كيف يفهم أتباع المسيح الإيمان الآخر وينخرطون معه؟ أبرز ما ورد في مؤتمر الشرق الأوسط 2018
يوليو 12, 2018
أهو كهنوت جميع المؤمنين أم كهنوت الإكليروس؟
يوليو 26, 2018

رفض الدين الإمبراطوري: تأملات معمدانية من غير معمداني

بقلم جسّي ويلر

إذا جاء الترك، لا ينبغي أن يقاوم، لأنّه مكتوب: “لا تقتل” (متى 5: 21). لا ينبغي لنا أن ندافع عن أنفسنا ضد الترك أو مضطهدينا الآخرين، ولكن بالصلاة الموقرة نناشد الله أنه قد يكون دفاعنا ومقاومتنا – مايكل ساتلر، 1527.[1]

في المحاكمة التي أدّت في نهاية المطاف إلى إعدامه بطريقة مروعة، وذلك بعد مرور عشرة أعوام فقط على إطلاق مارتن لوثر لما يُعرف بالإصلاح الإنجيلي، أعلن قائد الآنا بابتيست مايكل ساتلر بجرأة أمام ممثلي الإمبراطورية الرومانية المقدسة ولاءه ليسوع المسيح دون سواه. وقد تألم معذَّبًا لذلك، ونصّ مرسوم إعدام على الآتي:

“يجب أن يُسلَم مايكل ساتلير إلى الجلاد. ويأخذه الأخير إلى الميدان وهناك يقطع لسانه أولاً، ثم يصوغه بسرعة إلى عربة وهناك بملقط حديدي متوهج يمزّق قطعًا من جسده، ثم على الطريق إلى موقع الإعدام يُعاد ما ذُكر آنفًا خمسة أضعاف ثم يُحرق جسده حتى الرماد باعتباره كبير المهرطقين“.

ربما لم يعرف المحفز وراء إقرار شلايتهايم[2] كيف أنّ كلماته وشهادته ستصب في صلب تحديد هوية “المعمدانيين” وممارساتهم. إنّ ما تكلّم به ساتلر بجرأة في سياق العداء بين المسيحيين والمسلمين، في وقت من القلق العميق بشأن مستقبل “أوروبا المسيحية”، هو أمر ملحوظ أكثر – مع حصار الترك لفيينا الذي حدث بعد ثلاث سنوات فقط. إنّ إعلان ساتلر ليس بمثابة تحدٍّ للإمبراطورية الرومانية المقدسة فحسب، بل يمثل إدانة جريئة للاهوت المملكتين لمارتن لوثر، وهو عقيدة روج لها لوثر ضمن سياق التقدم العثماني في أوروبا الشرقية والتي تمنح سيادة حرة نسبيًا وحتى عقوبة إلهية لجميع الداعمين السياسيين والعسكريين لوثر. على حد تعبير أحد الكتّاب اللوثريين،

يجب على المسيحيين أيضًا أن يشعروا بالراحة حين يعرفون أنّ الإمبراطورية التركية هي عدوة الله، وأن الله لن يسمح لها بإبادة المسيحيين. على الرغم من أن الله قد تسبب في ظهور هذه الإمبراطورية في هذه الأوقات الأخيرة كأقسى أشكال العقوبات، إلا أنّه لن يسمح للمسيحيين أن يخضعوا بالتمام، ولن يحكم محمد وحده في العالم… لذلك، يجب على أولئك الذين يحاربون الترك أن يكونوا واثقين… أن قتالهم لن يكون عبثًا[3].

نعم هذه، بالطبع، لغة الحروب الصليبية المقدسة. ما الذي قاد “راديكاليين” مثل ساتلر لهذه المقاربة المسالمة للغاية في حين كانت أوروبا في خضم محنتها الوجودية، ولماذا أسقطت مثل هذه الآراء غضب السلطات الإمبراطورية المسيحية، سواء كانت كاثوليكية أو بروتستانتية، على المجتمعات “المعمدانية” التاريخية؟

من المهم أن نلاحظ أنّ المتطرفين مثل ساتلر أخفقوا في التمييز بين الإمبراطورية العثمانية والإمبراطورية الرومانية المقدسة أو حتى البروتستانت في إدانتهم “للدين الإمبراطوري”. وعندما انهال غضب الإمبراطورية بالكامل على جسده، كان تحت راية الصليب. هذه الحقيقة توضح ما يمكن اعتباره التمييز الجوهري للمعتقدات والممارسات المعمدانية: الالتزام بالربوبية الملموسة للمسيح يسوع.

إن خلفيتي ليست معمدانية ولا آنا بابتيستسة، فقد ترنحت بين الكنيسة الناصرية (ويسلي) والكنيسة المشيخية (الإصلاحية) في أوقات مختلفة في حياتي. غير أنّني بعد أن انغمست، إذا جاز التعبير، في محيط معمداني على مدار السنوات القليلة الماضية، توصلت إلى تقدير عميق لما يعنيه الإعلان عن ربوبية المسيح الشاملة. يقول ديفيد و. شينك “كل مجال من مجالات الحياة يجب أن يخضع لسلطة المسيح وملكوته”. ويقول كذلك أن هذه النزعة الشمولية مشتركة في كثير من النواحي مع الفكر الإسلامي السائد:

يفهم المسلمون هذا الالتزام لا سيّما أولئك منهم الذين يلتزمون أيضًا الذين يُخضعون كل مظاهر الحياة لإرادة الله. بالطبع، يختلف فهم طبيعة ملكوت الله في العقيدة الكتابية والقرآنية. غير أنّ كلتيهما […] تقاومان تقسيم الحياة إلى العلمانية والدينية، بل تسعيان إلى وضع كل مجال من مجالات الحياة تحت حكم الله.[4]

إنّ التزامًا كهذا له تداعيات جذرية على تفسير الكتاب المقدس، وحياة الكنيسة والتلمذة. أولاً، يصبح المسيح المفتاح التفسري الذي يتم من خلاله قراءة كل الكتاب المقدس وفهمه وتطبيقه.[5] وكما يقول لنا الأخلاقيان جلين ستاسين وديفيد غوشي: “الكتاب المقدّس ليس مسطحًا المسيح هو ذروته ومركزه”.[6] لذلك، ” لا تقتل” تُقرأ من خلال توضيح في ضوء وصية المسيح في الموعظة على جبل (متى 5 :21). وفي ضوء التشبه بالمسيح، قرار ساتلر برفض السيف الذي قاده إلى صليبه الخاص. لذلك، عندما يتكلم المسيح من سفح جبل، بعد أن كان قد تجول في الصحراء ومرّ بمياه المعمودية، يبدو أنّه يقول لنا أمرًا معينًا من خلال إنجيل متى – خاصة إذا فكرنا بها في ضوء جوهر تركيز اليهود والمسلمين على الشريعة. إذا كان المسيح هو الذي نعلنه، إذا كان في كلمات المسيح نجد كلمات الله نفسه، فإنه يبدو من الحكمة “أن نسمع كلماته ونضعها موضع التنفيذ”. شريعته هي شريعتنا. مثاله هو مثالنا. وصليبه يصبح صليبنا.

فيما يتعلق بحياة الجماعة، قام الراديكاليون بوضع لاهوتهم “من حيث الشكل والهيكل الفعلي للكنيسة على الأرض”، بحيث توجد الكنيسة الفردية “تحت الحكم المباشر للمسيح”.[7] الخضوع تحت حكم الله المباشر لهعواقب اجتماعية وسياسية عميقة. قطع الروابط بين الكنيسة والدولة، كان الآنا بابتيست الكبار علامة لهذا الطلاق بين الاثنين. إلا أن هذا لا يمثل تنازلاً عن المجال السياسي، حيث تبنت هذه الجماعات “مقاومة نبوية لما بدا بالنسبة لهم افتراض حكم المسيح من قبل الدولة”.[8] كما هو الحال مع ساتل ، اتهامات بالخيانة والهرطقة جنبًا إلى جنب.

بيد أنّ شكل مقاومتهم كان مميِّزًا، يمثل تلمذة على غرار المسيح. وفقا لنيجل رايت،

لقد اعتبروا صليب المسيح نمطًا لحياة يسوع الفدائية، وبالتالي حياة المؤمنين الذين يتبعونه بجدية. هذه هي حياة بذل الذات وإنكار الذات، وتبديل الشر بالخير، وامتصاص العداء وتحمله بدلاً من إعادته.[9]

اتباع المسيح، “سماع كلماته ووضعها موضع التنفيذ”، يتحول إلى وسيلة لتحقيق رؤية الملكوت وتجسيدها هنا والآن. وبإعادة صياغة اللاهوتي جيمس مكليندون، ما يُقدّم هنا هو تداخل القصة الكتابية، وربطها بين الماضي والمستقبل، مع قصة الجماعة الفردية. في لبس عباءة التلمذة، الممثلة في المعمودية، يلبس المرء قصة الله في المسيح التي تشهدتها صفحات الكتاب المقدس، ويشارك في تحقيق ملك الله الآتي. هذه هي الروحانية “الأرضية” الحية، تجسيد قصة صفحات الكتاب المقدس في الوقت الواقعي.[10]

غير أنّ الإهمال التاريخي و / أو التهميش من قبل الكنيسة للتعاليم الواضحة ومثال حياة يسوع كان كارثياً على شهادتنا وتفعيل ملكوت الله في وسطنا. على هذا النحو، عندما أعلن مايكل ساتلر ولاءه للمسيح أمام مبعوثي الإمبراطورية الرومانية المقدسة، كان يواجه في ذهنه ليس مجرد علم لاهوت بديل، والذي يجب أن يعالج حساسية مسكونية معاصرة، ولكنّه تحايل على التعاليم المسيح الواضحة إذ كان رهينة تحالف غير مقدس جمع الأرض، والشعب، والسلطة، والعقوبة الدينية. إنه هذا التحالف غير المقدس من الأرض، والشعب، والسلطة، والمعتقد الذي يعرّف الدين الإمبراطوري. تكتب إيدا جلاسر عن تحدي العهد الجديد لهذا التحالف،

[العهد الجديد] يحطم العلاقات بين الدين والأرض، وبين الدين والسلطة حتّى أكثر مما فعل السبي […] هذه هي الروابط التي تدعم المثلث الخطير الذي يضم الشعب، السلطة والأرض الذي لطالما اتسمت به الكثير من الديانات. فالصليب هو الذي يحطمهم.[11]

ووفقًا لهذا النمط من التفكير، الإمبراطورية هي إمبراطورية بغض النظر عن الشارة – الصليب، الهلال، النجم أو العلم – التي يحارب الجنود تحتها. والإمبراطورية، ولا سيما الدين الإمبراطوري، يقف مخالفًا لحكم المسيح المصلوب.

لذا، بينما يصطف العديد من المسيحيين في الغرب وراء زعماء الدين الذين يثيرون مخاوف المهجرين واللاجئين، أو كما في لبنان حيث كل سنتيمتر مربع يحكمه خليط من الأرض، والشعب والسلطة الدينية، هناك شيء يمكن تعلمه من مثال الشهداء المعمدانيين مثل ساتلر وآخرين في ولائهم الكلي لربوبية المسيح المصلوب الشاملة ورفض الترتيبات الإمبراطورية.

__________________

[1] David W. Shenk, ‘Introduction: Three Journeys—Jesus, Constantine, Muhammad’, in Anabaptists Meeting Muslims: A Calling for Presence in the Way of Christ, ed. by James R. Kraybill, David W. Shenk, and Linford Stutzman (Scottdale: Herald Press, 2005), pp. 25-45 (pp.40-41).

[2] According to David W. Shenk, the Scleitheim Confession is considered normative for defining 16th century Anabaptist belief and practice.

[3] I follow here the vocabulary of Parush Parushev who speaks of the ‘baptistic’ tradition. While recognizing a clear distinction between Anabaptist and Baptist traditions, it acknowledges also a clear family resemblance between the two. See: Parush Parushev, ‘Doing Theology in a Baptist Way’, in Doing Theology in a Baptist Way: the Plenary Papers Collection of the Symposium, ed. by Tuen van der Leer (Amsterdam: Vrije Universiteit, 2009), pp. 1-33 (p. 3).

[4] Richard Bulliet, The Case for Islamo-Christian Civilization (New York: Columbia University Press, 2004), p. 8.

[5] David W. Shenk, Journeys of the Muslim Nation and the Christian Church: Exploring the Mission of Two Communities (Scottdale: Herald Press, 2003) pp. 16-17.

[6] Nigel Wright, “Spirituality as Discipleship: The Anabaptist Heritage,” in Under the Rule of Christ: Dimensions of Baptist Spirituality, ed. by Paul S. Fiddes (Oxford: Regent’s Park College, 2008), pp. 79-101 (pp. 82-83).

[7] Glen Stassen and David Gushee, Kingdom Ethics: Following Jesus in Contemporary Context (Downers Grove: IVP Academic, 2003), p. 97.

[8] Paul S. Fiddes, “A Fourth Strand of the Reformation, Ecclesiology,” 13 (2017), pp. 153-159 (pp. 154).

[9] Fiddes, “Fourth Strand,” p. 157.

[10] Wright, “Anabaptist,” p. 88.

[11] James Wm. McClendon, Jr., “The baptist Vision,” Baptistic Theologies 6 (2014), pp. 23-35 (p. 28).

[12] Ida Glaser, The Bible and Other Faiths: What Does the Lord Require of Us? (Carlisle: Langham Global Library, 2005), Kindle Location 2105-2111, Kindle eBook.

اترك رد