الكنيسة المُرسَلة: اللّغة واستخدامها الخاطئ

نحتاج لأن نعدّل الخطاب حول الإسلام في الكنيسة
مارس 21, 2019
المدوّنة الإقليميّة لمعهد دراسات الشرق الأوسط – أبريل/نيسان 2019
أبريل 4, 2019

بقلم إيلي حدّاد

لدي شغف أن أرى كنائسنا تتحوّل إلى مجتمعات مُرسَلة. وسأستخدم في هذا المقال تعريف آلان هيرش للكنيسة المُرسَلة:

الكنيسة المُرسَلة هي جماعة من شعب الله التي تحدّد هويّها، وتنظّم حياتها وفق هدفها الحقيقي وهو أن تكون وكيلة لإرسالية الله إلى العالم.

توجد كنيسة المُرسَلة من أجل العالم وليس من أجل نفسها. أصبح مصطلح “مُرسَل” كلمة طنانة ترمز لأشياء كثيرة ولكن لا شيء محدّد. كثيرًا ما يُستخدم بالتبادل مع مصطلح “إرسالي”. لا أعتقد أنّ المصطلحَين مترادفين. يتعلق مصطلح “إرسالي” بدراسة الإرسالية، بينما “مُرسَل” يرتبط بالكنيسة التي تتخذ موقف الإرسالية. يٌستخدم مصطلح “مُرسَل” أيضًا لوصف أسماء أخرى أيضًا: قيادة مُرسَلة، خدمة مُرسَلة، جماعة مُرسَلة، إطار عمل مُرسَل، انخراط مُرسَل، إلخ. كلّ هذه المصطلحات مرتبطة بمفهوم الكنيسة المُرسَلة.

لذلك، هل يهم ما هو المصطلح الذي نستخدمه لوصف الكنيسة؟ نعم، أعتقد أنّ اللّغة مهمّة جدًا. المعنى يُشتّق من طريقة استخدامنا للغة. كتب عالم الإرساليات، أندرو كيرك، مؤخرًا كتابًا بعنوان “إساءة استخدام اللغة ولغة الإساءة”. يحلّل كيرك في هذا الكتاب التغيّر الذي يطرأ على معنى بعض الكلمات مع مرور الوقت. يكمن جلّ اهتمامه في مجموعة من الكلمات المُستخدَمة في النقاش العام وكيف يختلف المعنى المعاصر لهذه الكلمات عن المعنى الأصلي، أو يتناقض معه في بعض الأحيان. أصب اهتمامي في هذا المقال على الكلمات والمصطلحات التي تؤثّر على فهمنا للكنيسة والتي تُستَخدم بطريقة تحرّف المعنى الحقيقي. أنا لا أتعامل هنا مع الإساءة المتعمدة في استخدام للغة بقدر ما أتعامل مع الاستخدام الخاطئ الذي يتسلل إلى اللغة مع مرور الوقت.

يقتبس كيرك من والاس ماتسون قائلًا: “القصور اللغوي يجعل محاولة إعادة تأهيل الكلمات المشوهة أمر غير مجدٍّ مثل إعادة معجون الأسنان إلى الأنبوب”. قد يكون هذا صحيحًا في بعض الحالات. لكن هل يمكننا أن نتخلى عن استخدام بعض المصطلحات المعيّنة، لا سيّما عندما تكون مصطلحات كتابية؟ على سبيل المثال، أصبح مصطلح “إنجيلي” ملوثًا سياسيًا في العديد من السياقات. وقد دفع هذا العديد من الإنجيليين إلى تجنب استخدام هذا المصطلح لوصف هويتهم. هل يجب أن نتخلى عن استخدامه ونتبنى أو نستخدم مصطلحًا آخر؟ أنا شخصيًا لست مستعدًا لفقدان مصطلح مستمد من كلمة إنجيل evangelion ، الذي هو في صميم نظام إيماننا. هذا المصطلح، في رأيي، لا يمكن الاستغناء عنه. وبالتالي، علينا أن نبذل كلّ جهد ممكن لاسترداد استخدامه ومعناه. وعلى نفس المنوال علينا استرداد جميع المصطلحات التي استُخدمت على نحوٍ خاطئ التي تتعلّق بالكنيسة وإعادتها إلى معناها الأصلي كما نفهمها في الكتاب المقدس.

لنبدأ بكلمة “كنيسة”. لقد اعتدنا على قول عبارات مثل “أنا ذاهب إلى الكنيسة”. إذا سألنا أعضاء كنيستنا وطلبنا منهم تعريف الكنيسة، فهم جميعًا يعرفون أنّ الكنيسة ليست مبنى. ومع ذلك، فإنّ الأشخاص الذين يسمعوننا نقول تلك العبارة سيفهمون المصطلح بطريقة مختلفة، متأثرين بخلفيتهم الدينية. سيعتقدون أنّنا نشير إلى الكنيسة على أنّها مبنى أو مكان أو مكان للعبادة. الكنيسة هي جماعة شعب الله المُرسَل من الله في العالم. من خلال الاستخدام الخاطئ للمصطلح بصورة متكررة، نشوّه فهم الناس للكنيسة من دون قصد، ونغيّر فهمنا الخاص لها في نهاية المطاف. نقول أيضًا أشياء مثل “لدي كنيسة يوم الأحد”، ونعطي الانطباع بأنّ الكنيسة هي حدث يحدث في وقت معين في مكان معين. أو نميل إلى تسمية اجتماعنا الأحد “خدمة العبادة”. إن الاستخدام المتكرر لمثل هذه العبارات يغرس في الأشخاص فهمًا منحرفًا لماهية العبادة ويجعل العبادة تقتصر على حدث صباح يوم الأحد.

يمكن قول الأمر نفسه عن المصطلحات التي نستخدمها لقادة الكنيسة. عندما نسمّي القائد الرئيس لكنيستنا المحلية بالراعي، فإننا نفترض أنّ أهم دور للقائد هو رعاية القطيع. في الفهم الإرسالي للكنيسة، من ناحية أخرى، ربما ينبغي أن يكون الدور الرئيس هو دور الرسول (أشرت إلى ذلك في مدونتي السابقة). في بعض دوائرنا ندعو القائد خادمًا. هذا يعطي الانطباع بوجود خادم واحد في الكنيسة. ماذا عن بقية الجماعة؟ هل هم مجرد متلقين للخدمة ولا يخدمون بأنفسهم؟

نستخدم أيضًا عبارات مثل “مدعو للخدمة” أو “بدأ الخدمة بدوام كامل” للإشارة إلى قادة كنيستنا. غالبًا ما نسمع شهادات يحدد فيها القادة وقتًا في حياتهم آمنوا فيه بالمسيح، ويحددون تاريخًا أو حدثًا آخر عندما شعروا أنّهم مدعوون للخدمة. هذا يختلف مع مفهومي للدعوة. يعرّف أوس غينس الدعوة كما يلي:

الدعوة هي الحقيقة المطلقة بأنّ الله يدعونا لنفسه بجملتنا لدرجة أنّ كلّ ما نحن عليه، كلّ ما نقوم به، وكلّ ما لدينا نستثمره بتكريس، وديناميكية، وتوجيه استجابةً لدعوته وخدمته.

عندما يدعونا الله إلى نفسه، فهو يدعونا بجملتنا كأشخاص، بكل كينونتنا، وعقولنا، وممتلكاتنا، ومواهبنا، ووقتنا، ورغباتنا، ومستقبلنا، وما إلى ذلك. كلّ واحد منّا دعاه الله إلى علاقة معه دعاه أيضًا للخدمة، الخدمة بدوام كامل. البعض مدعو لخدمة مركزها الكنيسة. وآخرون مدعوون لخدمة مقرها السوق التجاري أو خدمة مقرها مكان العمل. نحن جميعًا في خدمة بدوام كامل للملك.

التفكير في أنّ البعض مدعو للخدمة والبعض الآخر ليس كذلك يزداد حدّة وفقًا لكيفية فهمنا وممارستنا للرسامة. نحن نستخدم الرسامة لنقل الناس من علمانيين إلى رجال دين، أو إلى خدمة بدوام كامل. أعتقد أنّ المفهوم الكتابي المتمثل بوضع الأيدي هو لفرز الناس لخدمة معيّنة. بالتأكيد يجب أن يكون قادة الكنيسة مفرزين للخدمة. ولكن لماذا لا نفرز المعلّم الذي يخدم الله في المدرسة، أو المهندس الذي يعمل في شركة بناء، أو النجّار في النجارة؟ لقد ساهم استخدامنا للغة الرسامة في توسيع الفجوة بين رجال الدين والعلمانيين بينما ندّعي الإيمان بكهنوت جميع المؤمنين. نحن نعلّم القيادة الخادمة ولكن ندعو رعاتنا “القس الموقّر”. غالبًا ما يؤدي الاستخدام الخاطئ للكلمات إلى نشاز إدراكي.

ثمة كلمة أخرى وهي “مُرسل”. يُستخدم هذا المصطلح للإشارة إلى أولئك المدعوين إلى مغادرة بلادهم والسفر إلى الخارج لخدمة الله، وعادةً ما تكون الدعوة إلى المناطق المحرومة التي لم يصلها الإنجيل بعد. غير أنّ هذا يعني أنّ عمل الإرسالية هو في الخارج أساسًا ويقتصر على المرسلين المفوضين والمحترفين. في الفكر الإرسالي، كل أعضاء الكنيسة خدامًا، مُرسَلين إلى مكان عملهم، مدرستهم، حيّهم، عائلاتهم وكلّ دائرة من دوائر التأثير التي دعاهم الله إليها.

والأمر نفسه ينطبق على مصطلح “ثنائي الوظيفة”، والذي يُستخدم للإشارة إلى أولئك الذين هم في “الخدمة الروحية” ولكن يتعين عليهم تأمين وظيفة “علمانية” لكسب عيشهم. إنّ مصطلحات مثل هذه تخلق في نهاية المطاف انفصامًا خاطئًا بين المقدّس والعلماني.

اختيارنا للمصطلحات مهم إذا أردنا إيصال المعنى الصحيح إلى مستمعينا. وهذا ينطبق بخاصة في مكان كلبنان ذات خلفية التعددية الدينية. لا يمكننا السماح لثقافتنا بتحديد معنى الكنيسة والإرسالية. نحن بحاجة إلى افتداء لغتنا من الاستخدام الخاطئ. نحن بحاجة لأن نعمّق التفكير في كيفية استخدامنا للكلمات، وعلينا أن نفعل ذلك باستمرار.

اترك رد