عيد الميلاد الشيعي وكلمة الله المتجسّد

المدوّنة الإقليميّة لمعهد دراسات الشرق الأوسط – يناير/كانون الثاني 2019
يناير 3, 2019
الشرق والغرب: يقدّمان أفضل ما لديهما للسير قُدمًا
يناير 17, 2019

بقلم وسام نصرالله

بعد جرعة زائدة من الاستماع للبودكاست، قمت بتشغيل الراديو أملاً في العثور على شيء “خفيف” للاستماع إليه، فيما كنت أحاول جاهدًا أن أشق طريقي عبر الفوضى المنظّمة لحركة المرور في بيروت.

وبينما كنت أتنقل عبر المحطات المختلفة، استوقفني برنامج إذاعي عبر إذاعة لبنان الحر، يُدعى “نجوم الظهر” الذي كان يستضيف المغنّي اللبناني الشهير معين شريف. وباعتباري أحد محبي السيّدة فيروز، فقلّما أطّلع على مستجدات الساحة الموسيقية اللبنانية المعاصرة (نعم، أنا متعصّب لرقي فيروز) غير أنّ الحديث مع معين شريف أثار اهتمامي. فهو مسلم شيعي، غير أنّه أطلق أغنيةً جديدة خاصة بعيد الميلاد، “محي الليل“، حيث يطلب من يسوع أن يعيد الفرح المفقود لأبناء وطننا بمناسبة ولادته. خلال المقابلة، وإرضاءً للمضيف، كان يتحدث بتقدير كبير عن يسوع، واصفًا إيّاه بأنّه شخصية استثنائية في كلّ من الإسلام والمسيحية. حتّى أّنّه صرّح عن تزيين منزله بشجرة عيد الميلاد.

في بلد مزّقته الطائفية العدائية التي نتجاهلها في أحسن الأحوال، كانت هذه اللفتة ضرورية لتمنحنا شعورًا بالرضى.

وسرعان ما أدركت أن هذا كان شيئًا شائعًا بين المسلمين الشيعة في لبنان. حيث يمكنك أن تقرأ في صحيفة “نيويورك تايمز” قصة عن “حفلة ميلادية برعاية إيرانية” في الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل حزب الله.

ومع ذلك ، بعد الإثارة الأولية ، شعرت بعدم الارتياح بعض الشيء وسألت نفسي إذا كان هذا هو ما تعنيه رسالة عيد الميلاد: رسالة سلام وتعايش محترم بين مختلف الجماعات الدينية؟ من المحتمل أن تكون هذه نتيجة جيدة وطبيعية ومنطقية ولكن ليس قلب أو جوهر عيد الميلاد.

غير أنّ، بعد شعوري بالحماس والإثارة، شعرت بعدم الارتياح بعض الشيء وسألت نفسي ما إذا كان هذا هو ما تعنيه رسالة عيد الميلاد: هل هي رسالة سلام وتعايش محترم بين مختلف الجماعات الدينية؟ قد تكون هذه نتيجة جيدة وطبيعية ومنطقية ولكنّها ليست نبض أو جوهر عيد الميلاد.

إنّ الحديث حول كيف أنّ القيم المشتركة وشخصية المسيح المشتركة في كلّ من الإسلام والمسيحية يجب أن تجمعنا ليست غريبة عن العديد من الأوساط سواء في بيروت أو في الخارج أو في الجامعات. إنّ مقالة مصطفى أكيول في صحيفة نيويورك تايمز بعنوان “لمَ ليس من الخطأ معايدة المسلمين في عيد الميلاد“، هي مقالة مثيرة للاهتمام وتوضح هذه النقطة.

وللأسف، يبدو أنّ هذا النوع من النقاشات قد تمّ استقطابه حول مفهومين، حيث يميل الناس إلى التركيز على أحدهما على حساب الآخر.

تركّز المجموعة الأولى على النزاهة أو الأمانة الفكرية، بينما تتمسّك المجموعة الثانية بأهمية التسامح الاجتماعي.

على سبيل المثال، العديد من الإنجيليين ومن خلال إثبات الاختلافات اللاهوتية والروحية بين الإسلام والمسيحية، يُظهرون، عن وعي أو بغير وعي، تعصبًا اجتماعيًا تجاه المسلمين أو يُظهرون عدم الحب والقبول للمسلمين (وغيرهم من المسيحيين في هذا الشأن).

أولئك الذين في المجموعة الثانية، نظرًا للحاجة إلى تماسك وتناغم اجتماعي أفضل، مالوا إلى رفض الاختلافات بين كلا النظامين الإيمانيين وجعلوها تنصهر في بوتقة القيم المشتركة (على غرار ما سمعته خلال مقابلة معين شريف).

والحقيقة هي أنّ كلا المفهومين لا يستبعد أحدهما الآخر: فالإنسان يمكن أن يكون صادقًا فكريًا ومتسامحًا اجتماعيًا. من حق المرء أن يؤمن بأنّ نظامه الإيماني صحيح، وأن ّالآخر غير ذلك، دون أن يضطر للتمييز ضده.

عندما تعتقد بأنّ وجهة النظر الدينية لشخص آخر هي خاطئة أو أن تعترض عليها بقوة؛ هذا لا يعني عدم التسامح بل يعني أنّك صادق فكريًا مع ذاتك. لا ينبغي مساواة التسامح بالحياد الفكري. بل في التسامح ينبغي احترام إيمان الشخص الآخر وإعطائه المساحة اللازمة وحرية التعبير عن رأيه. (للانخراط على نحوٍ رائع في حوار بين الأديان، يرجى الاطلاع على توجيهات الحوار الخاصة بمبادرة خبز وملح لبناء السلام التي يديرها معهد دراسات الشرق الأوسط). كتب الفيلسوف الفرنسي أندريه كومت-سبونفيل في مجلّة عالم الأديان الفرنسية منذ بضع سنوات “من حق المرء أن يكون يعارض وحتّى أن يكره، طالما أنّ هذه المعركة أو الكراهية تدور حول الأفكار، وليس حول الناس الذين نعتبرهم أدنى من الآخرين. دعونا نحذر من الصواب السياسي، الإجماع اللطيف، واستبداد المشاعر الطيبة! جميع الناس متساوون في الحقوق والكرامة، لكنّ الأفكار جميعها ليست متساوية. حقّ الاعتراض هو جزء من حقوق الإنسان.” (للحصول على النسخة الأصلية باللغة الفرنسية ، انظر أدناه)[1].

في المنطقة الخاصة بنا من العالم، قد ينطوي التسامح الاجتماعي على زيارة جيراننا أو أصدقائنا المسلمين في منازلهم. يمكن أن ينطوي أيضًا على تمني السلام والبركات لهم في احتفالاتهم الدينية أو مشاركتهم وجبة الإفطار خلال شهر رمضان (من أفضل الوجبات التي تناولتها!). لا بل قد يعني أن تتعلّم من المسلمين لصالح حياتنا الروحية (انظر مدونة نبيل حبيبي حول هذه النقطة: خمسة أمور بإمكان المسيحيين أن يتعلموها من جيرانهم المسلمين).

إذًا ما هو الجوهر الحقيقي لعيد الميلاد؟

المسيحية أخبار سارة وليست نصيحة جيدة، كما يقول تيموثي كيلر في كتابه يسوع الملك: فهم حياة ابن الله وموته. إنّها ليس دينًا، بل علاقة مع الله الحي. إنّها علاقة أضحت ممكنة بالتجسد حين “صارَ الكلمةُ جسدًا وحلَّ بيننا” (يوحنا 1: 14). عندما “باتت اللانهائية متناهية، والأبدية مؤقتة، واللامحدود اختار طوعًا أن يصبح محدودًا، وكلي القوة أصبح ضعيفًا من أجلنا”[2]. عندما اخترق الله الحي، خالق السماء والأرض، ظلمات عالمنا واتخذ شكلًا بشريًا حتى نتمكّن من التصالح معه، وبفعل ذلك يمكننا “أن نحيا وأن يكون لنا أفضل” (يوحنا 10: 10).

هذا ليس مجرد مفهوم فكري لطيف. إنّه واقع تاريخي يثبت عليه الإيمان المسيحي أو يسقط. يقول الرسول يوحنا في رسالته الأولى: ” اَلَّذِي كَانَ مِنَ الْبَدْءِ، الَّذِي سَمِعْنَاهُ، الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا، مِنْ جِهَةِ كَلِمَةِ الْحَيَاةِ. فَإِنَّ الْحَيَاةَ أُظْهِرَتْ، وَقَدْ رَأَيْنَا وَنَشْهَدُ وَنُخْبِرُكُمْ بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ الآبِ وَأُظْهِرَتْ لَنَا” (1 يوحنا 1: 1-2).

نعم، لدينا قيم مشتركة مع جيراننا المسلمين، ونعم، شخص المسيح مشترك ويمكن أن يجمعنا. غير أنّ إعلانه عن نفسه وطبيعته الإلهية مهيمنة لدرجة أنّنا لا نستطيع أن نقلّصه أو نحدّ الاحتفال بتجسده (عيد الميلاد) بشخصية أخلاقية موحدة قدّمت تعاليم عميقة. إنه ببساطة لا يترك لنا هذا الخيار، إذا كنّا صادقين فكريًا.

مع أخذ هذا في الاعتبار، دعونا أيضًا بمناسبة عيد الميلاد أن نكون النور لبلدنا كما كان المسيح لنا. دعونا نتعلم من تواضعه وحبّه غير المشروط.

أنا ممتن لمعين شريف. ثمة حاجة ماسة إلى شخصيته وانفتاحه في بلد منقسم مثل لبنان.

مع بداية هذه السنة الجديدة، دعونا نوحّد صلاتنا مع القديس فرنسيس الأسيزي:

“يا رب استعملني أداة لسلامك

فأزرع الحب والغفران مكان الحقد والكراهية

وأنشر الحق والائتلاف بدل الضلال واللامبالاة

أيها الرب.. استعملني أداة لسلامك،

فأرني الأيمان والرجاء محاربًا الشك واليأس.

وبث النور والفرح طاردًا الظلمة والكآبة.

لا تسمح أيها السيد بان أنصرف إلى البحث عن سعادتي وتعزيتي، دون الاكتراث بسعادة الآخرين وتعزيتهم.

أعطني أن أسارع إلى تفهم الآخرين قبل أن أطلب منهم أن يفهموني.

واجعلني أن أبادرهم بمحبتي غير منتظر منهم أن يبادلوني محبتهم وعطفهم.

فبالعطاء يتم الأخذ، وبالإخلاء يتم الامتلاء.

إذ عندما نغفر للآخرين يغفر لنا، وعندما نموت عن الآخرين نُبْعَث بالقيامة.”

ميلاد مجيد وعام سعيد!

 

[1] On a le droit d’être contre, et même de haïr, tant que ce combat ou cette haine portent sur des idées, non sur des êtres humains qu’on prétendrait pour cela inférieurs aux autres.

Méfions-nous du politiquement correct, du consensus mou, de la tyrannie des bons sentiments ! Tous les hommes sont égaux en droit et en dignité, mais toutes les idées ne se valent pas. Le droit d’être contre fait partie des droits de l’homme.

Compte-Sponville, A. (July-August, 2009) Le Droit D’être Contre. Le Monde des Religions, 82.

Retrieved from http://culture-et-debats.over-blog.com/article-34514926.html

[2] Rybarczyk, E. J. (2016).  For Him Who Has Eyes to See: Beauty in the History of Theology. Retrieved from http://books.google.com

1 Comment

  1. يقول Nancy yousef:

    ميلاد مجيد مُحمل بكل البركات ينعاد علينا بكل الحب 🌹🌹
    الرب يبارككم مقال اكثر من رائع و كلماته حقيقيه جدا و صادقة
    شكرا لأجل مبادرة خبز و ملح لأنها شكلت داخلى الكثير و نسجت حب كبيير و اكملها مؤتمر الشرق الأوسط 2018
    جزيل الشكر ل “معهد دراسات الشرق الأوسط” دمتم منارة للحب و للمعرفة لكل أرجاء المسكونه

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: