التأمل في زحمة السير بعدسة لاهوت الخطيئة

إخراج الثالوث من البرج العاجي
يوليو 11, 2019
تأملات حول المواطنة
يوليو 25, 2019

بقلم كالب هاتشرسون

هل سبق لك أن فكرت في لاهوت الخطيئة وأنت عالق في زحمة السير؟ تلك القهقهات التي أسمعها لا تقلقني. وبالطبع أنت محق. أصدقائي وعائلتي يضحكون أيضًا من تفحصي الأبله الدائم لحياتنا اليومية باستخدام عدسات لاهوتية. غير أنّني أعتقد أنّه ثمة شيئًا ما يمكن أن نكتسبه عندما ندرك ونتأمّل في تصرفات الحياة اليومية وممارساتها أنّها قد تكون شكلًا من أشكال حديثنا عن الله بكلّ ما في الكلمة من معنى. قد يكون التأمل قصيرًا أو طويلًا، مركّزًا أو فلسفيًا. إلّا أنّ ممارسة التأمل اللاهوتي في حياتنا اليومية يمكن أن يساعدنا على النمو لنكون أكثر وعيًا بالطرق التي يمكن أن يتشكّل فيها حديثنا عن الله (بالأقوال والأفعال) من خلال الحياة ويشكّل في الحياة في آنٍ معًا.

هذا التأمل بالتحديد تدفّق في ذهني في خضم الإحباط المربك الذي انتابني أثناء جلوسي مرة أخرى في بيروت، محاولاً العودة إلى المنزل من العمل. كان ذلك بعد أن بدأت حركة المرور الخفيفة في فصل الصيف من شهر آب/أغسطس الحارق قد بدأت تزداد زحمةً.

والآن إليكم القليل من خلفية الموضوع قبل أن نمضي قُدمًا. مع اقتراب فصل الشتاء وفيما تبدأ المدارس بفتح أبوابها في الخريف يضحي الوصول إلى أيّ مكان في بيروت يستغرق وقتًا أطول. تبدأ الحركة المرورية تزدحم شيئًا فشيء ورحلة 12 كم عبر هذه المدينة قد تستغرق ما بين 40 دقيقة إلى ساعة ونصف الساعة. إلّا إذا “في شي” (“ثمة شيء”). قد يكون “الشي” عبارة عن إغلاق الطريق “لأنّو عم بيزفتوا” (لأنّهم يعبّدون الطريق)، أو حادث سير، أو لمجرد أنّ شخصًا ما قاد “عكس السير” (عكس حركة المرور) في شارع ذات اتجاه واحد. عندها يكتظ كل شيء والحرارة تزيد السائقين عدوانية بما يتخطى درجة الغليان.

كنت في طور العمل على مراجعة مقرّر يتتبع التطور التاريخي لفهم الكنيسة للخلاص والكفّارة. إحدى النقاط التي يتعلّق فيها فهمنا للخلاص ترتبط بالكفّارة. ما هو عملها في الواقع؟ وعلى وجه التحديد، ما هي المشكلة التي تتعامل معها الكفّارة؟ نعم، بالطبع الكفّارة “تحلّ” مشكلة الخطيئة. ولكن كيف؟ وفي الأيام والأسابيع التي سبقت ذلك اليوم المحبط الذي علقت فيه بزحمة السير الخانقة في بيروت، كنت أعيد قراءة المذكرات والمقالات والمبادئ اللاهوتية التي تتعامل مع السؤال، “ما هي مشكلتنا على أي حال؟”. كانت الخطيئة في ذهني.

إحدى العدسات التي كانت عالقة بذهني من أيامي في كلية اللاهوت كانت كيف أكون مُدركًا لانكساري حين يكون هذا الانكسار عينه هو الذي يمنعني من رؤيته فعليًا. أعتقد أن الفكرة جاءت من قراءتنا لكتاب كورنيليوس بلاتينغا جونيور، “ليست الأمور كما من المفترض أن تكون: كتاب الخطيئة. الليونة في الموقف تجاه الانكسار المتفشّي في كلّ مكان حولنا، وداخلنا، هي النتيجة الأساسية بالنسبة لي من هذا الكتاب. لا أتذكر ما إذا استخلصت هذه النتيجة من الكتاب نفسه أو من الأستاذ الذي كان يوجه قراءتنا، لكنني تعلمت أن أكون أكثر وعيًا بمساهمتي في هذا الانكسار من خلال هذا الاختبار البسيط. عندما أمارس روتيني اليومي وأجد نفسي محبطًا أو منزعجًا من مشكلة ما، فإنّ الحل الذي أتوصل إليه يجب أن يبدأ بطريقة ما باعترافي بتواطؤي الخاص بهذه المشكلة. إنّ أحد المصادر المساهمة في تفاقم المشاكل هو في داخلي. بعبارة أخرى، إذا كنت تريد أن ترى ما هو الخطأ في العالم، ابدأ بالنظر إلى نفسك.

هذه الحقيقة البديهية فعّالة للغاية لأنّ إحدى طرق التعبير عن مشكلة الخطيئة النظامية هي كبريائي العميق، غطرستي، أنّني بخير. إنّ الانكسار يشكّلني لأرى فقط المشكلة الكامنة خارجي، في الآخرين كلّهم وفي كلّ شيء آخر. لكن أنا بخير ولعلّ أحد مظاهر انكسارنا هو أننا جميعًا نتفكّر في هذا الأمر، ونتصرف كما لو أنّ ما أقوم به أنا هو “على ما يرام”، لكن ما يفعله الآخرون … حسنًا، هم المشكلة.

أدخلوا بيروت الصاخبة بجنونها في هذه المعادلة. إليكم قاعدة القيادة في بيروت: الكلّ يعتقد أنّهم أهم شيء على الطريق. هذا هو المبدأ الحاكم الذي ينظّم حركة المرور في بيروت. افترض أنّ كلّ من تراهم من حولك يفعلون الأمر نفسه. إذا تركت مساحة 5 سم بين المصدّ الأمامي الخاص بك والواجهة الخلفية للسيارة التي أمامك، فسيقوم شخص آخر بزجّ سيّارته في تلك المساحة ليمرّ. تحيا عن طريق القيام بما يجب عليك القيام به للوصول إلى حيث تريد أن تذهب. جدول أعمالي هو الأهم. يجب على كلّ شخص آخر أن يتنحّى من طريقي. لا أعتقد أنّ بيروت هي المكان الوحيد الذي يحكم فيه هذا المبدأ حركة المرور على الطرقات. لكن الافتقار إلى الرقابة يجعل الأمر يبدو فاضحًا.

بينما كنت في طريقي إلى المنزل مرة أخرى في ذلك اليوم من أواخر الصيف، واجهت ازدحامًا على أحد الطرق الرئيسة التي أسلكها. وطرأت الفكرة في ذهني، “عالق في زحمة السير مرة أخرى!” (وأنا أغلي غضبًا). ثم فكّرت في لاهوت الخطيئة وكيف يمكن ممارسته في هذه التجربة من انكسار حركة السير.

إليكم بعض الأفكار التي خطرت في ذهني أثناء جلوسي في زحمة السير:

  1. أنا لست فقط عالق في زحمة السير… أنا الزحمة بذاتها. بالنسبة للرجل العالق خلفي، أنا الزحمة. لكلّ شخص من حولي جدول أعمال مهم، مثلي تمامًا، وأنا ازدحام المرور بالنسبة لهم. المشكلة هنا هي أنا، تمامًا مثل أي شخص آخر.
  2. أن أجلس بمفردي في قفص مكيّف يسع لـ 7 أشخاص (إنّها سيّارة صغيرة لـ 7) أثناء انتقالي من عملي إلى منزلي كان يتسبب لأشخاص من حولي بزيادة سيارة أخرى أمامهم وهم في طريقهم إلى وجهتهم الهامة.
  3. أماني الخاص في تلك الرحلة من العمل إلى المنزل يعني أنّني كنت أعرّض البيئة والأشخاص من حولي إلى كميات من ثاني أكسيد الكربون وغيره من الانبعاثات لتحريك نفسي وطن من المعدن الصلب والبلاستيك والزجاج الذين يصنعون القفص الواقي الذي أنا فيه والمتنقل على عجلات متحركة. كان جدول أعمالي هو السائد.
  4. جدول أعمالي الخاص الذي يقتضي بالوصول إلى المنزل بأسرع ما يمكن دفعني إلى قطع بعض السائقين الذين أمرّ بمحاذاتهم، كلّ ذلك مبرّر في ذهني باعتباره ضروريًا لمنعهم من قطعي. الوصول إلى بيتي: مهم. وصولهم إلى أينما هم ذاهبون: غير مهم. والكلّ يتصرّفون في الإطار نفسه.

تلك هي الأفكار القابلة للمشاركة التي تبادرت إلى ذهني. الأفكار الأخرى من الأفضل تركها خارج السجل الدائم. إنّ التأمل في الانكسار الذي كنت أعانيه في الازدحام المروري قد حدا بي إلى الاعتراف بتواطؤي في المشكلة. وأدعوكم أن تفعلوا الأمر نفسه. ماذا تُخبِر ممارساتنا في النقل، كأتباع ليسوع، عن الله للمجتمع الذي نعيش فيه؟ تجوّل تأملي من هناك إلى ما قد يعنيه الخلاص في سياق زحمة السير. ماذا يمكن أن تعني الأخبار السارة حول الخلاص … استعادة الأشياء إلى الطريقة التي من المفترض أن تكون عليها… في الممارسة الدنيوية المتمثلة في تنقلاتنا؟


ملاحظة: هذه نسخة منقّحة لمدوّنة نشرها معهد دراسات الشرق الأوسط في 30 آذار/ مارس 2017.

اترك رد