في أعقاب هجمات نيوزيلندا: اقتراحات لاستجابة الكنيسة للشعوبية والقومية البيضاء

المدوّنة الإقليميّة لمعهد دراسات الشرق الأوسط – أبريل/نيسان 2019
أبريل 4, 2019
هلمّوا اتبعوا المصلوب! تأمل ما بين الأديان حول الفصح*
أبريل 18, 2019

بقلم وسام الصليبي

تُظهر المذبحة الأخيرة المُرتكبة بحقّ المصلّين المسلمين في نيوزيلندا وجهًا من أوجه ظاهرة عالمية متنامية نُعِتَت بالشعوبية القومية، والقومية البيضاء، والأيديولوجية السيادية المتطرفة، ورهاب الأجانب، والعنصرية والقومية الشعبية وغيرها من المصطلحات.

يرتبط بهذه الظاهرة شعور من الهوية القومية الجارفة في العديد من البلدان، ومواقف سلبية متزايدة تجاه الأقليات الدينية، ولا سيّما المسلمين. أدت هذه التطورات الاجتماعية بالكثيرين إلى التصويت لصالح خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، أو التصويت لصالح اليمين المتطرف في فرنسا وفي بلدان أوروبية أخرى، أو التصويت في استفتاء سويسري أُقيم مؤخرًا لدعم اقتراح “جعل القوانين الوطنية لاغية للقوانين الدولية”.

وتصوّب الأصابع تجاه الكنائس الإنجيلية في بعض البلدان بتهمة التواطؤ مع هذه النزعات المتطرفة.

يوم الجمعة الموافق 15 آذار/مارس، عقد مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في جنيف نقاشًا حول التخفيف من حدة الشعوبية القومية المتصاعدة ومواجهتها، حيث قال أحد أعضاء اللجنة من الأرجنتين (مشددًا):

هذه الحركات القومية، التي عُبّر عنها أولاً في أوروبا ومن ثمّ في مناطق أخرى، كانت نتاج استياء عميق للمواطنين من الديمقراطيات الليبرالية، والتي لم تكن قادرة، في إطار العولمة، على إيجاد حلّ للأوضاع الحرجة على الصعيدين الاقتصادي (عدم المساواة) والسياسي (انعدام الثقة والتشكيك في الديمقراطية، وبخاصة فيما يتعلق بأوضاع عدم الأمان المتزايد والإجرام). وخير مثال لما أدّى إليه انعدام ثقة المجتمعات في النظم السياسية الليبرالية والأزمة التي لا يمكن إنكارها للطبقة البرجوازية والديموقراطيات التي تمثّلها هو الخطاب الذي يتسم بالعنصرية ورهاب الأجانب ورهاب المثلية وكراهية النساء الذي يتفشى في البرازيل. وقد لقيت الخطابات التهديدية دعم جزء كبير من الكنائس الإنجيلية المحلية التي تلعب دور آلية تنظيمية للقيم الاجتماعية، والتي تشرّع هيمنة الأنظمة السائدة.

أثار الدعم الإنجيلي الكبير الذي لا يتزعزع على الإطلاق للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أسئلة حول الارتباط الإنجيلي بالخطاب القومي للرئيس وانعكاساته على العلاقات داخل المجتمع الأمريكي (قضايا العرق، رهاب الإسلام ومعاداة السامية) والعلاقات مع بقية العالم (القومية الاقتصادية، الهجرة). ويتكشف لنا الكثير من خلال عنوان مقال نُشِر مؤخرًا على موقع “السياسة الخارجية”: “رهاب الإسلام في أمريكا تزوّره المنابر“.

في 21 آذار/مارس، ناشد خبراء حقوق الإنسان التابعون للأمم المتحدة الدول على “اتخاذ إجراءات عاجلة ومتضافرة لتحقيق المساواة العرقية والتوقف عن استخدام الخطاب الشعوبي القومي الذي يغذّي التمييز”. وأشارت التقارير إلى أنّ مجلس النواب الأمريكي يخطّط لعقد جلسة استماع حول تصاعد القومية البيضاء في الولايات المتحدة في أعقاب إطلاق النار على المساجد في نيوزيلندا.

ماذا يمكن أن تكون استجابة الكنيسة لهذه الظاهرة؟ إليكم بعض الاقتراحات:

أولاً، أن تعيد الكنيسة تأكيد القيم الكتابية وتستنكر الشعوبية القومية وأيديولوجيات الفوقية، وأيديولوجيات التعصب الأخرى، بصوت نبوي وتواضع. نحن بحاجة إلى مواجهة التحديات السياسية والاجتماعية الصعبة الراهنة، والاعتراف بخطايانا، وإعادة التأكيد على محبة القريب.

هذا هو بالضبط ما يحاول فريق الاتحاد الإنجيلي العالمي التابع لنا في جنيف القيام به. في يوم الجمعة الموافق 15 آذار/مارس، ساهمنا في النقاش في مجلس حقوق الإنسان حول التخفيف من حدة الشعوبية القومية المتزايدة والأيديولوجيات المتطرفة ومواجهتها من خلال تقديم بيان شفهي. كان البيان نقدًا ذاتيًا، وأّكد على الحق والحاجة لكل أمة لتوفير الأمن الخاص بها. وأضاف بياننا:

يود الاتحاد الإنجيلي العالمي التأكيد على أنّ القيم المسيحية، في مفهومنا، غير متوافقة مع الخطابات معاداة المهاجرين ومعاداة المسلمين ومعاداة السامية ورهاب الأجانب. القومية، عندما تثير شعور الضحية والتظلم واللوم ضد الجماعات الأخرى في المجتمع، عندما تثير الخوف والكراهية لـ “الآخر”، فهي قد تكون أي شيء ما خلا كونها مسيحية (…)

إننا نشعر بالقلق من أنّ ما يسمى بالقيم المسيحية قد استُغلّت لتعزيز الكراهية والتمييز ضد أولئك الذين ينتمون إلى ديانات الأخرى أو من جنسيات ومناطق أخرى في العالم.

وقد صدرت رسالة مماثلة في أيلول/سبتمبر 2018 من مؤتمر مشترك بين الفاتيكان ومجلس الكنائس العالمي:

إنّ المطالبة بحماية القيم المسيحية عن طريق إغلاق أولئك الذين يلتمسون اللجوء الآمن خوفًا من العنف والمعاناة أمر غير مقبول ومرفوض وهو بالتالي يقوض الشهادة المسيحية في العالم، ويرفع الحدود الوطنية كأصنام.

سيكون من المدهش رؤية الكنائس المحلية والرعاة والكهنة يرددون هذه الرسائل في عظاتهم يوم الأحد.

ثانيًا، أن تسعى الكنيسة إلى إعداد المؤمنين لتحديد الأيديولوجيات المتعصبة ومقاومتها أينما ظهرت على الطيف السياسي. هذا هو بالضبط ما يسعى إليه الاتحاد الإنجيلي الأوروبي حاليًا من خلال مشروع Issachar (يسَّاكر). في محاولة لمساعدة الإنجيليين في أوروبا على فهم الأوقات (1 أخبار 12 :32)، أنتج الاتحاد الإنجيلي الأوروبي موارد مصممة للأفراد المسيحيين والمجموعات البيتية والكنائس المحلية. في أحد هذه الموارد، كتبت جوليا دوكسات-بورسير، الممثلة الاجتماعية السياسية الاتحاد الإنجيلي الأوروبي ومنسقة الحرية الدينية، ما يلي:

يأمل الاتحاد الإنجيلي الأوروبي في أن تمكّن هذه الموارد القادة المسيحيين من التفكير والتأمل في أوقاتنا العصيبة وتحديد طرق يمكنهم من خلالها تمكين الآخرين من مقاومة الإغراءات الكثيرة في هذه الإيديولوجيات، وكشف الأصنام والمخاطر وتحديها، وذلك كي يتشفّعوا متضرعين من أجل أمتهم وقارتهم ولكي يكونوا مواطنين ناشطين ومملوئين بالرجاء، يقدّمون أخبار يسوع المسيح السارة.

ثالثًا، أن تتصرّف الكنيسة وفقًا لقيمنا وتضع مثل السامري الصالح موضع التنفيذ! تُعد الحملة الإرسالية للكنائس الإنجيلية خير مثال على تفعيل المحبة في جميع أنحاء العالم. لقد اختبرت ذلك مباشرة. ومع ذلك، فقد رأيت أيضًا أنّ الكنيسة نفسها التي ترسل فرقًا تسافر في رحلة مدّتها 12 ساعة للخدمة وسط مجموعة محددة من الناس، قد تصارع للوصول إلى أشخاص من المجموعة نفسها التي تعيش على بعد ساعة واحدة فقط بالسيارة. وفي الوقت نفسه، يمكن لكنائس أخرى، تتقابل مع اللاجئين على عتباتها، أن تجد نفسها غير مجهزة حل نحو جيّد فتكون استجابتها مثل الرجل الغني تجاه لعازر.

في المسودة الأولى لبيان مجلس حقوق الإنسان حول الشعوبية القومية، قمت بإدراج الفقرة التالية بصيغة ضمير المتكلّم التي أزلتها لاحقًا مُعتبرًا أنّها لا تُحاكي هيئة حكومية دولية مثل مجلس حقوق الإنسان. هذه الفقرة تُحاكي الكنيسة:

الترياق الذي وجدناه في بلدي، لبنان، للتطرف الإسلامي هو أن تحب الكنائس اللاجئين المسلمين وتعتني بهم وتخدمهم. والمثير للدهشة أن هذا لم يليّن قلوب اللاجئين المسلمين فحسب، بل ليّن قلوبنا أيضًا وساعدنا على فهم ما يعنيه أنّ كل البشر خُلقوا على صورة الله وبالتالي متساوون في الكرامة والاحترام. لقد عزّز إيماننا.

في الواقع، في لبنان، تباركت الكنائس التي اختارت خدمة مجتمعات اللاجئين السوريين بفرصة غير مسبوقة لفهم ما يعنيه يسوع بمحبة القريب، وما يعنيه بمثل السامري الصالح، واختبار الحصاد التي شهدته كنيسة القرن الأول عندما آمن الأمم بيسوع المسيح.

رابعًا، أن تزرع الكنيسة الوحدة عبر الحدود بروحية يوحنا ١٧. من انعكاسات صلاة يسوع للوحدة في يوحنا ١٧، الاستماع إلى الإخوة والأخوات في المسيح على الجانب الآخر من الحدود، سواء كانت حدود الدول، أو الانقسامات السياسية أو العرقية أو الدينية.

من السهل الحصول على أمثلة على التفكك والخلاف – سواء بين الكنائس العراقية (اقرأ مدونة مرتان عقّاد حول هذه المسألة) أو تجاه الإخوة والأخوات الفلسطينيين (على سبيل المثال، مواقف البعض من مؤتمر المسيح أمام الحاجز الذي تنظّمه كلية بيت لحم للكتاب المقدس) أو عندما تحط إرسالية في بلد ما لزرع كنيسة وتخفق في تفحّص المشهد الحالي للكنيسة القائمة في ذلك البلد (اقرأ مدونة مايك كون باللغة الإنجليزية: تسليع الإرسالية في العالم الإسلامي). أيضًا، في عصر الشعوبية، رأيت للأسف برامج إعلامية مسيحية وقادة رأي إنجيليين يبثون الخلاف، ويتبنون لهجة تهجمية، ويزدهرون على أكتاف الانقسام في جسد المسيح وفي المجتمع تحت راية القيم المسيحية.

من ناحية أخرى، بصفتي أحد موظفي الاتحاد الإنجيلي العالمي، رأيت أمثلة رائعة على السعي لتحقيق الوحدة من خلال الاتحادات الإنجيلية الإقليمية لأوروبا وأفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. مثال رائع آخر للوحدة يأتي من الكنائس القبطية والإنجيلية في مصر – نموذج جيد للعلاقات بين الكنيسة في الشرق الأوسط. نظرًا لأن الهجرة العالمية تجعل المجتمعات أكثر تنوعًا في نصف الكرة الشمالي، ومع العلم أنّ الكنيسة متغلغلة داخل جميع المجتمعات، فإنّ رابطة الهجرة الإنجيلية 2012 في الولايات المتحدة هي أيضًا مقاربة لمعالجة الموضوع الملح وإظهار الوحدة.


* وسام الصليبي مسؤول المناصرة للاتحاد الإنجيلي العالمي. حائز على شهادة الماجستير في القانون الدولي من جامعة Aix-en-Provence بفرنسا، مع التركيز على حماية الأفراد والأمن الإنساني. بين عامي 2013 و2017، قام الصليبي بدور مدير علاقات التنمية والشراكة في كلية اللاهوت المعمدانية العربية. وهو الآن مقيم في جنيف، ينقل تقارير التحالفات الإنجيلية الأعضاء في التحالف الإنجيلي العالمي المنتشرة في أكثر من 100 دولة إلى الأمم المتحدة، وذلك بهدف تعزيز احترام الحرية الدينية وسيادة القانون. حسابه الخاص على تويتر:  www.twitter.com/walsaliby

اترك رد