تقرير مكينزي حول لبنان: الفساد يضرب أطنابه

الشرق والغرب: يقدّمان أفضل ما لديهما للسير قُدمًا
يناير 17, 2019
التعليم والقيادة والإرسالية: نظرة نقدية في عصر حرج
يناير 31, 2019

بقلم روبرت حمد

في عام 2017، استدعت الحكومة اللبنانية شركة الاستشارات الدولية، مكينزي، لتحليل القطاعين العام والخاص في لبنان. يوم الأربعاء 2 كانون الثاني / يناير، أصدرت وزارة الاقتصاد تقريرًا، تصف فيه واصفة ما رأته الشركة الاستشارية على أنّه مأزقًا سياسيًا مدمرًا في الحكومة اللبنانية. ويحذّر التقرير المكون من 1200 صفحة من أنّ البلاد تواجه انهيارًا اقتصاديًا وفسادًا لا متناهيًا وتحتاج إلى صرخة مدويّة لتحسين الشفافية ومعالجة مشكلاتها.[1]

كشف التقرير عن معلومات مروعة من شأنها أن تدفع بأهل الإيمان في لبنان مباشرةً تجاه قادتهم السياسيين ومطالبتهم بالإجابات والبحث عن العدالة. على سبيل المثال، يشير التقرير إلى أنّ سكان لبنان يقضون أكثر بـ 50% من الوقت اللازم على الطرقات المزدحمة، وهذا يعني هدر في الدخل وهدر في الإنتاجية. 15٪ فقط من الطرقات في حالة جيدة. ويصنّف التقرير البنية التحتية في لبنان في المرتبة 113 من بين 137 دولة، كما أنّه يحتل المرتبة الرابعة من حيث أسوء نوعية كهرباء في العالم، بعد هايتي ونيجيريا واليمن.

ولفت التقرير الانتباه إلى حقيقة أنّ الفساد في لبنان ارتفع بنسبة 26 نقطة منذ عام 2012، وارتفع إلى 146 من أصل 180.[2] ما تشير إليه هذه الأرقام هو ما يعرفه كل اللبنانيين: الفساد والرشوة والمحسوبية والتي باتت ممارسات مقبولة، وكلّها في نهاية المطاف تسلب مستقبل بلادنا. بمعنى آخر، الفساد هو بمثابة نهب وتدمير لنا جميعًا. وقد باتت هذه الممارسات ما يُعرف باسم الرأسمالية المحسوبية، التي تخلق طبقة ثرية من النخبة وطبقة فقيرة تتسع رقعتها فيما تتلاشى الطبقة الوسطى. علاوة على ذلك، يستشهد تقرير مكينزي بالفساد في مركز عجز الميزانية الضخم في لبنان، ومن المحتمل أن يرتفع الدين في عام 2019.

بالنسبة للمسيحيين، الكتاب المقدس لديه الكثير ليقوله ضد الفساد والاستغلال الاقتصادي والظلم، مع الاعتراف بأنّنا جميعًا نعيش في مجتمع حيث نعتمد على بعضنا البعض. يعلّم الكتاب المقدّس أنّ البشر مخلوقون على صورة الله ومثاله (تكوين 1: 26-27)، وبالتالي فإنّهم يتمتعون بقيمة وكرامة. بالنسبة للمسيحيين، إنّ كرامة جميع الشعوب محط اهتمامنا جميعنا مخلوقون على صورة الله ويجب أن نحترم ونكرم الجميع.

وسواء كنّا من القادة العلمانيين أو الرعاة أو اللاهوتيين أو المدرسين أو رجال الأعمال أو الموظفين أو الطلاب، فنحن جميعًا بحاجة إلى سماع ما يقوله الكتاب المقدس وأن نأخذ على محمل الجد لامبالاتنا تجاه المشاكل التي ورثناها – نحن بحاجة إلى المطالبة أكثر من أنفسنا، قادتنا، كنائسنا، ومجتمعنا ككل. وبخلاف ذلك، فإننا نمرر المعضلة السائدة نفسها لشخص آخر ليتعامل معها.

يجسّد النبي عاموس في العهد القديم ما ترغب به حسب اعتقادي جميع الشعوب التي تعيش في الشرق الأوسط، “وَلْيَجْرِ الْحَقُّ كَالْمِيَاهِ، وَالْبِرُّ كَنَهْرٍ دَائِمٍ” (5 :24).

جاءت مسيرة عاموس النبوية خلال فترة السنوات الأخيرة من حكم يربعام الثاني (786-746 قبل الميلاد). لقد كان وقتًا لا يختلف عن أيّامنا، في عهد يربعام الثاني، حيث كانت المادية والأنانية سائدتين في أيّامهم. ويدين النبي النخبة التي تصنع ثرواتها على ظهور الفقراء. يقول عاموس:

اِسْمَعُوا هذَا أَيُّهَا الْمُتَهَمِّمُونَ الْمَسَاكِينَ لِكَىْ تُبِيدُوا بَائِسِي الأَرْضِ،

قَائِلِينَ: «مَتَى يَمْضِي رَأْسُ الشَّهْرِ لِنَبِيعَ قَمْحًا، وَالسَّبْتُ لِنَعْرِضَ حِنْطَةً؟ لِنُصَغِّرَ الإِيفَةَ، وَنُكَبِّرَ الشَّاقِلَ، وَنُعَوِّجَ مَوَازِينَ الْغِشِّ.

لِنَشْتَرِيَ الضُّعَفَاءَ بِفِضَّةٍ، وَالْبَائِسَ بِنَعْلَيْنِ، وَنَبِيعَ نُفَايَةَ الْقَمْحِ». (عاموس 8: 4-6)

الخطاب النبوي لعاموس يتهم البلاد بالاعتداء الاقتصادي الذي يضر المجتمع كلّه. وعلى غرار عاموس، يواجه أيضًا إشعياء (740-701 ق.م) النخب الحاكمة وينتهر ممارساتها الاقتصادية لكونها “كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُحِبُّ الرَّشْوَةَ وَيَتْبَعُ الْعَطَايَا. لاَ يَقْضُونَ لِلْيَتِيمِ، وَدَعْوَى الأَرْمَلَةِ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِمْ” (إشعياء 1 :23). علاوة على ذلك، في الأناجيل في العهد الجديد، نقرأ أنّ يسوع وُلِد في حظيرة في بيت لحم، وأقام في الجليل، ووقف مع الفقراء والمستبعدين. يُعلن يسوع نوعًا جديدًا من الملكوت، عندما يقتبس إشعياء يركّز على الصغار، والغرباء، والفقراء.

“رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ” (لوقا 4: 18)

علاوة على ذلك، اهتم العديد من آباء الكنيسة الأوائل أيضًا بالعدالة، متحديين مجتمعهم لتذكيرنا بكل مخاطر الوثنية والجاه. على سبيل المثال، كان باسيليوس الكبير (حوالي 330-379) أسقف قيصرية في آسيا الصغرى. كان معروفا باستخدام ميراثه لتوفير الغذاء للمواطنين الذين يعانون الجوع. يكتب قائلًا “بسبب الغنى، يتصرّف الأقارب كما لو أنّهم لا يعرفون عائلتهم الأصلية؛ ينظر الإخوة إلى بعضهم البعض بعيون القاتل؛ بسبب الغنى، تولّد الصحاري القتلة والبحار تأوي القراصنة والمدن تنتج أصحاب الفساد.”[3] تدل كتابات آباء الكنيسة الأوائل على أنّنا نعيش في عالم ساقط وفوضوي. على الرغم من ذلك، كان لديهم رؤية للكنيسة لكي تنخرط بتحقيق العدالة، وللمسيحيين كي يلزموا بالحق.

ويردد الأب دانييل جرودي، أستاذ اللاهوت في جامعة سيدة اللويزة، صدى المشاعر نفسها التي أطلقها آباء الكنيسة. يكتب جرودي: “بسبب الغنى – مثل أمور جيدة أخرى في حياتنا – يمتلك قوة مغناطيسية لاجتذاب دوافع ذاتية التركيز، يمكن أن يتحوّل إلى وثن ويمكن أن يعمل بعكس أغراض الخالق …”[4] علينا جميعًا أن نولي اهتمامًا خاصًا عند إصدار بيانات اقتصادية تتحدث عن الحقائق الكئيبة التي يواجهها العديد من الفقراء يوميًا.

يشير تقرير مكينزي بالفعل إلى أنّ مشاكل لبنان الاقتصادية تسببت في نكسات كبيرة وألحقت الضرر بالمجتمع كله. أمام لبنان طريق شديد الانحدار للخروج من المستنقع. غير أنّ الأمر لم يكن دائمًا على هذا النحو إذ قد اكتسبت بيروت سابقًا سمعة باريس الشرق الأوسط. كانت هناك ميزة لهذا اللقب لأنّ الناتج المحلي الإجمالي للفرد في عام 1975، في بداية الحرب الأهلية اللبنانية، وفّر مستوى معيشي على قدم المساواة مع بعض الدول الأوروبية مثل إسبانيا وايرلندا والبرتغال. نحن بحاجة إلى رؤية لنجعل بلدنا يلائم العيش للجميع.

ما الذي يمكن أن نستخلصه من تقرير مكينزي؟ أشيد بشجاعة السيد رائد خوري، وزير الاقتصاد، لنشر تقرير مكينزي. أنا متأكّد من أنه لم يكن قرارًا سهلاً، لكن هذا يشجعني لأنّه ثمة رجال ونساء في مواقع حاسمة يسعون إلى القيام بعمل صالح للمجتمع. لا شكّ في أنّ التقرير سيثير الكثير من المحادثات بين الجميع في لبنان حول وضعنا الحالي، ونأمل أن يطرح مسألة العدالة والشفافية والاقتصاد القابل للمساءلة والذي يخدم الجميع بين جميع المعتقدات الإيمانية في لبنان.

تستمر الفجوة بالاتساع بين الأغنياء والفقراء بوتيرة مثيرة للقلق. نحن بحاجة إلى اقتصاد يعمل للبلد بأكمله وليس للأغنى الذين يشكلون نسبة 1٪. الرأسمالية المحسوبية تؤذي الجميع. حتى أنّ لديها القدرة على تحطيم الاقتصاد وجرّ البلد إلى سلسلة بلد ديون لا منطقية. نحن بحاجة إلى الأفضل. ووفقًا للخبيرة الاقتصادية السياسية ميلاني كامي، إنّ البيانات تدل على أن الحكم الرشيد – مجموعة من “العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمؤسسية […] تؤثر على سلوك المنظمات والأفراد وتؤثر على أدائهم”.[5] وبعبارة أخرى، يمكننا جميعًا تغيير وضعنا الحالي إذا كنّا ملتزمين بالشفافية والمساءلة وسيادة القانون ومبدأ المشاركة للجميع.

باعتباري مسيحيًا – راعيًا ومدرّسًا وقائدًا لمنظمة غير حكومية، أعتقد أنّنا بحاجة لأن نسمح دائمًا للنصوص النبوية أن تحاكينا من جديد. نحتاج أن نتعرف على آباء الكنيسة الأوائل الذين تعاملوا جميعًا مع العدالة والرحمة ورعاية المستضعفين في مجتمعنا. قال يسوع، “بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضًا لِبَعْضٍ” (يو 13:35). يمكننا أن نظهر محبتنا لله من خلال العمل لصالح جميع الشعوب، والتأكد من أنّنا نقوم بدورنا من أجل عافية مجتمعنا، ورعاية الجميع باسم المسيح.


[1] “Lebanon Economic Vision,” https://www.economy.gov.lb/media/11893/20181022-1228full-report-en.pdf?fbclid=IwAR1D3dyuF33kZKS07CWomIljvLPFaOpA4Rb213Ve3PDbhcHF6ijsdcqRIQA (accessed January 4, 2019).

[2] “Lebanon Economic Vision,” (p. 11) statistics gathered from the 2017 Corruption Perception Index.

[3] Basil, Homily against the Rich, PG 31: 297.

[4] Daniel G. Groody, Globalization, Spirituality, and Justice, Navigating the Path of Peace (New York: Orbis, 2007), 75.

[5] Melani Cammett et al., A Political Economy of The Middle East, (New York: Routledge, 2015, 4th edition), 77.

اترك رد