كي تعلو الحقوق على القوة: الأمم المتحدة والحرية الدينية، دورنا ومسؤوليتنا

مؤتمر الشرق الأوسط ٢٠١٩ – نظرة كتابيّة تجاه المسلمين ومحمّد والقرآن: أبعاد تطبيقيّة للكنيسة اليوم
نوفمبر 8, 2018
الوقوف على ضفة النهر: فلسطين وإسرائيل والهوية
نوفمبر 21, 2018

بقلم وسام الصليبي*

عبّر العديد من زملائي الإنجيليين عن عدم رضاهم عن الأمم المتحدة، حيث تبادلوا وجهات النظر التي تراوحت بين: “الأمم المتحدة هي حكومة عالمية شريرة” و”الأمم المتحدة غير كفؤة وعديمة الجدوى”. وثمة سؤال أنتقيه من بين أسئلة عديدة وهو “ماذا تفعل الأمم المتحدة حيال الحرية الدينية؟” سأحاول أن أطرح بعض الإجابات على هذا السؤال ودور الأمم المتحدة، وذلك وفقًا لخبرتي كمسؤول المناصرة للاتحاد الإنجيلي العالمي، وأقوم بدور المناصرة نيابة عن الاتحادات الإنجيلية الوطنية في الأمم المتحدة في جنيف.

آليات الخبراء تُدعى إجراءات خاصة

نحن نتفاعل مع نوعين من آليات الأمم المتحدة – تلك التي تضم خبراء مستقلين يجتمعون في مجالس معًا ويتخذون القرارات، وتلك التي تضم البعثات الدبلوماسية للدول التي تجتمع لاتخاذ القرارات.

الإجراءات الخاصة تشير إلى مجموعة خبراء مستقلون في مجال حقوق الإنسان (مقررون خاصون، ممثلون خاصون، وخبراء مستقلون، ومجموعات عاملة) مكلفون للإبلاغ عن حالات خاصة بحقوق الإنسان وتقديم المشورة بشأنها ويمكن تصنيف هذه الحالات من منظور مواضيعي أو خاص ببلدان محددة. هذه المجموعة هي  لجنة تعاهدية من الخبراء تشكّلت بموجب معاهدة حقوق الإنسان لمراقبة تنفيذ المعاهدة من قِبل الدول المصدِّقة عليها.

في شباط / فبراير 2018، قام أربعة من المقررين الخاصين للأمم المتحدة بدعوة إيران لضمان عقد جلسة استماع نزيهة وشفافة لثلاثة مسيحيين إيرانيين، وذلك بعد اتصالنا بالمقرر الخاص المعني بحرية الدين أو المعتقد.

في حزيران / يونيو 2018، تقريرًا قدّمنا إلى لجنة حقوق الإنسان عن إغلاق الكنائس في الجزائر. لجنة حقوق الإنسان (ستُسمّى في المقال من الآن فصاعدًا اللجنة) هي هيئة تعاهدية تتكون من 18 خبيرًا مستقلًا يرصدون تنفيذ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. أدرجت اللجنة معلوماتنا وتوصياتنا في حوارها مع الوفد الجزائري إلى جنيف في يوليو / تموز. وفي ملاحظاتها الختامية حول التقرير الدوري الرابع الخاص بالجزائر، أعربت عن قلقها “بسبب تقارير إغلاق الكنائس والمؤسسات الإنجيلية” وتضمنت التوصية بـ “الامتناع عن التدخل في عبادة الأشخاص الذين لا يتبعون الدين الرسمي للبلاد”.

للأسف، لم تستجب الحكومة الجزائرية لتوصيات اللجنة. أغلقت الجزائر كنيسة إضافية في تشرين الأوّل / أكتوبر 2018.

كما قدمنا إلى اللجنة تقريرًا عن استمرار سجن قادة الكنيسة في السودان وترهيبهم، ومصادرة ممتلكات الكنيسة وتدميرها. وأظهرت اللجنة استجابة مماثلة، وتحدت وفد السودان، مستشهدةً بتقريرنا. بالإضافة إلى مساهمتنا، تحدى عضو اللجنة بن عاشور بقوة السودان على تجريم الردة والكرازة، ومعاقبة كلّ منهما بالإعدام. (شاهد العرض التقديمي الرائع الذي قدّمه بن عاشور في توقيت ساعة ودقيقة وعشر ثوانٍ من هذا الفيديو من الجلسة).

في آب / أغسطس 2017، أوصت اللجنة لباكستان بإلغاء قوانين التجديف و”ضمان محاكمة ومعاقبة جميع الذين يحرضون على العنف ضد الآخرين أو ينخرطون فيه على أساس اتهامهم بالتجديف، وكذلك أولئك الذين يتهمون الآخرين كذبًا بالتجديف.” للأسف، لم تنفذ باكستان هذه التوصيات، وواصلت آسيا بيبي مواجهة الظلم في المحاكم الباكستانية حتّى تبرئتها في تشرين الثاني / نوفمبر 2018.

وقد أثبتت آليات خبراء الأمم المتحدة استجابتها لمشاركتنا معهم، وجذب اهتمامهم اللازم لانتهاكات حرية الدين أو المعتقد التي كانت لتمرّ من دون أن يلاحظها أحد بدون هذه الآليات. إن اتصالاتهم وقراراتهم وتوصياتهم قانونية “كتفسير رسمي للالتزامات الدولية للدولة”. لكنهم يفتقرون إلى آليات التنفيذ أو العقوبات، على خلاف حكم المحكمة المحلية.

مجلس حقوق الإنسان، هيئة حكومية دولية

مجلس حقوق الإنسان (سيُسمّى في المقال من الآن المجلس)هو هيئة حكومية دولية تابعة إلى منظومة الأمم المتّحدة، ويتألّف من 47 دولة مسؤولة عن تعزيز جميع حقوق الإنسان وحمايتها في كافة أنحاء العالم. وقد حلت محل المجلس لجنة حقوق الإنسان في عام 2006 في جهدٍ إصلاحي كبير لتعزيز وصاية حقوق الإنسان في الأمم المتحدة. غير أنّ النقد الأساسي الذي وُجِّه للجنة قد وُجِّه للمجلس وهو أنّهم يضمون أعضاء منتهكين لحقوق الإنسان.

المجلس هو مكان فريد يتفاعل فيه المجلس الإنجيلي العالمي مع البعثات الدبلوماسية للدول، ويعرض أحدث التطورات المتعلقة بحرية الدين أو المعتقد، وينقل رسائل أعضاء اتحاداتنا الإنجيلية الوطنية. غير أنّ المجلس على خلاف الإجراءات الخاصة، طبيعته الحكومية الدولية تجعله يعكس أكثر الحالة على الصعيد العالمي ويعكس ديناميكيات السلطة بين الدول.

على سبيل المثال، في أيلول/ سبتمبر 2018، صوّت المجلس لصالح قرار يشير إلى إنهاء ولاية الخبير المستقل المعني بحالة حقوق الإنسان في السودان، وهي خطوة تحدّ فعليًا من التدقيق في سجل حقوق الإنسان في السودان. ويتناقض هذا مع سجل حقوق الإنسان في السودان، حيث تعد حريّة الدين أو المعتقد واحدة من العديد من قضايا حقوق الإنسان التي على المحك. واستطاع الاتحاد الأوروبي مع مجموعة من البلدان، بعد مناصرة صارمة، أن يُدرجوا في القرار المذكور فتح مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان في الخرطوم كشرط مسبق لإنهاء ولاية الخبير المستقل.

لقد كان قرار المجلس خيبة أمل كبيرة. وفي تشرين الأول / أكتوبر، أي الشهر التالي لقرار المجلس، ألقت أجهزة الاستخبارات والأمن الوطنية السودانية القبض على 12مؤمنًا مسيحيًا في نيالا بجنوب دارفور. وتشير التقارير حول هذا الحادث إلى ضرب المعتقلين واتهامهم بجريمة الردة.

يعكس هذا القرار التطورات الأخيرة في السياسة الشرق أوسطية. في مارس 2015، حوّل السودان تحالفاته مبتعدًا عن إيران وكوريا الشمالية ومتقربًا من المملكة العربية السعودية. ما دفع الولايات المتحدة إلى تخفيف العقوبات على السودان في عام 2016، ثم رفعها بالكامل في عام 2017 – على الرغم من التقارير التي تفيد بأن “سجل حقوق الإنسان في السودان لا يزال سيئا في عام 2016“.

وفي هذا الشهر، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أنّ “السودان ملتزم بتعزيز التعاون وتطبيق الإصلاحات.” وعلّقت هيومن رايتس ووتش بأنّ الولايات المتحدة تتجاهل انتهاكات السودان بحقّ شعبه.

بدلاً من إلقاء اللوم على الأمم المتحدة أو مجلس حقوق الإنسان، أفضّل أن أسأل أية دول تركت الاتحاد الأوروبي وأعضاءه وحدهم في المفاوضات حول القرار مع السودان وحلفائه.

الاستعراض الدوري الشامل، حوار بين الدول

الاستعراض الدوري الشامل آلية أُنشئت في عام 2006، بالتزامن مع إنشاء مجلس حقوق الإنسان. لأوّل مرّة في التاريخ، يتطلب الاستعراض الدوري الشامل أن تخضع كل دولة، كل أربع سنوات ونصف، لحوار تفاعلي مع الدول الأخرى في المجلس فيما يتعلق بسجلها في مجال حقوق الإنسان والتقدم المُحرَز في تنفيذ الالتزامات الدولية.

المجلس الإنجيلي العالمي على غرار جميع الجهات الأخرى الفاعلة في المجتمع المدني يقدّم تقارير عن الدول في هذا الاستعراض عندما تطلبها تحالفاتنا الوطنية الإنجيلية الأعضاء. وقد رأينا نتائج مختلطة. لقد أثارت الدول قضايا حرية الدين أو المعتقد أثناء جلسة الاستعراض الدوري الشامل الخاصة بالجزائر وكذلك في جلسة الاستعراض الدوري الشامل الخاصة بسريلانكا. ومن ناحية أخرى، لم تقدم الدول أية توصيات تتحدّى كوبا أثناء دورة الاستعراض الدوري الشامل لتحسين سجلها الخاص بحرية الدين أو المعتقد، على الرغم من تقريرنا وتقارير ثلاث منظمات أخرى ركزت على نحوٍ خاص على هذه القضية.

إنّ الاستعراض الدوري الشامل هو الآلية العالمية الوحيدة لحقوق الإنسان التي يمكن توقعها والتي لا يمكن لأي دولة تجنبها أو تجاهلها. يضاعف الاتحاد الإنجيلي العالمي وغيره من المنظمات التي تناصر الحرية الدينية الجهود المبذولة للحد من التضارب في معالجة حرية الدين أو المعتقد.

توقعات وأوهام

كإنجيليين، لا نتكهّن أنّ الأنظمة الدنيوية كاملة أو يمكن أن تكون كاملة. توقع الكمال يتجاهل الواقع بأنّ “الخليقة تئن” وأنّ الناس، بمن فيهم ممثلي البلدان في الأمم المتحدة وفريق عمل الأمم المتحدة، خطأة. لقد أظهرت إجراءات الأمم المتحدة الخاصة استعدادًا لمعالجة حرية الدين كأيّ قضية أخرى متعلّقة بحقوق الإنسان. ومن ناحية أخرى، فإنّ مجلس حقوق الإنسان هو هيئة حكومية دولية تعكس التوترات في العلاقات بين الدول، وديناميكيات السلطة بين الدول التي ترغب حقًا في النهوض بحقوق الإنسان، والدول الراغبة في تجنب تحمل مسؤولية أفعالها المشينة، والدول الأصغر من أن تؤثّر في النقاش على نحوٍ بالغ.

علاوة على ذلك، وعلى الرغم من القرار المذكور آنفا بشأن السودان، نجح مجلس حقوق الإنسان في أيلول / سبتمبر أن يعالج الحالات التي حدثت في ميانمار واليمن وفنزويلا وبوروندي وسوريا، وغيرها. هذه إشارة إلى أنّ المجلس قادر على تحقيق رسالته – وإن كان ذلك بالكثير من الدهاء والتجييش خلف الكواليس.

إنّ بعض الانتقادات الموجهة لمجلس حقوق الإنسان، ومن ضمنهم زملائي الإنجيليين، تصيب الهدف الخطأ، وهي تعمل مباشرة لمصلحة الحكومات التي تنتهك حقوق الإنسان. دعونا لا نقوض المؤسسة الحكومية الدولية الوحيدة التي تتمتع بتفويض للضغط على هذه الحكومات، لتسجيل الانتهاكات التي ترتكبها، وربّما تحملها للمساءلة.

إنّ البديل عن المجلس ليس آلية دولية لحقوق الإنسان تعمل على نحوٍ أفضل. البديل هو عدم قدرة مجتمع الدول على الاستجابة لانتهاكات حقوق الإنسان والفظائع المرتكبة في ميانمار واليمن وفنزويلا وبوروندي وسوريا – أي ليس بما هو مختلف مجلس الأمن.

دورنا ومساهمتنا

انطلاقًا من قيمنا ومثلنا العليا، أعتقد أنّنا نتحمل مسؤولية الانخراط في جميع آليات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، بهدف تعزيز الدفاع عن الحرية الدينية. ونحن بحاجة إلى الاستفادة من المجال الفريد المُتاح للمجتمع المدني للقيام بدور المناصرة وتحدي أعضاء مجلس حقوق الإنسان لتغليب القيم على المصالح في السياسة العالمية، وتغليب الحقوق على القوة.

تعتمد آليات خبراء الأمم المتحدة والهيئات الحكومية الدولية على مدخلاتنا. وقد تستجيب بفعالية بمجرد بناء الثقة معها – وهو ما سعى مكتبنا إلى تحقيقه.

أصلي أن يعكس انخراطنا مع هذه الآليات “الحكمة التي من فوق”، والتي يقول عنها يعقوب أنّها “مُسالمة” و”مترفقة” (يعقوب 3: 17)، وأن يبني الثقة اللازمة للتأثير بفعالية في آليات الأمم المتحدة للعمل من أجل تعزيز حرية الدين أو المعتقد، وفي نهاية المطاف لتعزيز شهادة الكنيسة في جميع أنحاء العالم.

 

*وسام الصليبي مسؤول المناصرة للاتحاد الإنجيلي العالمي. حائز على شهادة الماجستير في القانون الدولي من جامعة Aix-en-Provence بفرنسا، مع التركيز على حماية الأفراد والأمن الإنساني. بين عامي 2013 و2017، قام الصليبي بدور مدير علاقات التنمية والشراكة في كلية اللاهوت المعمدانية العربية. وهو الآن مقيم في جنيف، ينقل تقارير التحالفات الإنجيلية الأعضاء في التحالف الإنجيلي العالمي المنتشرة في أكثر من 100 دولة إلى الأمم المتحدة، وذلك بهدف تعزيز احترام الحرية الدينية وسيادة القانون. حسابه الخاص على تويتر:  www.twitter.com/walsaliby

اترك رد