الوقوف على ضفة النهر: فلسطين وإسرائيل والهوية

كي تعلو الحقوق على القوة: الأمم المتحدة والحرية الدينية، دورنا ومسؤوليتنا
نوفمبر 15, 2018
شبكةُ الكنائس والمساجد تعبيرٌ عن سرّ التجسّد: رسالة خاصة في زمن الحلول
نوفمبر 29, 2018

بقلم نبيل حبيبي

أسبوعٌ عصيبٌ آخر يمرّ على الفلسطينيين. إذ يشهدون المزيد من التراجع في الموقف العربي أمام إسرائيل. وتستمر أرضهم بالتقلص يومًا بعد الآخر. وتخفت آمالهم بالتحرّر من الظلم والطغيان.

لقد كانت 70 سنة عصيبة على الفلسطينيين. شهدوا خلالها تحوّل بضعة مستعمرين إلى بلد. وما بدا على أنّه صراع فرعي من مخلفات الحرب العالمية تحول إلى كفاح ممتدّ إلى أجل غير مسمى بحثًا عن البقاء على هامش الوجود.

أنا لبناني فلسطيني. لقد تباركت بأن أولد لبنانيًا إذ أنّ عائلتي حصلت على الجنسية اللبنانية في خمسينيات القرن الماضي. اختبرت الحياة في لبنان بعد الحرب الأهلية. فأنا لبناني على أصعدةٍ عدّة.

ولكنني لم أجد جوابًا بعد للسؤال الذي واجهني من كل معلمة وأستاذ، كل صاحب محل تجاري، وكلّ الأهل والأصدقاء:

من أين أنت؟

كنت أتلعثم. أحاول تجنب الإجابة على هذا السؤال. عرفت عندها أنّ اللبنانيين ليسوا أفضل الأصدقاء للفلسطينيين. من أين أنا؟ ليس لي قرية في الجبل، ولم يمتلك أجدادي بيتًا في بيروت. من أين أنا؟

أذكر كيف قال لي أستاذ الفيزياء في الثانوية عندما رآني أخجل من الإجابة عن أصلي وفصلي:

لا تخجل أبدًا بأصلك!

من وقتها وأنا أجيب بثقة:

أنا لبناني، ولكن بالأصل أنا من فلسطين.

ماذا يعني الأمر؟ ماذا يعني “أن أكون أصلًا من فلسطين؟” لم أعش يومًا هناك. لم أمشِ يومًا هناك. وما هو أكثر صعوبة بعد أن تسأل ما معنى أن يكون المرء من فلسطين عندما لا يُعترف بوجود “فلسطين” على عدّة مستويات دولية – أو على خرائط غوغل؟ ماذا يعني أن أحيا حياة جيدة (تعليم جامعي، حرية العبادة، وظيفة جيدة، زوجة وأولاد…إلخ.) ومن ثم أقول بفخرٍ أنّني من فلسطين؟ أنا لا أصارع كباقي الشعب الفلسطيني. صراعي الوحيد هو في بضعة تعليقات ومدونات على وسائل التواصل الاجتماعي.

وإسرائيل. الإبن المدلل للكنيسة الإنجيلية في الكثير من أنحاء العالم الغربي. إسرائيل. ماذا أفعل بها؟ هل أكرهها؟ ولكن يسوع علّمنا أن نحب أعداءنا. هل أنسى الماضي، الماضي الذي لم أكن جزءًا منه ولكنّه يملأ كياني الحاضر؟ كيف ينسى المرء هويته؟

في آذار/مارس 2015 وجدت نفسي أقف على ضفّة نهر الأردن، على الجانب الأردني (لم أكن لأقدر أن أكتب هذه المدونة لو كنت واقفًا على الجهة الأخرى). كنت محاطًا بزملاء ولكن ليسوا أصدقاء. وكان هناك راعيًا يعظ. للأسف، لم يستفد من السياق المليء بالمعاني، واختار أن يذكّرنا بعناية الله بنا. ورحت أفكر بكثير من الأمور. هناك، على بعد بضعة أمتار، تقع أرض أجدادي. هناك، على بعد بضعة أمتار، تقع أرض أحلامي، مكان هويتي – بيتي. هناك، على بعد بضعة أمتار، الإجابة للسؤال:

من أين أنت؟

أذكر أنني مشيت بمحاذاة النهر. انحنيت ولمست المياه. كانت باردة. مياه عادية. وعبر النهر يرفرف علم إسرائيلي. والناس يتمشون في الأرجاء، ويلتقطون الصور. ما الذي أردته في تلك اللحظة؟ أردت أن أضع العلم الفلسطيني مكان العلم الإسرائيلي! أردت أن أصرخ بأعلى صوتي: ظلم! أردت أن أكون سائحًا صينيًا بدون أي روابط عاطفية تربطني بالمكان. أردت، أكثر من أي شيء آخر، أن أقفز عبر النهر. إلى أين؟ هناك. المكان المنشود.

أين يجب أن يكون المكان المنشود لأتباع المسيح في هذا العالم؟ البيت؟ مكان الولادة؟ الكنيسة؟ السماء؟ يسوع؟

جلست بعد ذلك في خلوة غرفتي. لم أصل لإدراك عميق. لم أجد كل الأجوبة، ولم أجدها بعد. كتبت بضعة كلمات. كنت أحاول أن أفسر، أروي، أصف تجربتي. كتبت، وإذا بعقلي يعطي أجوبة. تدخل لاهوتي وأنقذني من المياه المتدفقة في داخلي.

ما ستقرأه أدناه هو أفكاري. لا أجرؤ أن أسميها شعرًا، فأنا لست شاعرًا. دعونا نسميها تأملات. فعلى صعيد ما وصلت لاستنتاج هذه التأملات. وعلى صعيد آخر، لا زلت واقفًا على ضفة النهر. النهر!

يكفي فلسفات. أترككم مع هذه القطعة المتواضعة. أصلي أن تغمركم بالسلام، كما فعلت بي، مرات عديدة منذ أن كتبتها حتّى اللحظة.

 

الوقوف على ضفة نهر

الوقوف على ضفة نهر

موحل وضحل،

النهر!

وأمتد بنظري

بضعة أمتار،

عبر قرون من التاريخ

إلى أرض خضراء،

الأرض!

وأعرف أنّ هناك

ثمّة ما هو مقدّس

نفيس

طاهر

ضائع…

وأعرف أنّه بقفزة واحدة

أصل إلى أرضي،

القفزة!

ولكن النهر جدار

وأنا غير موجود على هذه الجهة

وأصبح أحد ما على الضفة الأخرى

ولكن النهر عميق

وتأتي أصداء قصص قديمة،

كجيش يخطو بهدوء

جيش بدون أسلحة…هذه المرّة،

القصة!

وأقفز، وأنوي القفز فوق النهر إلى أرضي

ولكنني أحطّ في القصة،

وأبقى في المياه ثلاثة أيام

وأخرج والوجود يقطر مني

وأجد لي بيتا في النهر

البيت!

اترك رد