع السوري في تسلُّم التعويضات واختبار المعاملة العادلة في عملية الحلّ وإعادة اللاجئين إلى أوطانهم.

قد يكون للكنيسة السورية دور مهم في هذه التطورات. حافظ المسيحيون السوريون في الغالب على ولائهم التاريخي لحكومة الأسد طوال فترة الصراع، ولا شك أنهم يتنفّسون الصعداء للقيام بذلك في ظل التطوّرات الحاليّة. غير أنّ العبء المُلقى على أكتافهم الآن هو إيجاد التوازن الصحيح بين الخضوع للسلطات الحاكمة والحفاظ على صوتهم النبوي في المجتمع.

ويحتوي العهد الجديد على التعليمات لكِلا الموقفَيْن. يحث الرسول بولس المسيحيّين في رسالته إلى أهل روما على الخضوع للسلطات الحاكمة، مذكّرًا إياهم بأنه “لا سلطة إلاّ من عند الله” (13: 1). ويحذّر المؤمنين من عدم التمرّد على “تدبير الله،” خشية أن “يستحقّوا العِقاب” (آية 2). لكن مع أمره بأن “نعمل الخير” (آية 3)، ومع تحذيره من “التمرد” المفتوح، لا يعطي كلام بولس إذنًا بالتعاون المفرِط مع القوى السائدة. بل يحذّرنا من “عمل الشرّ” (آية ٤)، حتّى في خضم الحالات القصوى، حيث تتنافس القوى السائدة على ولاءاتنا.

إنّ صوت العهد الجديد الآخر الذي يُحاكي ولاءنا للسلطات يأتي إلينا من سفر الرؤيا. هنا، وعلى الرغم من تأكيد السفر بأنّ الله هو رافع السلطات البشريّة بإذنه وخافضها، فإنّه غالباً ما يصفها أيضًا بأنها تشكّل اختبارًا لولائنا لملكوت الله ولعدالته. تدعو كلمة الله شعبه إلى مقاومة تلك القوى التي تطالب بخضوعه لعبادتها والتي تسعى إلى ضمّه لاستراتيجيّاتها العنفيّة والظالمة. يتقدّم مايكل ج. جورمان، في كتاب بعنوان “قراءة الوحي بمسؤولية” (Cascade Books: 2017)، بأنّ “النقد النبوي في سفر الرؤيا يستهدف عبادة الإمبراطورية (الدين المدني) والظلم (القمع العسكري والاقتصادي والسياسي والديني)، وبالتحديد عبادة الإمبراطوريّة الرومانيّة وظلمها.” ويقترح بأنّ القراءة المتروّية لسفر الرؤيا تشير إلى أنّه “يشكّل ردًّا على ’الإمبراطورية العادية،‘ على الشرور اليومية، والظلم والولاءات المضلَّلة التي تحاول أن تجذبنا في حياتنا اليوميّة.” محاذاةً مع هاورد-بروك وغويثر، في كتابهما بعنوان “فضح الإمبراطوريّة: قراءة سفر الرؤيا ماضيًا وحاضرًا” (Orbis: ٢٠١٣)، يخلص جورمان إلى أنّ “يوحنا لم يكتب سفره ’لتصنيع الأزمة‘ للناس الذين يتماشون مع الإمبراطورية … بل إنّ ’ما يشكّل الأزمة هو التماشي عينه مع روما‘” (موقع كندل ٩٣٣-٩٤٠).

التأمّلات الإرساليّة

تواجه الكنيسة السورية تحديًا هائلًا – يتمثل في حاجتها إلى الموازنة بين السلام المدني والعدالة الاجتماعية. من المؤكد أنّ الكتاب المقدس لا يدعو هذه الكنيسة إلى التمرد المدني. ولكن هل ستكون قادرة على الحفاظ على صوتها النبوي الذي يدعو إلى المصالحة الحقيقية والتعويض على كافّة فئات المجتمع، بغض النظر عن العواقب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمكن أن تلحق بها؟ لا يحق لأحد منّا أن يحكم عليها، ولا نحن في وضع يسمح لنا أن نقرّر ما الذي يشكّل تنازلاً للسلطة السائدة أو ولاءً مخلصًا لله. لكن الكنيسة العالمية تتحمّل بالتأكيد مسؤولية كبيرة في الصلاة من أجل إخواننا وأخواتنا السوريين في القرارات التي تلوح في الأفق بالنسبة لهم، من الآن وعلى مدار الأشهر القادمة.