حان الوقت أن نتكلّم عن اضطهاد المسلمين

التفسير العربي المعاصر للكتاب المقدّس: نموذج لوحدة تحتفي بالتنوع
فبراير 21, 2019
المدوّنة الإقليميّة لمعهد دراسات الشرق الأوسط – مارس/آذار 2019
مارس 7, 2019

بقلم برنت حمود

قد يكون التزايد العالمي لمراعاة حقوق الإنسان والحريات الفردية موجةً تاريخيةً، لكن الاضطهاد الديني لا يزال تحديًا هائلًا في عصرنا. يعاني الملايين تهديدات لحياتهم ورفاههم فقط لأنّهم يرغبون في تبني هوية دينية معينة وممارسة قناعاتهم الدينية. هذه القضية تُحاكي واقع العديد من المسيحيين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تاريخ الفتن المؤلم يطارد المسيحيين من كلّ حدب وصوب، كما أنّ العديد من أتباع المسيح اليوم يتحملون أعباء انتهاك حقوقهم وأمنهم الشخصي. الاضطهاد الديني ليس متجانسًا؛ يمكن أن يتم تنفيذه بعنف أو يمكن أن يكون مستترًا، ولكن النتيجة دائمًا تحط من قيمة أخلاقيات الحالة البشرية. لم تمر محنة المؤمنين مرور الكرام على مجتمع الكنيسة العالمية، والتزمت مجموعة من المنظمات الدفاع عن حقوق المسيحيين ودعم ضحايا سوء المعاملة. ومع ذلك، فغالبًا ما يغيب عن الخطاب المسيحي حول الاضطهاد الديني اعترافًا بالظلم الذي يقوض ملايين الأرواح اليوم: اضطهاد المسلمين.

من وجهة نظر معينة قد يكون من الصعب على المسيحيين التصور أنّ الإسلام قد يكون ضحية الاضطهاد الديني. وثمة اعتقاد واسع النطاق أنّ الإسلام هو قوة تميل إلى توجيه الاضطهاد الديني وليس تحمّله، ولكن الحقيقة هي أنّ الكثيرين في عالمنا يعانون ظلمًا مروعًا لأنّهم مسلمون. بؤسهم غير مرئي للعديد من المسيحيين، حتى أولئك الذين يهتمون بعمق بمسألة الاضطهاد الديني. فيما يلي ثلاث حالات مقنعة من الاضطهاد الذي يتعرّض له المسلمون على نحوٍ مستمر:

  • تم سنّ تشريع في ولاية أسام بشرق الهند من قبل الحكومة الهندوسية المهيمنة والذي يهدّد بقسوة بطرد المسلمين من المجتمع الوطني. في جهد مبذول للقضاء على الهجرة غير الشرعية (في المقام الأول من بنغلاديش المجاورة)، تم إصدار سجل قومي للمواطنين يضم أسماء جميع الأفراد الذين يُعتبرون قانونيًا مواطنين هنود. أي شخص غير مشمول في السجل هو في خطر بأن يصبح بلا جنسية ويُهدد بالطرد من الهند، وهذا القانون يبث قلقًا شديدًا في أوساط مراقبي حقوق الإنسان. إن حجم المحرومون من الحقوق المدنية هائل (أربعة ملايين اسم، من مجموع عدد السكان البالغ 32 مليون نسمة، هم خارج السجل) كما أنّ التدبير يترك الكثيرين يعتقدون أن المسلمين مستهدفون للاستبعاد. وما أثار هذه المخاوف سياسات حزب بهاراتيا جاناتا، الحزب القومي الهندوسي اليميني الحاكم، وهذه السياسات فيها الكثير من التمييز ضد المسلمين الهنود.[1] يتعرض ملايين المسلمين في أسام لخطر الاستبعاد من منازلهم ومجتمعاتهم التي يألفونها منذ فترة طويلة، وبدون أي مكان آخر يذهبون إليه، قد يصبحون فعليًا خارج نظامنا العالمي تمامًا.
  • وفي منطقة شينجيانج الواقعة في أقصى غرب الصين، يواجه الأويغور، وهم في الغالب مجموعة من المسلمين يبلغ عددهم أكثر من 11 مليون نسمة، حملة قمع على يد الحكومة الشيوعية في بكين. ثمة العديد من القصص حول أسر الممزقة بشدة، حيث يتم احتجاز عشرات الآلاف في معسكرات الاعتقال بسبب ما تسميه الحكومة برامج “إعادة تثقيف سياسي”. وهذا جزء من انتهاك واسع النطاق للحريات الدينية في شينجيانغ يتضمن تدمير المباني الدينية، وحظر اللحى الطويلة، وإجبار المسلمين على استهلاك لحم الخنزير والكحول. إن مستوى الاستثمار في هذه الحملة كبير بصورة ملحوظة مع توسع البنية التحتية من أجل تكثيف حملة قمع المسلمين. في حين تختلف معاملة المسلمين في أنحاء أخرى من الصين على نحوٍ ملحوظ، فإنّ الوضع الحالي في شينجيانغ لا يقل عن كونه اضطهادًا دينيًا متطرفًا.
  • إنّ جماعة الروهينجا في ميانمار هي ضحية في الوقت الراهن لأعظم كارثة لحقوق الإنسان في عصرنا. وكأقليات مسلمة مكتومة القيد في دولة بوذية، تم رفض الروهينجا رفضًا تامًا هذا وقد تمّ حرمانهم من المواطنة على الرغم من وجودهم التاريخي لفترة طويلة في الأرض. وقد تجلى الاستبعاد في “نموذج للتطهير العرقي” حيث ينخرط الجيش الميانماري في حملة لإرهاب الروهينجا في ولايتهم في راخين ودفع جموع منهم إلى ما وراء الحدود إلى بنغلاديش. إنّهم مشردون تمامًا – فهم حرفيًا لا ينتمون رسميًا إلى عالمنا – ومعاناتهم واسعة النطاق وهم يتحملون موجة تلو الأخرى من انتهاكات حقوق الإنسان. إنّ الروهينجا مسلمون يتحملون إبادة جماعية موثّقة، ولكن لا يتم عمل الكثير لمعالجة التحيزات التي تقوض وجودهم.

ولكي نكون واضحين، فإنّ أيًا من هذه المواقف يمكن إيعازه بالكامل إلى الجوهر الديني. كل قضية معقدة تنطوي على عناصر من القومية والسياسة والمخاوف بشأن الأمن القومي – ولكنني أتساءل عمّا إذا كانت أي قضية اضطهاد ديني تتمحور بالكامل حول الدين. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أنّ ما ورد أعلاه هو أمثلة على مآسٍ هائلة لحقوق الإنسان حيث يقع الدين في صميم المسألة. يعاني الملايين من المسلمين الأبرياء[2] لمجرد وجودهم في سياقات يغيب فيها الإسلام عن كونه أغلبيه ويتم استهدافهم على نطاق واسع. هذه المشاكل تستدعي انتباه المجتمع العالمي بأسره، لكنني أعتقد أنّ المجتمع المسيحي يجب أن يراعي بخاصة محنة المسلم المضطهد. في هذا الخطاب، أقترح أخذ النقاط التالية بعين الاعتبار:

  • المظالم الجسمية تتطلب الاستجابة بتعاطف كبير. يُبنى الإيمان الكتابي على ركائز المحبة والعدالة، والكتاب المقدس يصر على أنّ الظلم بكافة أشكاله لا يُطاق بغض النظر عمن ضحيته. تمتلك المسيحية إرثًا غنيًا يكرّس أسبابًا عديدة لرفع كرامة الإنسان والدفاع عن الحقوق؛ يجب على الكنيسة أن تستمد من هذا التقليد في جهودها لخدمة المضطهدين اليوم. ما هي شهادة التي نقدّمها للإسلام (والعالم) إذا كانت الأصوات العالية التي تدعو إلى المعاملة العادلة والإنسانية للأفراد والجماعات الإسلامية هي أصوات مسيحية![3]
  • يجب على المسيحيين أن يدركوا أنّ اضطهاد المسلمين واضطهاد المسيحيين هما جزءان من صراع واحد. هنا أستحضر كلمات كتبها اللاهوتي الأمريكي والمصلح الاجتماعي مارتن لوثر كينغ وهو يجلس في زنزانة السجن، “الظلم في أي مكان هو تهديد للعدالة في كلّ مكان“. إنّ المسيحيين المضطهدين والمسلمين المضطهدين يعانون معًا على أيدي القوى القمعية، بؤسهم ليس في العدم وبمنأى عن الآخر.[4] ترتبط جميع المظالم ضمن السياق الإنساني المشترك. يجب أن يهتم المسيحيون باضطهاد المسلمين لأنّهم يجب أن يهتموا باضطهاد المسيحيين. العالم الذي نرغب في رؤيته هو واحد حيث يعيش جميع الناس أحرارًا في اعتناق إيمانهم من دون خوف من الاضطهاد. يجب أن يحرص المسيحيون على ألا يكونوا حصريين لأنفسهم. الكفاح من أجل حقوق شخص آخر هو كفاح حقيقي من أجل حقوق المرء المُكافِح نفسه.
  • إنّ واقع المسلم المضطهد يخبرنا قصصًا دقيقة عن الإسلام. القصص ضرورية لبناء مفاهيمنا وتشكيل مواقفنا. هذا مهم بخاصة عند تطوير موقف مسيحي نحو الإسلام (موضوع سيعالجه معهد دراسات الشرق الأوسط في حزيران / يونيو في مؤتمر الشرق الأوسط). إنّ الطرق التي نفهم بها الإسلام ستؤثّر في الطرق التي نتعامل بها (أو ننسحب منها) من مليارات المسلمين الذين نتشارك معهم عالمنا، ومن الضروري أن تكون نماذجنا أمينة وصادقة ومصممة على نحو جيّد. لا يمكننا بالتأكيد رفض دور الفتوحات والقمع في قصة الإسلام. ثمة حقائق مؤلمة لا يجوز تجاهلها أو تقويضها أبدًا، ولكن تحديد هذه الحقائق بالقصة الكاملة للإسلام المعاصر هو ببساطة أمر غير عادل. يجب أن تعترف قصصنا عن الإسلام بأنّه دين مضطهِد ومضطهَد، تمامًا كما يمكن القول عن المسيحية أو أي دين آخر. إنّ التظاهر بأن الملايين من المسلمين لا يعانون من اضطهاد شديد هو عدم اطلاع بالإسلام وبعيد عن عالمنا. إنّ حقيقة أنّ الإسلام يتعرض للهجوم في سياقات مختلفة يجب أن تسهم في فهمنا لتجربة الإسلام الحياتية اليوم.

أحد الأخطاء الرئيسة عند مناقشة أي قضية هو التركيز على طبيعة المشكلة أكثر من طبيعة الأشخاص المتضررين. إن الاضطهاد الديني هو في المقام الأول مسألة حياة إنسانية فردية ويجب ألا ندع رؤيتنا للأديان تفسد نظرتنا إلى الناس. يجب أن يمتد اهتمام المسيحيين ليطال الجميع. بما أنّ الملايين من المسلمين يعانون بؤس الاضطهاد، دعونا نهتم على نحوٍ ناشط لنُكرم جميع الأفراد باعتبارهم مخلوقين على صورة لله يستحقون كرامة الإنسان بمائها. هذه هي طريق المسيح.

 


[1]إنّ التهديدات ضد المسلمين في الهند تتخطّى حدود سياسات الحكومة حيث ثمة توجه مربك لعنف الغوغاء، بما في ذلك الإعدام خارج نطاق القانون من قبل “لجان الأمن الأهلية“.

[2] إنّ دور انعدام الجنسية كسلاح للاضطهاد والتجرد من الإنسانية هو موجة مربكة للغاية.

[3] في الواقع لم تكن المسيحية صامتة عن اضطهاد المسلمين لأن منظمات مثل الاتحاد الإنجيلي العالمي، عبّر عن استنكاره هذه المظالم الفاضحة.

[4] العديد من السياقات التي يتعرض فيها المسلمون للاضطهاد، مثل الصين والهند، هي أماكن يتم فيها تقويض حقوق المسيحيين بالمثل.

اترك رد