أهو كهنوت جميع المؤمنين أم كهنوت الإكليروس؟

رفض الدين الإمبراطوري: تأملات معمدانية من غير معمداني
يوليو 19, 2018
أهلاً بك في مدونة معهد دراسات الشرق الأوسط
سبتمبر 18, 2018

Photo by Ben White on Unsplash

بقلم إيلي حدّاد

في مدونتي الأخيرة في شهر شباط/ فبراير، كتبت عن النساء في كلية اللاهوت. بنيت حجتي الرئيسة على مفهوم كهنوت جميع المؤمنين. في هذه المدونة، أعتزم التعمق في موضوع الكهنوت هذا.

ما هو كهنوت جميع المؤمنين ولمَ هو مهم؟

كما علّقت في مدونتي السابقة، إنّ كهنوت جميع المؤمنين أحد المبادئ الرئيسة للإصلاح الإنجيلي. وقد فُهم هذا المبدأ على أنّ جميع الأفراد يتمتعون بفرصة الوصول مباشرةً إلى الله دون الحاجة إلى وساطة كنسية. وقد تسبّب هذا المفهوم في العديد من القضايا عبر تاريخ الكنيسة، وكان يُستخدم للتهرب من سلطة الكنسية وتقويضها. المشكلة في هذا الفهم، أو سوء الفهم، هو أنّ دور الكهنوت في العهد الجديد (مثال 1 بطرس 2: 9، رؤيا 1: 6)، أُعطي للجماعة وليس للفرد. هذا من المفترض أن يكون عنصرًا رئيسًا في الهوية الجماعية لشعب الله، أي للكنيسة. لا عجب أن سوء الفهم هذا قد أدّى إلى الانتقال تدريجيًا من ممارسة كهنوت جميع المؤمنين إلى التمييز بين الكهنوت العام والكهنوت الخاص ومن ثمّ ممارسة كهنوت الإكليروس.

ما أومن به هو ما اقترحه مارتن لوثر مرارًا، أنّ كهنوت جميع المؤمنين يعني أننا جميعًا كهنة، لكن الكهنوت هو هوية جماعية. أنا مقتنع بأن العهد الجديد لم يكن ينوي خلق الانقسام بين الإكليروس والعلمانيين الذي نجده في كنائسنا اليوم، وكان قصد لوثر سحب الكنيسة من تقليد الطبقتين. هذا لا يعني بأيّ حال من الأحوال أنّه ليس هناك أدوار قيادية في الكنيسة أو أنّ السلطة الكنسية يمكن المساومة عليها. بل بالأحرى، هذا يعني أنّ كلّ مؤمن في الجماعة هو خادم للإنجيل بدوام كامل، مُفرز للخدمة. البعض مفرز لخدمة مقرها في الكنيسة كقادة، ومعلمين، ومدربين. أما الباقون مفرزون لخدمة مقرها السوق التجاري ومكان العمل في العالم ليحملوا الإنجيل إلى الأماكن التي يتواجد فيها الناس.

كان الأﺳﻘﻒ ﻟﻴﺴﻠﻰ ﻧﻴﻮﺑﻴﺠﻦ كاتبًا بريطانيًا ومتخصصًا في مجال اللاهوت والإرساليات في القرن العشرين. خدم معظم حياته كمرسل إلى الهند. لقد ترك بريطانيا المتنعمة بالعالم المسيحي[1] ليصبح مرسلًا في الهند، ثم عاد بعد ذلك بسنوات إلى بريطانيا ليجدها باتت بحاجة إلى التبشير. تُظهر كتاباته[2] كيف تطور لاهوته الكنسي من لاهوت كنسي لعالم مسيحي إلى لاهوت كنيسي إرسالي. وذلك بسبب خبرته كمرسل، وانخراطه العميق في الحركة المسكونية، ودعوته الإرسالية لسياقه الغربي. أصبح لاهوت نيوبيجن الكنسي الإرسالي مقدمة لما يُعرف اليوم على نطاق واسع بلاهوت الكنيسة المرسَلي.

في زمن العالم المسيحي، كان الناس يذهبون بطبيعة الحال إلى “الكنيسة” يوم الأحد. وبالتالي التركيز على الاهتمامات الرعوية والوعظ الجيّد والتعليم الجيّد في المباني المخصصة كانت طرقًا فعّالة لرعاية الناس والتأثير على الثقافة. خدم لاهوت الكنيسة في العالم المسيحي هذا النموذج من الخدمة الجاذبة بصورة جيدة، ما خلا بعض العيوب الواضحة. لقد ساهم في خلق انقسام داخل الكنيسة بين أولئك الذين يعملون والذين لا يعملون، أولئك الذين يَخدمون وأولئك الذين يُخدمون. وتعزّز الانقسام بين الإكليروس والعلمانيين، ما أدّى إلى وجود فرق من الخدّام الذين يخدمون رعايا من المشاهدين.

يركّز لاهوت الكنيسة المرسلي على خدمات الكنيسة المرسلية التجسدية، حيث يعتبر كل عضو نفسه أو نفسها خدّام ومرسلين لسياقاتهم ضمن مجالات تأثيرهم المختلفة. فالتركيز لم يعد على المباني أو الاهتمامات الداخلية. تجتمع الكنيسة بانتظام للعبادة، والشركة، والإعداد للخدمة، ثم تنتشر في العالم للخدمة.

ما يثير الدهشة هو أنّ العديد من الكنائس في الغرب لا تزال تُقيم خدمتهما اليوم في إطار لاهوت الكنيسة في العالم المسيحي في ثقافة ما بعد العالم المسيحي وما بعد الكنيسة حيث تزايدت التعددية الدينية والمشاعر المعادية للكنيسة. ما يثير الدهشة أكثر هو أنّ طريقة عمل كنائسنا في الشرق الأوسط هي أيضًا لاهوت كنسي موروث من العالم المسيحي. كيف يمكن أن تخدم كنيسة العالم المسيحي سياق التعددية الدينية كما هو الحال في لبنان أو الشرق الأوسط حيث المسيحية أقلية عددية؟

القيادة عنصر أساسي في اللاهوت الكنسي. من هم قادة الكنيسة؟ ما هي وظيفتهم؟ هل هم خدّام أم هم مؤهِّلون / مدربون؟ تؤثّر الإجابات على هذه الأسئلة إلى حدّ كبير على تشكيل خدمة الكنيسة.

نحن نسمّي قائد الكنيسة الأساسي “راعيًا”. وسواء أكان المعنى الضمني لهذه التسمية متعمداً أم لا، فإنّ الرسالة التي يتم إيصالها هي أن الموهبة الروحية الرئيسة للقائد الأساسي يجب أن تكون الرعاية، وأنّ احتياجات رعاية الكنيسة هي الاهتمام الرئيس. إنّه إلى حدّ كبير إطار لاهوت الكنيسة في العالم المسيحي.

النموذج الذي يقدّمه بولس في أفسس 4 يشير إلى إطار مختلف:

وَهُوَ أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلاً، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ، لأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ، إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إِلَى إِنْسَانٍ كَامِل. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ. (أفسس 4: 11-13)

لقد أعطى الله المواهب الروحية القيادية لغرض أساسي هو إعداد الأعضاء للقيام بعمل الخدمة. إذا كان لنا أن نعطي وزنا للمواهب حسب الترتيب الذي أورده بولس هنا، فإنّ موهبة الرسولية تأتي أولًا. لماذا لا تكون الموهبة الرئيسة للقائد الأساسي هي الرسولية؟ أفهم موهبة الرسولية على أنّها المقدرة التي يهبها الله لرؤية وفهم ما يفعله الله في المجتمع الذي توجد فيه الكنيسة المحلية، وتحديد ما هي احتياجات الناس، وكيف يمكن للكنيسة أن تنخرط في المجتمع المحيط بها من خلال وجود أعضائها/ مرسلينها في هذا المجتمع.

موهبة الرسوليّة هي مفتاحية ولكن ليس على حساب المواهب الأخرى، بما في ذلك الرعاية. جزء أساسي من الإعداد هو الاهتمام بالناس، تجبير المنكسرين، والتعليم والتلمذة، والكرازة. لكن ربما يجب إعطاء الأولوية لموهبة الرسولية. فهي جوهر اللاهوت الكنسي المرسلي.

إذًا، ماذا يعني كل هذا بالنسبة لنا اليوم؟ أقترح بدلًا من الرثاء على فقدان الكنيسة لمكانتها المركزية في الغرب، أو العمل انطلاقًا من النظر إلى ذاتنا بصورة الضحية والأقلية في الشرق الأوسط، نحن بحاجة لأن نعيد التفكير في لاهوتنا الكنسي المطبَّق. يمكننا البدء بالاستماع إلى أصوات مارتن لوثر وﻟﻴﺴﻠﻰ ﻧﻴﻮﺑﻴﺠﻦ.

اللاهوت الكنسي هو دراسة الكنيسة، جسد المسيح. إنّه ليس مفهومًا مجردًا. على العكس، إنّه في لبّ “اللاهوت العملي” حيث تلتقي الكنيسة بالعالم. إنّ فهم دور الكنيسة في العالم أمر أساسي. والطريقة التي يعمل بها العالم اليوم تتغير على نحوٍ متسارع. وبالتالي، يجب أن تكون أساليبنا في الانخراط في العالم قابلة للتكيف. إذا كنّا نعتقد أنّ الكنيسة هي مجرد مؤسسة، فعندئذ قد يكفي اعتماد لاهوت كنسي جامد. غير أنّنا إذا كنّا نعتقد أن الكنيسة هي كائن حي، يحركه الله باستمرار للانخراط بالعالم المتغيّر، فإننا نحتاج إلى لاهوت كنسي حي متغيّر وقادر على الاستجابة بسرعة لما يفعله الله في عالمنا.

(ملاحظة: مدونة معهد دراسات الشرق الأوسط ستتوقف عن نشر المقالات خلال شهر آب/ أغسطس للعطلة الصيفية السنوية. غير أنّنا ندعوكم للانضمام إلينا عندما نعاود نشاطنا في شهر أيلول/ سبتمبر بمدونات محفزة جديدة من فريق معهد دراسات الشرق الأوسط.)

__________________

[1] العالم المسيحي مصطلح يُشير إلى الوقت الذي كانت فيه المسيحية الديانة المفترضة للغرب.

[2]  للحصول على قراءة جيدة حول للاهوت الكنيسة الخاص بنيوبيجن، راجع هذا المجلد الذي سيتم نشره قريبًا: Goheen, M.W. and N.T. Wright. The Church and Its Vocation: Lesslie Newbigin’s Missionary Ecclesiology. Baker Publishing Group, 2018.

Leave a Reply