العلاقات بين المسلمين والمسيحيين وحرية الضمير

لماذا لا نستطيع أن نحبّ الخاطئ ولكن أن نكره الخطيئة
يونيو 13, 2019
ممتنون لأجدادنا … والإرساليّة تستمر!
يونيو 27, 2019

بقلم مايك كون

إبّان التأمل في التاريخ الطويل للتفاعلات المتبادلة بين المسلمين والمسيحيين، يبدو لي أنّ رياح التغيير المفعمة بالأمل قد بدأت تهب. أدرك أنّ هذا يتعارض مع الرأي التقليدي القائل بأنّ الترهيب من الإسلام يتزايد… وهو أمر لا أنكره. ومع ذلك، أرى بعض علامات الأمل.

ثمّة حركة ملحوظة بين الإنجيليين المعاصرين نحو التعايش السلمي مع المسلمين. ولقد صُدمت من مشاهدة هذا الفيديو للدكتور ريك لوف ومراقبة مسار خدمته من المدير الدولي لـ”فرونيرز” Frontiers (إرسالية زرع كنائس) ليصبح مدير منظّمة تحفيز السلام الدولية Peace Catalyst International التي تهدف إلى “اتباع يسوع من خلال تحفيز مبادرات صنع السلام التي تشعل حركة عالمية لصنع السلام، وفي المقام الأول بين المسيحيين والمسلمين.” ويروي هذه القصة أيضًا في كتابه، العولمة المحلية: اتباع يسوع في القرن الحادي والعشرين Glocal: Following Jesus in the 21st Century. ومن بين أمور أخرى، يروي الدكتور لوف قصّة أحد مراسلي الأخبار الذي زار فصلًا كان يدرّسه عن الإرسالية وسط المسلمين. بعد زيارة الصحفي بفترة وجيزة، ظهر مقال في منشور بعنوان “الحملة الصليبية المتخفية”. يظهر الملخّص القصير للمقال تحت عنوان: “داخل إحدى الجامعات الجنوبية، يتم تدريب المبشرين المسيحيين على التستر في العالم الإسلامي لربح متحولين للمسيح. هدفهم المعلن: محو الإسلام.” الأمر المهم: الدكتور لوف لم يتحدّث بهذه الطريقة في فصله. بل كان المراسل يستشف جدله من الطلاب الذين حضروا المحاضرات والذين أعطوه هذا الانطباع الذي لا لبس فيه.

كان المقال بمثابة دعوة “للاستيقاظ” للدكتور لوف واستجاب ببعض التغييرات الشائعة في أسلوب خدمته. يصف هذه اليقظة التي اختبرها بأنّه في عالم مُغَوغَل، يجب أن تتوافق مسيرته مع كلامه والعكس صحيح. يوضح الدكتور لوف أنّه في الماضي، كان هناك “عالم مسيحي وإسلامي وعلماني منفصلين”. اليوم لا توجد عوالم “منفصلة” لأنّ عوالمنا تتداخل مع بعضها البعض من خلال السفر والهجرة والإعلام. قرّر الدكتور لوف أنه لم يعد بإمكانه تعزيز الإرسالية “المتخفية”. لم يعد التخفي في العالم الإسلامي خيارًا للإرسالية. لقد أراد أن يتكلّم اللغة نفسها سواء في العالم الإسلامي أو المسيحي أو العلماني لأنّنا جميعًا نعيش في كل تلك العوالم في آنٍ معًا.

ثمة العديد من الأمثلة الأخرى لهذه الحركة التي تتجه نحو إقامة علاقات سلمية بين أتباع يسوع والمسلمين[1]. أرى أنّ هذه علامات أمل تلوح في أفق العلاقات بين المسلمين والمسيحيين.

في حين أنّ هذه الحركات نحو العلاقات السلمية بين المسلمين والمسيحيين تواصل مسيرتها إلى الأمام، ثمة حركة أخرى تبرز بقوة. تتزايد أعداد الأشخاص من خلفيات وثقافات إسلامية في تحديد هويتهم كأتباع ليسوع.

لا يحتاج المرء إلى التفكير طويلاً في هذا الواقع ليدرك أنّ هذه الحركة الأخيرة قد تكون سبب إحراجٍ للحركة السابقة. آمل ألا يكون هذا هو الحال. اسمحوا لي أن أقول ذلك مرة أخرى، آمل ألا تؤدي الأعداد المتزايدة من الأشخاص الذين يتبعون يسوع إلى إعاقة أو عرقلة أو إحراج حركة العلاقات الإسلامية المسيحية الإيجابية والشفافة والمضيافة. آمل أن تكون الحركتان متكاملتين.

لا شكّ أنّ توجه الحركة المسيحية بعيدًا عن الكرازة “المتخفية” واعتماد صنع السلام الصريح، لهو انتقال يرحّب به المسلمون. فكّر في الارتباط الدائم للإرساليات الغربية مع الاستعمار بشكليه القديم والحديث. بالنسبة للشعوب المسلمة، تُفهم الإرسالية الغربية أنّها تسير جنبًا إلى جنب مع محاولات الغرب تزيين سلطته ونفوذه. يمكننا أن نتصوّر المسلمين يتنفسون الصعداء لأنّ المسيحيين يسعون ناشطين لبناء علاقات سلمية، متخليين عن السلطة في حماستهم الإرسالية.

وهو تغيير مرحّب به بالنسبة للمسيحيين سواء في الشرق أو الغرب. لا أحد يكسب من التشدد الديني. في عالم ما بعد الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، يمكننا جميعًا أن نتنفس الصعداء عندما يجلس محمد وبيتر في محادثة مع بعضهما البعض بدلاً من توجيه بنادقهم (وصواريخهم) إلى بعضهما البعض.

لكن ماذا يحدث عندما يواجه المسلمون فجأة حقيقة أنّ هذه المبادرات السلمية لا تعني وقف الحماس التبشيري … عندما تصطدم الحركة الأولى بالحركة الثانية؟ عندما يدرك المسلمون تمامًا أنّ القادة المسيحيين مثل الدكتور ريك لوف لا يزالون ملتزمين بالقدر نفسه بإطاعة “مأمورية يسوع العظمى”؟

لنواجه الأمر. كلا الديانتين إيمان “إرسالي”. كلتهما تطمحان إلى التوسع في جميع أنحاء العالم. الحوار المسيحي مع المسلمين لا يشير إلى نهاية تطلعاتهم لنشر الإنجيل. على العكس تمامًا.

أتذكّر زيارات رجال الدين المسلمين إلى كلية اللاهوت المعمدانية العربية في بيروت للمشاركة في بعض الحوارات. أثناء وجودهم هناك، من المحتمل أن يلتقي رجل الدين بحفنة من الطلاب الذين تكشف أسماؤهم على أنّهم وُلدوا مسلمين. من الواضح أنّ هذه المؤسسة الإنجيلية لم تتخلّ عن الأمانة لوصية يسوع العظمى من أجل الحوار. ما هي ردة فعلهم؟ ما هي ردة فعلنا؟

في الوقت الذي ننخرط فيه كأتباع المسيح في حوار مع المسلمين، فإننا نفعل ذلك لأسباب عديدة وجيهة: لنفهم أصدقاءنا المسلمين، ولنساعد المسلمين على فهم القيم المسيحية الأساسية، ولنساهم في وقف العداء الذي استمر قرون، وما إلى ذلك. ثمة سبب آخر. يسعى أتباع يسوع لمحادثات إيمانية مع المسلمين: لنقل أخبار يسوع السارة إلى جميع أمم العالم وشعوبه.

ما أقترحه ليس جديدًا، لكنّني أتساءل عن مدى شفافية علاقاتنا بالحوار مع المسلمين. أليس هذا هو القصد، من كلّ شيء؟ لا اختباء بعد الآن. هل الكرازة أحد أهدافنا؟ أفترض أنّ البعض سيقول “لا”، لكنّني أقترح أنّه بالنسبة لمعظم الإنجيليين، إنّه حافز أساسي. نقيم محادثات سلمية قائمة على الإيمان مع المسلمين لأنّنا نحترمهم ونحبّهم ولأنّنا نريد أن نشارك إيماننا معهم.

قد ينجح هذا عندما يقبل طرفا الحوار “إضفاء الطابع الديمقراطي” على الإيمان – بحيث يكون للفرد الحق في قناعاته الضميرية. باختصار، يفترض الحوار المفتوح حول مسائل الإيمان أنّه لكلا الجانبين حرية اعتناق ما يشاركه الآخر. نعم، قد تُقلب الطاولات. يجب ألا يغضب المسيحيون من رؤية أعضاء الكنيسة يعتنقون الإسلام – وهو إيمان قوي وناشط يجذب الملايين حول العالم. حرية الضمير، أليس كذلك؟

تجدر الإشارة أيضًا إلى أنّ بعض المسيحيين سيجدون أنّ هذا “التحول الديمقراطي” لا يمكن تقبّله على الرغم من أنّ الديمقراطيات الغربية تضمن عمومًا جوًا من الحرية لاتباع الديانة التي يريدون. من ناحية أخرى، في العديد من الدول الإسلامية، لا حرية لتبني وجهة نظر دينية بديلة. إذا كانت هذه الدول ترغب في القضاء على الإرسالية “المتخفية” للمسيحيين، فإنّ أفضل تحرك يمكن القيام به هو ضمان حرية الضمير لمواطنيها.

للمشاركة في المحادثات القائمة على الإيمان بين المسلمين والمسيحيين، ألا يجب علينا أيضًا تبني طريقة جديدة للتفكير في علاقة الإيمان والحياة العامة؟ ألا نراهن على الشفافية والانفتاح كوسيلة أفضل لمشاركة الإيمان بدلًا من التسلل والتخفي؟ أوليس لهذا انعكاسات على المجتمعات الغربية (يجب السماح للإسلام بالنمو على الأراضي الغربية) وكذلك الدول الإسلامية (يجب أن تُمنح حرية الضمير للفرد حتى لو كان هذا يتعارض مع ما يملي عليه المجتمع)؟

إذا حدث ذلك، قد يكون يومًا جديدًا في العلاقات الإسلامية المسيحية.


[1] انظر “إيمانان، صداقة واحدة” (F1F2). قام ميشال مولنبرغ وسوندس خولاكي بتأسيس F1F2. يُطلق على موقعهم على الإنترنت اسم “miss understanding”. انظرأيضًا فريق العلاقات المسيحية الإسلامية (الرابط CMRT:) الذي يعمل مع كنيسة المنونيت الشرقية “لإعداد المسيحيين في جميع أنحاء العالم لعلاقات مانحة للحياة مع المسلمين من خلال الحوار والشهادة وصنع السلام وكرم الضيافة.” انظر أيضًا القس بوب روبرتس ومنتدى الإيمان العالمي. ويُعَدّ معهد دراسات الشرق الأوسط الخاص بنا رائدًا في العلاقات السلمية بين المسلمين والمسيحيين في الشرق الأوسط. فريقنا قوة تتيح المجال لإجراء محادثات إسلامية مسيحية صريحة ومضيافة من خلال مؤتمر الشرق الأوسط، مبادرة خبز والملح والماجستير في العلوم الدينيّة لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (من ضمن مبادرات أخرى جديرة بالملاحظة).

اترك رد