هل فعلاً نرى أنفسنا خدّامًا؟

المتكلّمون والمواضيع في مؤتمر الشرق الأوسط 2019
مايو 16, 2019
الفساد: تعريفه وأساليب مقاربته
مايو 30, 2019

بقلم ربيع الحصباني

في أيلول/سبتمبر 2017، تم تعييني قائد فريق خدمة إرسالية في لبنان. في ذلك الوقت، أدركت أنّني بحاجة إلى تطوير فهم أفضل للقيادة، وبغية القيام بذلك، استشرت نماذج القيادة في العهد الجديد. أدهشني كيف وصف الرسل الأوائل أنفسهم وأذكر على سبيل المثال:

“بُولُسُ، عَبْدٌ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الْمَدْعُوُّ رَسُولًا” (رومية 1: 1)،

“يَعْقُوبُ، عَبْدُ اللهِ وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (يعقوب 1: 1)،

“سِمْعَانُ بُطْرُسُ عَبْدُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَرَسُولُهُ” (2 بطرس 1: 1).

يستخدمون دائمًا مصطلح “خادم” أو “عبد” بدلاً من “قائد” لوصف مساهماتهم في الخدمة. هل نرى فعلًا أنفسنا خدّاما؟

في الأشهر القليلة الأولى لي كقائد، استمتعت بممارسة سلطة قائد الفريق، لكنني أدركت أنّ من يتمتعون بالسلطة يجب عليهم قبول المسؤولية. وبعد لقائي الأول مع مرشدي، عرفت أنّه لا يجب عليّ قبول مسؤولية القيادة فحسب، بل يجب أيضًا تحمّل المساءلة المصاحبة لها.

بناءً عليه، سأركّز في هذه المقالة على المساءلة باعتبارها جانبًا مهمًا من جوانب القيادة الخادمة، وهو جانب لم يكن من السهل عليّ أن أتعلمه لأنني لم أره مطلقًا في قيادتنا السياسية – ونادرًا ما رأيت نموذجًا له في قيادتنا الكنسية.

يتم تفويض السلطة من شخص لديه سلطة أعلى؛ وبذلك تكون من الأعلى إلى الأسفل. غير أنّ السلطة تأتي أيضًا من الأسفل إلى الأعلى. حين يوافق الموظف على العمل تحت يد المشرف عليه فإنّه يمنح لذلك المشرف نسبةً من السلطة عليه. لذلك لا يكون المشرف مسؤولًا لمن هم أعلى منه فقط بل وأيضًا لأولئك الذين يُشرِف عليهم. وبالتالي، فإن المساءلة متبادلة بين القادة والناس الذين تحت قيادتهم وذلك في ضوء وصف الرسل لأنفسهم بأنّهم خدّامًا، فإنّ مفهوم السلطة والمسؤولية المترتبة عليها والمساءلة المصاحبة لها يجعل المرء خادمًا بطريقتين. نحن نخدم من هم فوقنا ومن هم تحت قيادتنا. فلنستذكر ما قاله يسوع في متى 20: 26-27: ” فَلاَ يَكُونُ هكَذَا فِيكُمْ. بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ عَظِيمًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ خَادِمًا، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ أَوَّلًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ عَبْدًا”.

علاوة على ذلك، تعزّز المساءلة الانتماء إلى الجماعة. لا تُمارس المساءلة إلّا في سياق جماعي. يجب أن يكون القائد وكيلًا حكيمًا على مسؤولياته ويجب أن يكون محاطًا بأولئك الذين يكون مساءلًا لهم والذين يدعمونه في الوقت نفسه. ذات مرة، سألني مرشدي، “كيف تفهم المساءلة؟” أخبرته أنّ المساءلة تمهّد الطريق لمزيد من النمو. بدلاً من اعتبارها أداة للحكم، يمكن اعتبار المساءلة أداة تقييمية تعمل على تحسين مهاراتنا وخصائصنا القيادية. لا يجب أن يخدم القادة بدون آخرين من حولهم يشكلّون هيكلية دعم لهم، يساعدونهم في الحفاظ على تركيزهم ونقائهم والخصائص التي تجعلهم مؤهلين للقيادة.

إنّ أحد أكثر جوانب المساءلة تحديًا في الملكوت والتي ما زلت أواجهها، يتعلق بالمقياس المُستخدَم لتقييم أداء القادة. كثيرون يحسبون عدد المتابعين أو أعضاء الجماعة، لكن هل نأخذ أيضًا في الحسبان حياتهم؟ كيف نفهم التفويض الموكل إلينا كقادة بأن نكون “مسؤولين” عن قطيع الله؟ هل نفهم انعكاسات هذا تفويض بأنّه أكثر من مجرّد تعداد الأرقام؟ هل نحن نُحاسب عن حياة أعضاء جماعاتنا؟ كخدّام للمسيح، هل يمكن أن نقول حقًا أنّنا ساعدنا سيّدنا في تنفيذ رسالته الداعية إلى المصالحة بين البشر والله؟

“وَلكِنَّ الْكُلَّ مِنَ اللهِ، الَّذِي صَالَحَنَا لِنَفْسِهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَأَعْطَانَا خِدْمَةَ الْمُصَالَحَةِ، أَيْ إِنَّ اللهَ كَانَ فِي الْمَسِيحِ مُصَالِحًا الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ، غَيْرَ حَاسِبٍ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ، وَوَاضِعًا فِينَا كَلِمَةَ الْمُصَالَحَةِ” (2 كورنثوس 5: 18-19).

ثمة مجال استراتيجي آخر يجعل القائد المسيحي مساءلًا أمام وهو “التضاعف”. قد يبدو دعوة صعبة، ولكن هذا هو المثال الذي نراه في يسوع المسيح. أمضى يسوع حوالي ثلاث سنوات مع تلاميذه الاثني عشر. لقد استثمر فيهم ودرّبهم وعندما صعد إلى السماء، كانوا جميعهم تقريبًا يمكنهم فعل ما فعله يسوع؛ لا بل دعاهم للقيام بأعمال أعظم. أحب الطريقة التي وصف بها الرسول يوحنا تجربتهم مع يسوع:

“اَلَّذِي كَانَ مِنَ الْبَدْءِ، الَّذِي سَمِعْنَاهُ، الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا، مِنْ جِهَةِ كَلِمَةِ الْحَيَاةِ” (1 يوحنا 1: 1).

لقد اختبروا يسوع وجهًا لوجه ورأوا أعماله واستمعوا إلى كلماته. هذا هو التضاعف! نرى أيضًا تلمذة بولس لتيموثاوس في العهد الجديد كنموذج لحركة أجيال القادة. أوكل بولس إلى تيموثاوس مهمة القيام بالزيارات الرعوية إلى كورنثوس وتسالونيكي ومكّنه ليرعى كنيسة أفسس. علاوة على ذلك، حثّ بولس تيموثاوس على تطوير آخرين وائتمانهم على تقدّم ملكوت الله: “وما سمعتَه منِّي بشهودٍ كثيرين، أودعه أناسًا أمناء، يكونون أكفاءً أن يعلِّموا آخرين أيضًا” (2 تيموثاوس 2: 2).

ثمة ثلاثة أنواع من القادة. أولئك الذين هم مثل هيرودس، يريدون المزيد والمزيد من الأتباع. أولئك الذين مثل موسى يسعدون بتعيين المزيد من القادة. غير أن القادة العظام هم مثل يسوع. إنهم يسكبون ذواتهم في خدمة الآخرين، ويصنعون قادة لا يقومون بأعمال مثلهم فحسب بل بأعظم منها. هذا هو المعيار الذي يجب أن تُقيّم على أساسه القيادة المسيحية المسؤولة.

اترك رد