التعليم والقيادة والإرسالية: نظرة نقدية في عصر حرج

تقرير مكينزي حول لبنان: الفساد يضرب أطنابه
يناير 24, 2019
المدوّنة الإقليميّة لمعهد دراسات الشرق الأوسط – فبراير/شباط 2019
فبراير 7, 2019

بقلم وليد زيلع

في الشرق الأوسط حيث أصبح الفساد جزءًا لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي، حيث أصبح القمع لغة الأقوياء، حيث استل الفقر سيفه على الأغلبية؛ في الشرق الأوسط حيث كل شيء مُباح للجميع، حيث القيادة هي علامة القوة والسلطة، وحيث الإرسالية تتمحور حول الأخذ أكثر من العطاء، تبقى الكنيسة هي الأمل الوحيد المتبقي لنا. لكي تكون الكنيسة فعّالة في مجتمعها، في ضوء الاضطراب المتصاعد، تحتاج إلى تبني عقلية مختلفة فيما يتعلّق بالتعليم وتشكيل القادة والإرسالية.

في بداية خدمته، كان بعض تلاميذ يسوع صيادين قرروا ترك مهنتهم ومعيشتهم لتباع سيّدهم في حقل الخدمة. إنّ الاعتقاد الشائع الذي لطالما اعتمده الناس للنظر إلى الصيادين الذين دعاهم يسوع يرتبط ارتباطًا وثيقًا بفكرة عدم التعلّم. وقد تجاهل هذا الاعتقاد أجزاء أخرى من مهنة الصيد، مثل ضرورة العمل الجاد، والعمل في فرق، والاعتماد على الله يوميًا، وأسهب في التركيز على الجانب التعليمي لأولئك الذين قرروا أن يمتهنوا صيد السمك. إنّ مساواة دعوة الصيادين بعدم التعلم جعلت الخدمة في متناول الجميع دون مراعاة خلفيتهم التعليمية. تحت ذريعة أنّ تلاميذ يسوع كانوا صيادين يتمتعون مستوى تعليمي متدني أو بلا تعليم على الإطلاق، فإن قسمًا كبيرًا من المجتمع الإنجيلي يقوده أفراد لم يتعرضوا أبداً لأي نوع من التعليم اللاهوتي على الإطلاق، الأمر الذي يجعلني أحيانًا أشك في دوافعهم. إنّ عقلية “الصيادين” الشائعة جعلتني أفكّر في حياتنا اليومية. بعبارة أخرى، عندما نحتاج نحن أو أفراد عائلتنا إلى أي شيء، نبحث عن خبراء في مجال الحاجة، سواء كان طبيبًا أو مهندسًا أو كهربائيًا أو سباكًا، وتطول القائمة؛ ولكن، من الغريب أنّه عندما يتعلّق الأمر بخدمة الله، يمكن لأي شخص أن يقود شعبه، ويكرز بكلمته، ويعلّم باسمه. تحتاج الكنيسة أن تكون على دراية بحيوية دورها في سياق الشرق الأوسط الكرب اليوم وأن تسعى جاهدة إلى تجاوز حدودها لتنمية بذور الأمل في مجتمعها المحلي. للأسف، لن يحدث هذا على نحوٍ صحيح من دون خبراء في مجالات اللاهوت، الإرسالية، الكنيسة، أو القيادة المسيحية. أنا مندهش من الكنيسة السودانية التي رفعت صوتها خلال العامين الماضيين، وطلبت من كلية اللاهوت المعمدانية العربية أن تمد يد المساعدة لها في تدريب لقادتها الناشئين لاهوتيًا ليتمكنوا من القيام بالخدمة المحلية. أصلي وأتمنى أن تحذو الكنائس الأخرى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حذوها. في نهاية المطاف، دعونا لا ننسى أنّ الصيادين الذين دعاهم يسوع تلقوا أفضل تعليم ممكن قبل الانطلاق إلى حقل الخدمة.

في العقد الماضي، ناقشت آلاف الكتب والمحاضرات والندوات سواء المباشرة أو عبر الإنترنت معنى مصطلحات القيادة والإرسالية. يكاد يكون من المستحيل العثور على معنى واحد يناسب الجميع. غير أنّ الجميع يتفق تقريبًا على أنّه ثمة عامل مشترك يجمع المصطلحين. موقعنا الجغرافي والحقبة التي نعيشها في يشكلان فهمنا للقيادة والإرسالية. لسنواتٍ ليست بقليلة، في سياق الشرق الأوسط، كانت القيادة المسيحية مرادفاً لـ “السلطة” والإرسالية “للتلقي”.

لطالما كانت مفاهيم القيادة في هذا الجزء من العالم ظاهرة هرمية من الأعلى إلى الأسفل. يتمتع القادة في أعلى الهرم بالسلطة المطلقة إلى حدّ أنّها تصبح في كثير من الأحيان جزءًا لا يتجزّأ من هويتهم. إنّهم مغروسون في مناصبهم لدرجة أنّهم في معظم الأوقات يتجاهلون القادة المحتملين والقادمين في وسطهم، بغض النظر عن مدى معاناة مؤسساتهم بسبب سنّهم أو أسلوبهم القيادي الذي يشرك فيه أحد. للأسف، تطول القائمة بالرعاة وقادة الكنيسة الذين بلغوا سن التقاعد دون وجود خلفاء مدربين؛ نتيجة لذلك، تدفع الكنيسة ثمنًا باهظًا. ولهذا السبب، على الأقل في لبنان، بدأنا في اختبار كنائس عديدة تخلو من الرعاة أو القادة.

وعلى غرار مفهوم القيادة، فإنّ مفهوم الإرسالية يساء تفسيره في هذا الجزء من العالم. في الشرق الأوسط، مشاعر الدونية وعدم الثقة بالنفس، وبسبب عدة عوامل، حاوطتنا عقلية “التلقي” في مفهومنا للإرسالية. مذ بزغ فجر الإرسالية الإنجيلية في المنطقة، كنّا بحاجة في عالمنا العربي إلى المرسلين الغربيين لإنشاء المدارس والمعاهد الدينية والمستشفيات والكنائس وإدارتها. لا شكّ أنّ المبادرات الغربية تقوم على دعوة فريدة لطاعة الرب في الوصول إلينا، ونحن شاكرون لهذا. علاوة على ذلك، فإنّ الكثير ممّا تمّ تأسيسه في الأجيال السابقة ما برح عمليًا وفعالًا. غير أنّه من الجانب السلبي، فقد ترك هذا ندبة في فهمنا للإرسالية. لفترة طويلة، ربطنا الإرسالية بالمرسلين الوافدين من الغرب وتلقي الموارد المالية، المساعدات الغذائية، الإمدادات الطبية، المواد التعليمية أو أي سلعة قد تكون متاحة لنا. لقد ساوينا الإرسالية بالتلقي وأخفقنا في معرفة مبدأ العطاء أو الإرسال كما يتم منحنا.

على الرغم من أنّ الكتاب المقدس يقدّم مفهوم الإرسالية في فعل الإرسال، ونموذج القيادة في أعظم فعل بذل للذات، نحن نسير دائمًا في الاتجاه المعاكس. إنّ الخوف من أزمة الهوية عند تمهيد الطريق أمام آخرين لتولي القيادة والخوف من فقدان مواردنا عندما نبدأ في توسيع تخومنا في العطاء هو جزء لا يتجزأ من نسيج مجتمعاتنا المسيحية. ومع ذلك، فإنّ هذه النظرة القاتمة في الشرق الأوسط شهد بصيص نور في نهاية النفق. ففي خضم المعاناة تشرق منارة الأمل مرة أخرى. فلأنّ المرسلين تعرضوا للاضطهاد والطرد ولم يعد مسموح لهم دخول بلداننا، كان علينا أن نتعلّم أن نكون مرسلين بين شعبنا. وعندما يتضرر الاقتصاد الغربي ولا يعود قادرًا على دعمنا، علينا أن نتعلّم دعم الآخرين وأنفسنا. ففي خضم الفوضى ننهض من مقاعدنا، نشمر عن سواعدنا ونتحمّل مسؤولياتنا. يظهر شرق أوسط جديد ومعه، يحتاج فهمنا للإرسالية والقيادة إلى إعادة تشكيل بصورة دراماتيكية.

إنّ عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في معظم بلدان الشرق الأوسط، وشبح الحرب في سوريا، وصعود الحركات المسلحة قد شكّل المنطقة بأكملها. إنّ الشرق الأوسط الجديد الذي أشير إليه لم يولد نتيجة ما بعد الحداثة والتقدم العلمي الذي للصالح العام للبشرية، بل وُلِد من رماد أبنائه وبناته. الشرق الأوسط الجديد يتمحص في أتون القهر والألم والمعاناة. ونتيجة لذلك، فإنّ التغيرات الديموغرافية الأخيرة التي تشهدها المنطقة بأكملها بسبب التشريد الداخلي والهجرة خلقت حاجة ملحة إلى عقلية جديدة. تواجه الكنيسة اضطهادًا منظّمًا في معظم بلدان شمال أفريقيا وكذلك في مصر والسودان، وتقف ثابتةً في مناطق الحرب في سوريا والعراق وتحمل أعباء الاحتياجات الهائلة للاجئين في لبنان والأردن. وفي أوقات الأزمات، لم تعد القيادة من البرج العاجي تعريفاً صحيحاً لـ “القيادة” في قاموس الشرق الأوسط المعاصر. وكذلك لا ينبغي النظر إلى مفهوم “الإرسالية” على لأنّها يد أجنبية ممدودة إلينا، بل بالحري تمتد أيدينا الخاصة لمساعدة شعبنا. ففي نهاية المطاف، أليست وصية كتابية لكلّ واحد منّا أن يكون مرسلًا وقائدًا خادمًا؟ أتساءل عمّا إذا كنّا بحاجة إلى أوقات كهذه لنتذكّر هذه الحقيقة الكتابية.

ينظر العديد من المتفرجين، محليًا ودوليًا، إلى الأزمة الحالية بسخرية، مستنتجين أنّ المسيحية في الشرق الأوسط هي على وشك الإبادة. على الرغم من تصوراتهم التحليلية والنقدية، فإنهم يحققون في الظروف الحالية دون النظر إلى الجانب المسيحي من تاريخ الشرق الأوسط خلال السنوات 2000 الماضية. علاوة على ذلك، إنّهم بالكاد يخدشون سطح القضية ي تحليلاتهم دون النظر بعمق في تزايد عدد أولئك الذين يتعرفون ويؤمنون بيسوع المسيح من الدين الآخر. على الرغم من مرارة الحرب في الشرق الأوسط، تخدم الكنيسة في لبنان وأماكن أخرى آلاف النازحين. على الرغم من الاضطهاد المنهجي في شمال أفريقيا، فإنّ الكنيسة تشهد لآلاف الناس الذين يقبلون الإيمان. يعمل الله من خلال كنيسته في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وعلى غرار أستير في العهد القديم، حافظ الله على الكنيسة لمثل هذه الأوقات (أستير 4: 14). الكنيسة هي منارة الأمل التي ستنفجر في نهاية المطاف وتشرق في كل مكان. ومن خلال أولئك الذين يؤمنون بإرسالية الله عبر الكنيسة، سيحدث تشكيل القيادة. العمل يدًا بيد مع الكنيسة هو الأمل المتبقي لغدٍ أفضل.

اترك رد