قضيّة الخاشقجي في ظلّ التحالفات الطامعة

مواجهة الطغيان على طريقة المسيح
أكتوبر 18, 2018
المدوّنة الإقليميّة لمعهد دراسات الشرق الأوسط – نوفمبر/تشرين الثاني 2018
نوفمبر 1, 2018

بقلم مرتان عقّاد

جمال خاشقجي، الصحافي السعودي الذي انتقد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان انتقادًا معتدلاً، أصبح اسمه مألوفًا لمعظمنا هذا الشهر. اختار لنفسه المنفى الطوعي – لأسباب أمنية على ما يبدو في العام الماضي – وأصبح مقيمًا في الولايات المتحدة وكاتبًا شهريًّا في أعمدة صحيفة الواشنطن بوست، حيث عبّر عن استيائه من “الإصلاحات” التي أجراها مؤخرًا بن سلمان في المملكة. ووصف خاشقجي هذه الإصلاحات المزعومة بأنّها غطاء لعملية تطهير واسعة النطاق من منافسين ومعارضين محتملين على يد الأمير.

وهذا يذكّرنا بـ”الحلقة السابقة” مع رئيس الحكومة اللبناني، سعد الحريري، الذي “استضافه” بن سلمان احتجازًا جبريًّا لمدة أسبوعين في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، حيث أعلن استقالته – بلا شك بالقوة – من منصبه كرئيس للحكومة اللبنانية. بالنظر إلى هذه الأحداث بعد عامٍ على مرورها، من الواضح أنّ الأمور كان يمكن أن تتحول إلى ما هو أسوأ لولا تدخل حلفاء لبنان الدوليين وزيارة الرئيس الفرنسي، ماكرون، شخصيًا للسعودية. وفي غضون الأشهر القليلة الماضية، نما محمد بن سلمان بجسارته وسمعته كمحبوب المجتمع الدولي و”المصلح” السعودي الناشئ.

قد يكون من الجدير ملاحظته أنّ خاشقجي لم يكن دائمًا طفل المذبح البريء الذي تصوره وسائل الإعلام. في ثمانينات القرن الماضي، اشتهر كصحافي رئيس في تغطية الغزو السوفييتي لأفغانستان، وتابع عن كثب ظهور أسامة بن لادن، وقابله عدة مرات خلال الثمانينات والتسعينات. وخلال الثورات العربية منذ عام 2011، أعرب عن دعمه الصريح للنفوذ الناشئ للجماعات الإسلامية التي أطاحت بالديكتاتوريّات في العديد من الدول العربية. غير أنّ هذا النوع من الازدواجية الإعلامية يمكن إضافتها للنقطة التالية.

ليست أصوات وسائل الإعلام الوحيدة التي كانت ترسم خاشقجي “كمقاتل من أجل الحرية” هذا الشهر. وقد أدان زعماء الدول الكبرى القتل السعودي وأعربوا عن شكوكهم حيال الرواية الرسمية للأمور، الصادرة من الديوان الملكي، بأنّ القتل كان نتيجة استجواب خاطئ نفذّته عناصر فاسدة من أجهزتهم الأمنية. وما لا يساهم في مصداقية الرواية الرسمية هو المعلومات المشيرة إلى أنّ 15 مواطنًا سعوديًا – معظمهم من رجال الأمن – دخلوا البلد على متن طائرتين خاصتين وتوجهوا إلى سفارتهم في صباح ذلك اليوم المروع؛ وأنّ أحدهم، وهو طبيب شرعي، كان يحمل منشارًا للعظام في حقيبته في ذلك الصباح.

ومع شبه إجماع الدُوَل على إدانة ما حصل، فإنّ عواقب الحدث البعيدة المدى ليست بالمقدار نفسه من الوضوح. فمع تساؤل البعض عمّا إذا كان هذا يشير إلى “نهاية شهر عسل محمد بن سلمان” مع الغرب، فإنّ الرئيس ترامب عبّر عن ألمه بسبب ما قد يترتّب على ذلك من خسارة أكثر من 110 مليار دولارًا أميركيًّا في عقود أسلحة وقّعتها الولايات المتّحدة مؤخرًا مع المملكة. ويدعمه في موقفه القس بات روبرتسون، الذي أشار بحزن إلى “إنّك لا تفجّر تحالفًا دوليًا بسبب شخص واحد فقط؛ فعلاً، أنا آسف … ”

مسائل كثيرة على المحك اقتصاديًا بالنسبة للبلدان ذات المصالح الخاصة في المملكة العربية السعودية التي تنوي تعليق العلاقات مع المملكة حول هذه القضية أو قطعها. تمتلك المملكة العربية السعودية، بفضل كميات احتياطها الضخمة من النفط، سيطرة هائلة على أسعار سوق النفط العالمية. وبلدان من الصين إلى السويد لديها عقود عسكرية مع المملكة. وتستورد الأخيرة كميات كبيرة من البضائع من الصين والولايات المتحدة والعديد من الدول الأوروبية. أضف إلى ذلك أنّ وليّ العهد وضع نفسه كحليف رئيسي للغرب في حربه ضد الإرهاب الدولي، وكذلك ضد إيران، وأيضًا على ما يبدو كحليف إقليميّ قويّ مُحتَمَل لإسرائيل.

أجل، ثمة الكثير على المحك. ولكن كذلك ضمير الدول الغربية على المحك. وعلى ما يبدو أيضًا ضمير بعض الزعماء المسيحيين. وفعليًّا، ما يقع تحت الاختبار في قضية خاشقجي ليس قدر صلاح أمير أو صحفيّ أو رئيس أو قسّيس، ولا حتّى مدى شرّهم. ما يجري اختباره هنا هو أخلاقياتنا ومدى استعدادنا للتلاعب بمبادئنا الأخلاقيّة لأغراض نفعية. هل نبرم اتفاقًا مع الشيطان عندما يكون قدر المال كافيًا؟ إنّ كلام المسيح يحمل صداه هنا:

“لا تقدرون أن تخدموا الله والمال.” “إمّا أن تُبغِضوا أحَدَهُما وتُحبّوا الآخر، وإمّا أن تتبعوا أحدهما وتُنبِذوا الآخر” (متى 6: 24).

اترك رد