ممتنون لأجدادنا … والإرساليّة تستمر!

العلاقات بين المسلمين والمسيحيين وحرية الضمير
يونيو 20, 2019
مقتطفات بارزة من مؤتمر الشرق الأوسط 2019
يوليو 4, 2019

بقلم وسام نصرالله

نُشٍرَت هذه المدونة آنفًا في النشرة الخاصة بالجمعيّة المعمدانيّة للإنماء التربوي والاجتماعي في حزيران/يونيو تحت عنوان “ممتنون لأجدادنا”. تمت لاحقًا إضافة تأمل إرسالي في نهاية المقالة لغرض هذه المدونة.

لقد كان صباح يوم الأحد وكان يومًا جميلًا عندما وصلت شيلا وزوجها تيم إلى كنيستنا في بكفيا. بعد انتهاء خدمة العبادة، تجمّع عدد من أعضاء الكنيسة المخضرمين بحماس حولهما، ينتظر كلّ واحد دوره ليلقي التحية على الزوار بالأحضان والقبلات القلبية.

على الرغم من أنني رأيت شيلا وتيم عدّة مرّات خلال الأسبوع، أدركت أنّني بالحقيقة لا أعرف قصتهما.

بالنسبة لجيل ما بعد الحرب الأهلية، إنّهما أمريكيان يتقنان اللغة عربية ولديهما قلب لعمل الله في لبنان. بالنسبة لجيل والديّ، هما عمليًا عائلة.

عندها فهمت أنّ المجيء إلى لبنان كان بمثابة العودة إلى جذورهما! كانوا في ديارهما.

وُلدت شيلا في لبنان عام 1955 في بيروت، بينما وصل تيم إلى لبنان مع والديه في عام 1961 حين كان في الرابعة من عمره. وأسرتاهما كانتا مرسلتين إلى الشرق الأوسط حيث قادوا بريادة العمل الإرسالي لمدة أربعة عقود. إنّهم الآباء المؤسسون للعديد من الخدمات والكنائس التي لا تزال قائمة حتّى اليوم. كان والدا تيم، بول وفرجينيا سميث، يعملان مع رعاة في الأردن، بينما استقر والدا شيلا، فينلي وجوليا غراهام، في لبنان.

كوني مهووسًا بالتاريخ، أردت أن أعرف القصة الكامنة وراء أسطورة غراهام، لذا قابلتهما في المكتب الرئيس للجمعية اللبنانية للإنماء التربوي والاجتماعي في المنصورية.

س: ما الذي جلب عائلتك إلى لبنان؟

شيلا: كان والدي، فينلي غراهام، ملاحًا لسلاح الجو الملكي في شمال إفريقيا والشرق الأوسط خلال الحرب العالمية الثانية. خلال مهمة في ليبيا، تم إسقاط طائرته من طراز لانكستر وكان هو الناجي الوحيد. عثرت عليه عائلة بدوية في الصحراء وأخذته واهتمت به. بعد هذه المحنة وبينما كان يصلي في بستان جثسيماني (نعم هذا صحيح!) شعر بأنّه مدعو للبقاء والخدمة في الشرق الأوسط. ثم التحق بمدرسة لغات في القدس لدراسة اللغة العربية.

والدتي جوليا ساكار وزوجها هنري هاغود جاءا كمرسلين من المعمدانيين الجنوبيين إلى الشرق الأوسط في عام 1945، مع انتهاء الحرب العالمية الثانية. في غضون عام من وصولهما، مرض هنري وتوفي في الناصرة. توقع الجميع أن تعود الأرملة الصغيرة وصغيرها البالغ من العمر عامًا واحدًا إلى أمريكا. غير أنّ والدتي كانت مصممة على البقاء والاستمرار لما جاءت لأجله إلى الشرق الأوسط. أسّست دارًا للأطفال الفقراء والأيتام في الناصرة وبدأت في تلقي دروس اللغة العربية في الوقت نفسه. وفيما كانت تواجه صعوبة في الكتابة، تم تعيين معلّم خاص لها من اسكتلندا كان يدرس اللغة العربية … والباقي تفاصيل في التاريخ!

عندما انتقل والدايّ إلى بلدة في الأردن، كانا يخططان للخدمة في الكنيسة المعمدانية في الناصرة. ولكن في عام 1948 اندلعت الحرب العربية الإسرائيلية ولم يعد بإمكانهم الذهاب إلى الناصرة. في زيارة إلى لبنان، تقابلا مع آل الشاروق الذين كانوا يصلّون كلّ يوم لكي يأتي أحد ويساعدهم في الخدمة. وبذلك باتوا مستقرين في بيروت!

س: هذا رائع! يبدو وكأنّه سيناريو من هوليوود! لقد سمعت أشخاص يتحدثون عن عربة معيّنة، ما الذي كان مميزًا في ذلك؟

شيلا: كانت عربة شيفروليه سوداء حيث كان والدي يكدّس أولاد المصيطبه[1]، عائلة قسطة، قسطنطين، والشاروق، في عطلة نهاية الأسبوع، ويقودهم إلى مدن مختلفة حيث يشاركون الإنجيل. خلال الأسبوع، كانت والدتي تحمّل السيارة بسيّدات المصيطبة ومتابعة البلدات التي زارها الرجال خلال عطلة نهاية الأسبوع. هكذا بدأت العديد من الكنائس المعمدانية في لبنان.

س: كيف خطرك لوالديك فكرة تأسيس كليّة لاهوت؟

شيلا: حسنًا، بدأت كليّة اللاهوت المعمدانية العربية حول طاولة مطبخنا قبل إنشائها في عام 1960. لقد نشأت عن حاجة واضحة. كان الشبّان يأتون ويدرسون كلمة الله مع والدي في وقت متأخّر للغاية من الليل. كان لديهم عطش للمعرفة.

أما أمي، فقد كانت منخرطة في الخدمة مثل والدي بالإضافة إلى رعايتي أنا وأخي وأخواتي الثلاث. كانت تتلمّذ الكثير من النساء وكانت تعلمهن القراءة والكتابة باللغة العربية! كانت خرّيجة جامعة بيلور، وكانت أوّل أمينة مكتبة في كليّة اللاهوت المعمدانية العربية. درَّست أيضًا اللغة الإنجليزية واستلمت العمل الإداري!

س: أدركت أيضًا أنّ مدرسة بيروت المعمدانية بدأت في منزلكم؟

شيلا: نعم! لقد بدأت في الطابق السفلي كحضانة والذي هو اليوم مبنى الروضة في المدرسة المعمدانية في بيروت! وفي كلّ عام كان يُضاف صفّ جديد! هناك قامت أمي بتدريس نبيل قسطة – الرئيس التنفيذي للجمعية اللبنانية للإنماء التربوي والاجتماعي- اللغة الإنجليزية!

س: كيف كان نبيل في شبابه؟

شيلا: لقد كان مثيراً للمشاكل! لكن والدايّ كانا سيفخران برؤية ما وصلت إليه الجمعية اللبنانية للإنماء التربوي والاجتماعي اليوم!

س: إذًا بدأت كلية اللاهوت المعمدانية العربية حول طاولة مطبخكم، والمدرسة المعمدانية في الطابق السفلي، و …

شيلا: … وتأكيد فكرة تأسيس الجمعية اللبنانية للإنماء التربوي والاجتماعي في منزلنا في واكو، تكساس! كان نبيل بزيارة لنا في عام 2009 وكنت أطلعه على برنامج التعليم الخاص في بايلور حيث كنت أعمل. في صباح اليوم التالي، جاء إليّ بابتسامة كبيرة قائلًا أنّ هذا هو المطلوب في لبنان حيث الاحتياجات فائقة! وقال أنّه سوف يحجز لي تذكرة سفر إلى لبنان حتّى أتمكّن من الحضور للمساعدة في وضع الأسس … وهذا ما فعلته!

س: متى كانت آخر مرة زرت فيها لبنان؟

شيلا: كان ذلك منذ 31 عامًا في سنة 1979! لقد كانت رحلة عاطفية للغاية! كانت العودة إلى دياري!

س: ما كان حلم والديك؟

شيلا: أن ينتشر الإنجيل في أنحاء شمال إفريقيا والشرق الأوسط من خلال السكّان المحليين وهذا ما تفعله كلية اللاهوت! تدريب رجال ونساء ليرجعوا للخدمة في مجتمعاتهم.

س: ما كان التحدي الأكبر؟

شيلا: أعتقد لأبي أنه لم يحدث أمر بالسرعة التي كان يودها! كان دائمًا يقول أنّه لا يوجد عدد كاف من الفعلة ولكن “الحصاد كثير”.

س: هل ترغبان في مشاركة كلمة أخيرة مع قرائنا؟

شيلا وتيم: لقد ورثتم أساسًا رائعًا والمؤمنون المحليون نموا وتوسّعوا! يمكن الآن للمرسلين في الغرب والشرق المجيء إلى هنا للتعلّم من تجربتكم! أخيرًا، احتفظوا بالروح الطيّبة والكريمة التي لديكم!

في الجمعية اللبنانية للإنماء التربوي والاجتماعي نحن ممتنون للمحبة والحماسة التي كانت لأجدادنا من أجل الله، وهذا البلد وشعبه. نحن ندرك أنّنا مجرد وكلاء للعمل الذي بدأه الله من خلالهم ومن خلال آخرين كُثُر. في يوم من الأيام، سيتعيّن علينا نقل هذه الوكالة للجيل التالي كما تمّ نقله إلينا. وفي خضم مسيرتنا مع الله، ندرك أنّ الأمر لا يتعلّق بإرساليتنا بل بإرساليته وإنّه لشرف لنا أن نكون جزءًا منها.

إضافة تأمليّة: بينما كنت أفكّر في قصة غراهام، أدركت أنّني أفتقر إلى الجوع نفسه لرؤية الله يتمجّد بغض النظر عن التكلفة. ما نفتقده هو “الشغف الرسولي” كما يقول فلويد ماكلونج في كتابه “أبعاد حول الحركة المسيحية العالمية”. في أيام الأحد، أحيانًا ننشد الترنيمة “كُلُّ ما عِندي لاسمه أُهد ي”، لكن في الواقع، نحن لا نهديه الكثير. كما يقول ماكلونج: “أعرف أنّ ما أفتقده في حياتي هو عندما أغني عن السماء ولكن أعيش كما لو أنّ الأرض دياري (…) وأفقد ذلك أيضًا، عندما أتخذ قرارات بناءً على الخطر الذي تنطوي عليه الأمور، وليس مجد الله”.

ينهي ماكلونج مقاله ببيان أشبه بالقنابل النووية التي ما زال تأثير إشعاعاتها ينبعث في قلبي: “إذا كان لديك شغف رسولي، فأنت أحد أخطر الناس على هذا الكوكب. فهذا العالم لم يعد يحكم قلبك. لم يعد يغريك الأخذ والكسب ولكنّك مكرس لنشر مجد الله وإعلانه بين الأمم. أنت تعيش مفرزًا، غير مرتبط باهتمامات هذا العالم. أنت لا تخاف من الخسارة. لا بل تجرؤ على الإيمان بأنّك قد تحصل على شرف الموت لنشر اسمه على الأرض. أضحى شغف الآب شغفك. وتجد مسرّتك وأهميتك فيه”.

بالنسبة إلى مناصري حظر الانتشار النووي، إنّ ملاحظة جورج إلتون لاد في كتابه عام 1959، “إنجيل الملكوت”، قد تكون أقل نشاطًا نوويًا، لكنّها مميتة أيضًا: “كيف يمكننا أن نعرف متى تكتمل الإرسالية؟ ما مدى اقترابنا من إنجاز الإرسالية؟ (…) أعرف أمرًا واحدًا فقط: المسيح لم يعد بعد؛ وبالتالي لم تنتهِ المهمة بعد (…) فلننشغل ونكمل إرساليتنا”.


[1] الكنيسة المعمدانية الأولى في بيروت في منطقة المصيطبة.

اترك رد