الفساد: تعريفه وأساليب مقاربته

هل فعلاً نرى أنفسنا خدّامًا؟
مايو 23, 2019
المدوّنة الإقليميّة لمعهد دراسات الشرق الأوسط – يونيو/ حزيران 2019
يونيو 6, 2019

بقلم شادن هاني

في ضوء شؤون بلادنا المعاصرة التي ترزح تحت نير الفساد المنتشر في أغلب الميادين التي تمسّ حياتنا اليومية، إنّه من واجبنا كمجتمع إنجيلي مواكبة مسيرة التغيير التي تنادي بها الدولة اللبنانية مؤخرًا. لذلك أقام معهد دراسات الشرق الأوسط في كليّة اللاهوت المعمدانية العربية اللقاء السادس لمنتدى الشؤون المعاصرة والذي نسعى من خلاله إلى جمع بعض قادة الكنيسة الإنجيلية والمؤسسات المسيحية للتحاور والنقاش حول الدور النبوي للكنيسة في الاستجابة للواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

عُقِد اللقاء الأخير لمنتدى الشؤون المعاصرة في تاريخ 22 أيار/ مايو 2019 وجمع عدد من رعاة الكنيسة المحلية وممثلي المؤسسات المسيحية المهتمين باكتشاف أوجه الفساد وانعكاساته على حياتنا اليومية. في هذا اللقاء السادس للمنتدى، قدّم جوليان كورسون، المدير التنفيذي للجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية، الفرع المحلي لـ”منظمة الشفافية”، تعريفًا عن مفهوم الفساد وشرَح العناصر الأساسية للحدّ من الفساد ومكافحته.

وفقًا لكورسون الفساد هو وضع المصلحة الشخصية أولوية على المصلحة العامة واستغلال السلطة أو الوظيفة أو العمل بهدف تحقيق مكاسب أو منافع غير متوجبة قانونيًا. الفساد لا يقتصر على فعل السرقة فقط، بل يشمل الكذب والاحتيال والوساطة والرشوة والأساليب التي أحيانًا يعتمدها المواطن للحصول على مراده، فالفساد متجذّر في مجتمعنا وعلينا بالتالي تغيير أسلوب تربية الأجيال الجديدة على مفاهيم وقيم صالحة ومستقيمة.

أمّا عناصر الحد من الفساد فهي:

  • أولًا، القوانين والتشريعات الصادرة عن الحكومة ومؤسساتها المكلّفة بإدارة الشأن العام،
  • ثانيًا، المؤسسات التي تسهر على تشريع القوانين وتطبيقها،
  • ثالثًا، المواطنون كأفراد وجماعات بما فيها النقابات.

أيّ خلل في أحد هذه العناصر يؤدّي إلى تعزيز الفساد، لذلك لا بد من خلق تعاون بين المُؤسسات العامة والخاصَّة. كما أنّ الشَّعب عنصر أساسي وهو مسؤول أن يبادر بالخطوة الأولى وهي نشر الوعي حول الفساد والعمل على حدّه. فالمسؤولية لا تقع على جانب السلطة فقط التي ربما تكون فاسدة ولكن المواطن هو جزء من المشكلة وهو أيضًا جزء من الحلّ، وهذا بالتالي يُعطيه فرصة أن يكون صاحب قرار عندما يواجه موقفًا يعرضه للفساد. والقرار هو بالخطوات التي يمكننا أن نقوم بها للتخفيف من الضرر بالدرجة الأولى والتعريف بالفساد ومكامنه، واعتماد الشفافية للحدّ من انتشاره.

والعمل جارٍ على صعيد الهيئات السياسية وعلى صعيد التشريعات لمكافحة الفساد، ولكن هذا العمل يتطلّب تعاون متكامل مع المجتمع المدني بهيئاته ومجتمعة، ومع المجتمع الإيماني الذي يملك المعرفة والمبادئ والأخلاقيات الكتابية وله مسؤولية القيام بدور الوكيل الأمين أمام الله والصوت النبوي في المجتمع.
أمّا بالنسبة لمبادرات الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية فأطلعنا كورسون أنّها تعمل بالتعاون مع البلديَّات والمجتمع المدني للقيام بتدريبات حول كيفية تطبيق القانون على نحوٍ أفضَل. وأضاف: “أحرزنا تقدمًا في قضاء الضنيَّة وهو تطبيق قانون صدر عام 2017 ينصّ على حقّ كُلّ فرد بالوصول إلى المعلومات لترسيخ الشَّفافيَّة.” يُلزِم القانون الشرِّكات والمُؤسَّسات والبلديَّات بنشر المعلومات المتعلقة بالميزانية والتصاريح المالية والمناقصات على مواقعها الإلكترونية. وهذا القانون نافِذ ومُطبَّق بنسبة 56% تقريبًا حسب الإحصاءات الحديثة. وفقًا لكوؤسون:

“القيادة الذّاتيَّة هي المحور الأساسيَّ، إذا كانَت جيِّدة وذات جودة عالية نستَطيع بعدَها أن نعمَل كجماعة. نحن نعمل على صعيد الهيئات السِّياسيَّة وعلى صعيد التّشريعات لمُكافَحة الفَساد. هذا وقد ساهمنا في استحداث قانون دعم الشفافية في قِطاع البترول وهو متوفر على موقع هيئة إدارة قطاع البترول في لبنان. لقد عملنا أيضًا على صياغة استراتيجية قانونية لمكافحة الفساد، والتي صدرت في عام 2011.”

وكان لإيلي حدّاد، رئيس كلية اللاهوت المعمدانية العربية، تعقيب من منطلق كتابي إرسالي عن دور الكنيسة في عملية محاربة الفساد. كمؤمنين علينا أن نتصدّى لتعاليم العالم ونحرص على عدم دخولها إلى الكنيسة عبر التمسك بأخلاقيات الملكوت. وهذا يتحدّانا أن نكون مختلفين عن سلوكيات العالم المحيط بنا والتي قد تؤثر علينا سلبًا في مجتمعاتنا. الكتاب المقدس كتاب واقعي وعمليّ، وتعاليمه تصلح أن تكون النموذج للتغيير الذي يحتاجه العالم.

كأتباع المسيح علينا أن نكون ملحًا ونورًا، أن نكون نورًا باختلافنا عن العالم المظلم، وبحرصنا ألا يفسد الملح. لا شكّ أنّ الكنيسة تريد وتسعى أن تكون أداة التغيير، وذلك لا يتحقق سوى بالتعليم والتوجيه وبتدريب الأجيال الجديدة كي تكون في طليعة رفع مستوى الأداء والعيش بحسب قيم الملكوت وأخلاقياته. فيسوع قد أوكلنا بتدريب أجيال للملكوت حين قال:

“دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ، فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ” (متى 28: 18-20).

من المواضيع الملفتة التي تم تسليط الضوء عليها على أنّها نوع من أنواع الفساد الاجتماعي هي موضوع الألقاب التي نطلقها على بعض الأفراد من غير استحقاق وذلك من منطلق الاحترام مثل لقب “دكتور” أو “أستاذ” هي وجه من أوجه الفساد الاجتماعي الذي يقع في خانة انتحال أو اقتباس صفة غير صحيحة. ومثال آخر على الفساد الذي نخر مجتمعاتنا وحتى كنائسنا هو استخدام برامِج الكومبيوتر المزوّرة أو المتداولة في السوق السوداء وذلك للتخفيف من العبء المادي، وهذا لا يعكس الأمانة التي يجب أن تطبع سلوكنا وتساعدنا على طاعة تعاليم الكتاب المقدس أن نكون النموذج المختلف الذي يتصدّى النمط السائد.

ومن المداخلات من قال أنّنا ربما قد تربَّينا أن نفصُل بين الإيمان والحَياة. وإذا أردنا أن نتعلّم فيمكننا ذلك من مثال جون كالفن الذي خدم في مجال التربية والاقتصاد والعلاقات الدوليَّة الكنسيَّة وساعد الفقراء بنَّزاهة، وبالرُّغم من ذلك يقول أنّه علينا ألا ننسى أنَّ مدينتنا سماويَّة. فاستطاع أن يُساهِم في تقدُّم هذا العالَم دون التّخلِّي عن رُؤية المدينة السَّماويَّة. لذلك يجب أن يكون للكنيسة صوت نبوي في المُجتمَع، وعلينا أن نتكلَّم ضدّ الفساد والسرقة والمحسوبيَّات والنَّميمة. ولا يجِب أن تجلس الكنيسة جانِبًا بل عليها أن تنخرط في قضايا مجتمعها.

وفقًا لما جاء حول تعريف الفساد وعناصر مكافحته ودور الكنيسة وسط مجتمعات يتفشى فيها الفساد، نسأل أنفسنا، ما انعكاسات ذلك علينا كمواطنين وكأتباع للمسيح وما هي استجابتنا للفساد؟

أولًا علينا أن ندرك ونعترف أنّ الفساد موجود في كلّ بلد بنسب متفاوتة ولا بدّ أن يكون هناك منظومة قوانين تضعها الدولة للمحاسبة والشفافية بغية الحد من الفساد. وهذه القوانين تحتاج آلية تطبيق جديّة وملتزمة غير أنّنا في لبنان مثلًا نفتقد لآلية التطبيق هذه. ثانيًا اتخاذ القرار والمبادرة بمعالجة الموضوع عمليًا من خلال تحمّل المسؤولية من قِبل الحكومة والمواطن على حدِّ سواء والبدء بالحد من الضرر عبر اعتماد آلية تعزيز الشفافية وتفعيل الرقابة وتسهيل الوصول إلى المعلومات. هذا العمل يتطلب المثابرة والإيجابية، علينا أن نثابر بصبر وثبات على التوعية والعمل على مناهج التغيير والتشريع التي تكافح الفساد، ونستخلص الإيجابيات من القوانين الموجودة ونبني عليها من أجل تطويرها وتطبيقها ومساءلة كلّ من يخلّ بها ولا يطبقها. ثالثًا علينا كأتباع المسيح أن نقدّم النموذج السلوكي الذي يقتدي به المجتمع، عبر التحرّر من فساد العالم وتطبيق أخلاقيات الملكوت والسلوك بمقتضى الحق الكتابي بمثابرة وإيجابية والبدء في تطبيق أخلاقيات الملكوت في كنائسنا وخدماتنا ومجالات عملنا وبيوتنا ودوائر تأثيرنا.

كمواطنين أرضيين وملكوتيين علينا ألا نلجأ إلى طرق العالم كالكذب والرشوة والتزوير والنصب والاحتيال وغيرها بل أن نكون صادقين وتكون معاييرنا مختلفة. علينا أن نقبل الخضوع للمساءلة وأن نُسائل بدورنا قادتنا الكنسيين والسياسيين. يمكننا أن نبدأ هذه الحركة في مكافحة الفساد وننطلق بها إلى العالم من حولنا لنكون نورًا يشع وسط الظلمة وملحًا يحفظ من الفساد. وعندما نرى حبّة الخردل تُزرع في مجتمعاتنا فلنرويها لتنبت وتكبر وتأتي بثمر.

اترك رد