هلمّوا اتبعوا المصلوب! تأمل ما بين الأديان حول الفصح*

في أعقاب هجمات نيوزيلندا: اقتراحات لاستجابة الكنيسة للشعوبية والقومية البيضاء
أبريل 11, 2019
رسالة الفصح من الكادر التعليمي في كلية اللاهوت المعمدانية العربية
أبريل 25, 2019

بقلم مرتان عقّاد

عمل أبي في جمعية الكتاب المقدّس في لبنان لمعظم حياته، حيث شغل منصب أمينها العام لأكثر من 25 عامًا. كبرت وأنا أقضي العديد من فصول الصيف في توزيع الأدب الكتابي وتنظيم عروض لفيلم يسوع في القرى المسيحية والإسلامية والدرزية. ولديّ الكثير من الذكريات الرائعة عن شرب عصير الليمون المثلج وعصير التوت في أيّام الصيف الحارة، والاستماع إلى أحاديث ممتعة حول الدين ويسوع في جو من التجمعات المنزلية الودية.

فيما كانت فرق الخدمة المختلفة تجتمع معًا في المساء، سردت إحدى المجموعات التي شاركت في عرض فيلم يسوع قصّة ملفتة للنظر. فيما بدأ عرض قصة يسوع على الشاشة وعند الوصول إلى مشهد الصلب، كان يُمكن سماع صوت شهق بكاء من بعض الجمهور. وفجأة، وقفت مجموعة من الشباب وبدأوا بإطلاق النار من رشّاشاتهم في الهواء. كانت هذه سنوات الحرب الأهلية اللبنانية، حين كانت الأسلحة الخفيفة والثقيلة متوفرة بطبيعة الحال في معظم البيوت القروية. الانتماء الديني لهؤلاء الشباب المتحمّسين لا يهم. أثناء مشاهدتهم للفيلم، سواء أكانوا مسيحيين أم مسلمين أم دروز، كان تعاطفهم تجاه يسوع يزداد، ولم يتمكنوا من قبول قصّة الخيانة والظلم التي تعرّض لها المسيح. وكما أقسم بطرس الولاء لحماية يسوع، صرخ هؤلاء الشباب بأنّهم لو كانوا رفاق يسوع، لما سمحوا أبدًا لأيّ شخص بلمسه وقتله.

أقسم بطرس: ” يا رَب، أنا مُستعد أن أذهب معك إلى السجن وإلى الموت.” (لوقا 22 :33). وتعهد ليسوع قائلًا: “لِماذا لا أقدِرُ أنْ أتبَعَكَ الآنَ، يا سيِّدُ؟ أنا مُستَعِدًّ أنْ أموتَ في سَبـيلِكَ!” (يوحنا 13: 37). غير أنّ يسوع يعرف الضعف البشري. فكان ردّه لبطرس “لا يَصيحُ الدّيكُ اليومَ حتى تُنكِرَني ثلاثَ مَرّاتٍ”، (لوقا 22 :34؛ يوحنا 13 :38). في مكانٍ آخر، بعد أن أكّد لتلاميذه أنّه “المسيح، ابن الله الحي”، كان على يسوع أن يعدّل توقعاتهم، ومضى ليكشف لهم أنّ هذا الابن نفسه سيذهب إلى أورشليم، ويتألّم على أيدي الشعب والقادة الدينيين، ويموت، ويقوم بعد ثلاثة أيام (مرقس 8: 27-38؛ متى 16: 13-28). وفي خضم هذه المفارقة لمعاناة مختار الله، كان لبطرس الجرأة أن يأخذ يسوع جانبًا وينتهره على أقواله وذلك على غرار ردة الفعل الجريئة التي استحوذت على الشباب الذين يشاهدون فيلم يسوع في تلك القرية اللبنانية.

أثناء العمل على كتابي Sacred Misinterpretation: Reaching across the Christian-Muslim Divide (التفسير الخاطئ المقدّس: ردم الفجوة بين المسيحيين والمسلمين)، كنت أقضي ساعات في قراءة نص القرآن. لقد تأثرت بشدّة بمدى الحب الشغوف الذي ينضح به ليسوع. أتمنى أن يقضي كلّ مسيحي المزيد من الوقت في قراءة القرآن. الذي يشير إلى ولادة المسيح العجائبية، وخدمته المدهشة من شفاء المرضى وإقامة الناس من الموت. ويحزن من شرّ أولئك الذين أساءوا فهمه، ورفضوه، واستجمعوا كلّ ما يمتلكونه من قوّة للتخلص منه. ويوبّخ القرآن الادعاءات المتعجرفة من معاصري المسيح بأنّهم تمكّنوا من قتله، في السورة الرابعة الآية 157:

وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا.

في السياق المباشر والأوسع للقرآن، وإن لم يكن الأمر وفقًأ للتقاليد التفسيرية الواسعة في الإسلام، ستُفهم الآية ببساطة على أنّها مقطع جدلي آخر ضد اليهود الذين اتُهموا في الآية 155 أنّهم كسروا عهدهم مع الله وقتلوا أنبيائه. في هذا السياق، فإنّ إنكار إنجازهم في قتل يسوع في الآيتين اللاحقتين هو أمر منطقي، لكن ليس لدرجة التأكيد على أنّ يسوع لم يمت على الإطلاق. لذلك فالآية 157 تُجادل بأنّ اليهود لم ينجحوا في قتل يسوع، ويمكن التخمين من السياق الأدبي المباشر نفسه أنّهم أخفقوا لأن الله “رفعه إلى نفسه”، كما في الآية 158. وهذا تأكيد يناسب القصّة الكتابية التي تؤكّد أنّ اليهود لم ينجحوا في قتل يسوع، إذ قام من الأموات بعد ثلاثة أيام.

غير أنّ المادة التفسيرية الواسعة النطاق للتقاليد الإسلامية لا تسمح بهذا التوافق المباشر للنصوص القرآنية والكتابية. وبدلاً من ذلك، تصبح الآية 157 نقطة انطلاق لتقاليد دينية تنكر الحجة الأساسية للإيمان المسيحي؛ أي مركزية موت يسوع على الصليب وأهمية موته للخلاص البشري.

في إنكاره شبه الإجماعي لتاريخ صلب المسيح، فإنّ تقليد التفسير الإسلامي – وأنا لا أقول القرآن – يقف مستقلًا. كما أنّه يرفض الغرض الكامل لتاريخ الخلاص الكتابي.

في الآونة الأخيرة، جالست رجلًا مسلمًا تقيًا في غرفة معيشته، وتحدّثنا عن يسوع. أوضح لي على نحوٍ كافٍ المعنى الرمزي والعلائقي للتأكيد على أنّ يسوع هو “ابن الله”. بل تمكّن أن يفهم عمق التأكيد على أنّه “في المَسيحِ يَحِلُّ مِلْءُ الألوهِيَّةِ كُلُّهُ حُلولاً جَسَدِيُا” (كولوسي2: 9). لم يرَ أنّ القرآن في رسالته الشاملة ينكر بالضرورة أنّ يسوع قد مات على الصليب. غير أنّ ما لم يستطع فهمه هو كيف يمكن للموت أن يجلب الحياة والخلاص لأولئك الذين يضعون ثقتهم في هذه المبادرة الإلهية.

ليس “تاريخية” حدث الصليب هو الجانب الأكثر صعوبة في الاتفاق عليه في الحوار المسيحي الإسلامي. غير أنّ ما يزال من الصعب إدراكه، ليس فقط في سياق الحوار ما بين الأديان، ولكن أيضًا بالنسبة للمسيحيين والمسلمين واليهود وغيرهم من البشر، هو كيف يمكن للحياة والخلاص أن ينبثقا فعليًا من الموت والفشل الظاهري.

في الفصل الثاني من رسالته إلى فيلبي (آية ٥-١١)، يحثّنا الرسول بولس عبر واحدة من أقدم تراتيل الكنيسة. تفترض هذه العقيدة أنّ الله الذي جاء إلينا في المسيح وأثار تحديًا فريدًا لفهم الإنسان للقوة. ويحثنا بولس على تبني مبادرة الله عمليًا كنموذج لسلوكنا الخاص:

فكونوا على فِكرِ المَسيحِ يَسوعَ:

هوَ في صُورَةِ الله،

ما اَعتبَرَ مُساواتَهُ لله غَنيمَةً لَه،

بَل أخلى ذاتَهُ

واَتَّخَذَ صُورَةَ العَبدِ

صارَ شَبيهًا بالبَشَرِ

وظَهَرَ في صورةِ الإنسانِ

تَواضَعَ، أطاعَ حتى الموتِ،

الموتِ على الصَّليبِ.

فرَفَعَهُ الله

أعطاهُ اَسمًا فَوقَ كُلِّ اَسمِ

لتَنحَنِيَ لاَسمِ يَسوعَ

كُلُّ رُكبَةٍ في السَّماءِ

وفي الأرضِ وتَحتَ الأرضِ

ويَشهَدَ كُلُّ لِسان

أنَّ يَسوعَ المَسيحَ هوَ الرَّبُّ

تَمجيدًا لله الآبِ.

أضيئوا في العالم.

لا يصبح الصليب علامة انتصار بالمنطق والنقاش، بل حين يحتضن تلاميذ يسوع النموذج الذي يقدّمه الصليب. إذا فهمنا أهمية بذل الذات في معادلة محبة الله ومصالحته، ومحورية ذلك في ترتيب الله للعلاقات الإنسانية بين بعضنا البعض ومعه، عندها يبدأ الصليب في اتخاذ معنى جديد لحياتنا، أكثر مجرد الحديث حول ما إذا كان قد حدث تاريخيًا أم لا.

لكن ليس من السهل ولا الطبيعي لتفكيرنا البشري أن يكتسب فكر الله فيما يجلب السلام إلى هذا العالم. في حالات الصراع الإنساني، سواء كانت شخصية أو دولية، يحاول كلّ طرف أن يكون صاحب اليد العليا على الأرض ليكون في موقع القوة في وقت مفاوضات السلام. إنّ أسلحة الحرب والدمار والغزو هي أدوات تستخدمها الدول القوية في محاولة لفرض السلام. أو في أحسن الأحوال نعظ حول أخلاقيات السلام والمحبة والتسامح كأدوات نأمل أن تؤدي إلى السلام والمصالحة.

ولكن في خضم جهودنا البشرية المتضافرة، تبقى كلمات يسوع لبطرس ملائمة لنا: “أفكارَكَ هذِهِ أفكارُ البَشرِ لا أفكارُ الله ” ويدعونا مع تلاميذه ويعلّمنا: “مَنْ أرادَ أنْ يَتبعَني، فلْيُنكِرْ نَفسَهُ ويَحمِلْ صَليبَهُ ويتبَعْني، لأنَّ الَّذي يُريدُ أن يُخلَّصَ حياتَهُ يَخسَرُها، ولكنَّ الَّذي يخسَرُ حياتَهُ في سبـيلي يَجِدُها.” (متى 16: 23-25​​؛ مرقس 8: 33-35).

ستحتفل الكنائس التي تتبع التقويم الغربي بعيد الفصح يوم الأحد الموافق 21 نيسان/ أبريل. وستستذكر الكنائس الشرقية عشاء الفصح والخيانة وصلب يسوع يوم الجمعة 26 نيسان/ أبريل. في بلدنا الفريد لبنان، لدينا امتياز أن نتأمّل مطولًا في ضعف وقوة الصليب والقيامة! يدعونا الصليب إلى الإقلاع عن السعي لأن نكون جنود الله وفقًا لمفهوم الإنسان الغريزي للقوة. تبدأ انعكاسات الصليب بالظهور فقط عندما ننجذب إلى المنطق الإلهي لعمل لقوة والسلطة: القوة في الضعف، الغفران في الاضطهاد، المحبة ردًّا على الكراهية، الحياة المنبثقة من الموت، الحب الحقيقي في أن نبذل ذواتنا ونضع أنفسنا من أجل الآخرين. إذا كانت هذه القيم هي القوة الدافعة لجميع علاقاتنا، سواء العلاقات بين الأشخاص أو ما بين الدول، فلا شكّ أن عالمنا سيبدوا مختلفًا تمامًا.


*هذه نسخة منقّحة لمدوّنة نشرها معهد دراسات الشرق الأوسط في 7 نيسان/ أبريل 2016.

اترك رد