التفسير العربي المعاصر للكتاب المقدّس: نموذج لوحدة تحتفي بالتنوع

لبنان يبلغ الـ100: لنقدّم له الوحدة هديةً
فبراير 14, 2019
حان الوقت أن نتكلّم عن اضطهاد المسلمين
فبراير 28, 2019

بقلم ربيع الحصباني

في 7شباط/ فبراير، احتفل العديد من المسيحيين اللبنانيين بإطلاق التفسير العربي المعاصر للكتاب المقدس. صدر التفسير في 15 تشرين الأوّل/أكتوبر في القاهرة، في مصر عن دار الثقافة بالشراكة مع دار لانغهام (Langham Literature).

هذا التفسير هو الأوّل من نوعه في العالم العربي، هو وليد جهد جماعي لثمانية وأربعين رجل وامرأة من علماء في الكتاب المقدّس ولاهوتيين وباحثين من ستة بلدان عربية: مصر والأردن وفلسطين والكويت ولبنان والعراق. الدكتور رياض قسيس، مدير برنامج المنح الدراسية في لانغهام، يصف هذا التفسير على أنّه “علامة فارقة في تاريخ الكنيسة في المنطقة” وهدفه ليس فقط إعداد الرعاة والوعّاظ والباحثين والقادة ولكن أيضًا كلّ قارئ عربي ليقرأ الكتاب المقدس من منظور شرق أوسطي. علاوة على ذلك، يسمح هذا التفسير للقارئ بأن يعالج، من منظور كتابي، القضايا المعاصرة التي تواجه المنطقة.

يشير القس الدكتور أندريه زكي ستيفانوس، رئيس الطائفة الإنجيلية في مصر، إلى هذا المشروع على أنّه خطوة بارزة نحو الوحدة المسيحية في المنطقة حيث يجمع علماء الكتاب المقدس العرب الأرثوذكس والكاثوليك والإنجيليين.

أمّا بيتر كونت، مدير Langham Literature، يقول أنّ أحد المبادئ الأساسية لنشر هذا التفسير هو أهمية مراعاة السياق المحلي. كُتِبَ التفسير العربي المعاصر بصورة متناغمة مع القضايا اليومية التي يواجهها الناس في هذه المنطقة وبإخلاص للمعنى الأصلي للنص الكتابي. يتناول باقتضاب قضايا رئيسة في المنطقة، مثل صنع السلام وعصمة الكتاب المقدس ودور المرأة.

هذا العمل مهم لأنّه يأتي في حقبة ما بعد الثورات في تاريخ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لقد جلب ما يسمى “الربيع العربي” تحديات أكثر من الإصلاحات إلى مجتمعات المنطقة. وتتمثل إحدى نتائجه في الاضطهاد الذي تواجهه المجتمعات المسيحية ما يهدد وجودها في المنطقة. لقد سمعنا الكثير من القصص التي تفطر القلوب من المسيحيين العراقيين والسوريين والمصريين الذين يتألمون أو يموتون أو يهاجرون. هذا وقد تمّ التطرق إلى هذه القضايا في كتاب معهد دراسات الشرق الأوسط “الكنيسة في عصرنا المربك: صوت نبويّ وسط الشدائد“، الذي يسعى إلى إلهام المسيحيين في جميع أنحاء العالم للوقوف إلى جانب أولئك الذين يعانون اضطرابات وصدمات ومآسٍ ويأس كما يحفّز الجميع، سواء في الشرق الأوسط أو في أماكن أخرى، ليسألوا عما يجب أن يفعلوه لتعزيز تحوّل مجتمعاتهم إلى مجد الله. وفي خضم هذا النضال من أجل البقاء، يجب أن يتعلّم المسيحيون كيف يجتمعون في وحدة معًا. ولا يمثل التفسير العربي المعاصر شكلاً من أشكال الوحدة الأكاديمية فحسب، بل يمثّل وحدة الفكر والوجدان والاهتمامات، حيث التقى هؤلاء العلماء الثمانية والأربعون معًا لمعالجة القضايا الحاسمة التي تواجه مجتمعات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. إنّه بيان تصريحي بوجه الانقسامات الدينية التي تمزّق المنطقة وتبدد مجتمعاتنا المتنوعة كقطع الأحجية المشتتة.

يقول لنا بولس الرسول “مُجتَهدينَ أَن تَحفَظوا وحدانيَّة الرُّوح بِرِباط السَّلام.” (أفسس 4: 3). من الواضح أنّ تعبير “وحدانيّة الرّوح” هو إشارة إلى “الوحدة” التي يسعى إليها ويؤسّسها الروح القدس. هذا التعبير يعطينا المفهوم بأنّ الروح القدس هو مانح الوحدة. الوحدة التي يتحدث عنها بولس ليست فقط داخل جسد الكنيسة المحلية، بل أيضًا ضمن الكنيسة الجامعة الكونية، أي جسد المسيح على الأرض. الروح القدس هو في جميع المسيحيين والكنائس التي تتبع المسيح بالحق. فالروح ليس حكرًا على أي كنيسة، بل هو عطية مقدّسة من الله إلى الكنيسة. وهذا يقودنا إلى التفكير في الوحدة ما وراء جدران كنيستنا المحلية؛ ويدعونا لأن نفتح ذراعينا واسعًا لاحتضان إخواننا وأخواتنا الذين ينتمون إلى كنائس أخرى، الذين يمكننا أن نتشارك معهم من أجل الخير العام لمجتمعاتنا وذلك لغرض تقدم إنجيل المسيح وملكوته.

“السلام” هو من العوامل التي تعزّز الوحدة. يستخدم بولس تعبير “رباط السّلام” مجازيًا كعنصر “يجمع كيانات مختلفة في علاقة موحدة” (دانكر وآخرون، 2000، 966؛ قارن مع كولوسي 2: 19؛ 3: 14). للسلام استخدامات متنوعة، مثل المصالحة مع الله (رومية 5: 1)، والسكينة مع أشخاص آخرين (عبرانيين 12: 14)، والصفاء الذهني الداخلي (فيلبي 4: 7). هذا يقودنا إلى فهم عميق لنوع العلاقات التي يجب أن نسعى إليها مع بعضنا البعض كمسيحيين. كوننا متصالحين مع الله بيسوع المسيح، نحن مدعوون أيضًا للتعبير عن هذه المصالحة مع بعضنا البعض كأعضاء في الجسد نفسه. وإنّه لأمر بالغ الأهمية أن نفكّر في جسد المسيح على الأرض، وليس في أجساد المسيح المختلفة، فهذا يساعدنا على السعي إلى الوحدة مع إخواننا المسيحيين في الكنائس المحلية المختلفة.

عندما نعترف بوحدة الروح في رباط السلام التي يتحدّث عنها بولس، فإنّنا نمتنع عن تعريف أنفسنا بأنّنا “أتباع بولس”، وآخرون، “أتباع لأبلوس”. وبدلاً من ذلك نبدأ في تسمية أنفسنا “عاملين مع الله”. نحن جميعًا فعلة في حقل السيّد نفسه. من الجدير استثمار جميع جهودنا والتعاون معًا لنأتي بثمر أكثر لربّ الحصاد.

إنّه وقت حاسم لكنيسة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لأن تتآزر في وحدة من أجل استدامة وجودها، في سعيها إلى تمجيد الله وإيصال أخباره السارة إلى المجتمعات المتألمة. إنّ الكنيسة العالمية مدعوة أيضًا للانضمام إلى جهود الكنيسة الإقليمية، فهما تشكلان معًا جسد المسيح الذي المدعو إلى خدمة المصالحة التي نحن جميعًا في أمس الحاجة إليها.

من الأهمية الكبرى أيضًا للتفسير العربي المعاصر للكتاب المقدس هو أنّه مكتوب باللغة العربية، لغة الناس في هذه المنطقة. كثير من التفاسير الكتابية التي يمكننا الوصول إليها، والعديد من الكتب التي يمكن العثور عليها على رفوف المكتبات المسيحية في الشرق الأوسط، إمّا مكتوبة باللغة الإنجليزية أو مترجمة من الإنجليزية إلى العربية. كما يقول الدكتور قسيس، ثمة عدد قليل فقط مكتوب باللغة العربية بقلم العرب.

وكما نتعلّم من مثال يسوع في الكتاب المقدس، فإنّ أكثر الكلمات فعالية التي يمكن أن نقولها هي تلك الكلمات المنطوقة في لغة السكان الأصليين الذين نخدمهم والتي تُصاغ وفق نمط تفكيرهم. اقتبس يسوع مقاطع من العهد القديم كانت مألوفة لدى جمهوره اليهودي، وعلّم الجموع باستخدام أمثال مرتبطة بحياتهم اليومية. نرى أيضًا نموذج مراعاة السياق هذا في خدمة بولس. عندما تحدّث بولس إلى جمهور يهودي، استخدم الكتب المقدسة من العهد القديم. لكن في أثينا، اقتبس من الشعراء اليونانيين ليتواصل مع ثقافة جمهوره الأم ويحاكيهم.

وهذا يشجع العلماء والباحثين واللاهوتيين العرب على الانغماس في كتابة الكتب وإنتاجها لا سيّما تلك التي تثري الكنيسة الناطقة بالعربية. تقع على عاتق الأكاديميين العرب مسؤولية تطوير الموارد التي تبث أفكارًا جديدة حول القضايا الرئيسة التي تواجه الكنيسة في المنطقة. وهي أيضًا مسؤولية كلّ أتباع المسيح في العالم العربي أن يبحثوا عن التدريب اللاهوتي المناسب من خلال العديد من البرامج التي يتم تقديمها. وإنّ برامجنا المتاحة عبر الإنترنت جعلت من السهل على جميع أتباع المسيح من جميع الخلفيات وجميع البلدان في المنطقة الحصول على التعليم اللاهوتي. كما أنّها دعوة لمجتمعات الشرق الأوسط المسيحية وغير المسيحية لتبني القراءة كعادة جيدة تثري رؤيتنا حول أفضل طرق الاستجابة التقية للتحديات التي نواجهها في منطقتنا.

اترك رد