التعليم اللاهوتي يشكّلنا للخدمة النبويّة

تأملات حول المواطنة
يوليو 25, 2019
الكنيسة وتفاهة الشر
أغسطس 8, 2019

بقلم مرتان عقّاد

عندما نفكّر في التعليم اللاهوتي في بلد مثل لبنان، فإننا مضطرون إلى التفكير على نحوٍ مختلف عن الطريقة التي يُفهم فيها التعليم اللاهوتي في أوروبا أو أمريكا الشمالية. في العديد من كليّات اللاهوت حول العالم، سواء في الغرب أو للأسف أيضًا في الشرق الأوسط، لا يزال الطلاب يدرسون كيفية تفسير النصوص الكتابية في المقام الأول لأغراض الوعظ. قد يدرسون أيضًا مقرَّرين في المشورة وبعض الصفوف حول الخدمة الراعوية. قد يُقدَّم لهم عدد محدود من المقررات في علم الإرساليات، ولكن غالبًا ما تقدّم كمواد اختيارية يمكن للطلاب التهرب منها. يعكس هذا عقلية قديمة، حيث ترى كلية اللاهوت نفسها تعمل في خدمة “العالم المسيحي” – مجتمع تسود فيه المسيحية وتعيش فيه الكنيسة غالبًا بعقلية النصر. غير أنّ نسبة كبيرة من كليات اللاهوت باتت تدرك وعلى نحوٍ متزايد أنّها تعمل في عالم ما بعد المسيحية. وحين كانت كليات اللاهوت تعمل في سياق فيه المسيحية أغلبية، كان تشكيل القادة أساسًا هو تطوير قادة الخدمات الكهنوتية في الكنيسة. ولكن وبصورة متزايدة، ومع تحول العالم إلى “ما بعد المسيحية”، حيث المسيحية أقلية، بات تشكيل القادة يتكل على إعداد قادة الخدمات “النبوية” للكنيسة.

في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حدث التحول من العالم المسيحي إلى عالم ما بعد المسيحية في غضون الثلاث مئة عام الأولى بعد ظهور الإسلام – في وقت ما خلال القرن العاشر – حيث انخفض عدد السكان المسيحيين إلى حوالي 50 ٪. ولقد تلاشت كنيسة العالم المسيحي بعيدًا عن ذاكرة كنيسة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وأود أن أشير أنّه في كليات اللاهوت التي تدرك دورها “النبوي”، سواء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أو خارجها، يتكوّن التعليم اللاهوتي من عملية “التفكيك” و”تغيير النموذج” و”إعادة بناء” وعي بديل. في الفقرات القليلة التالية، سوف أتطرق إلى ما تعنيه هذه العملية من الناحية العملية بالنسبة إلى كلية “ذات المنحى النبوي” في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

تفكيك فكر الأقلله: تفكيك الخطاب السائد حول المسيحيين الشرقيين

من المسؤوليات الأساسية لأعضاء هيئة التدريس في كليات اللاهوت في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تفكيك الخطاب السائد لتصور الذات كأقلية بين طلّابهم. في ظلّ ترعرع المسيحيين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلى حدّ كبير، كجزء من مجتمعات صغيرة من المؤمنين الذين يعيشون في خضم مجتمعات ذات أغلبية مسلمة، نراهم يميلون إلى تطوير غريزة حماية الذات، وفي كثير من الحالات غرائز البقاء غير الصحيّة. إذا لم تعزم كليات اللاهوت على مواجهة هذه الميول، فسيستخدم الطلاب المعرفة الجديدة التي يكتسبونها في الكلية لإعطاء تبريرات كتابية ولاهوتية وجهات النظر العالمية التي تعزّز عزل الآخر مع شعور زائف بالبطولة، كأقليات تعيش في سياقات معادية.

لذلك عندما ندرّس في كليات لاهوت الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فإنّنا نتحمل مسؤولية تفكيك النظرة الذاتية لطلابنا على أنّهم أقلية. إن تمثيل شعب الله باعتباره بقية مؤمنة هو أمر شائع بالطبع في العهد القديم. غير أنّ تركيزنا في دراسة السرد الكتابي يجب أن يكون على البقية المفدية لغرض مباركة الأمم، بدلاً من البقية الأمينة التي تصارع للحفاظ على برّها في عالمٍ معادٍ. من منظور العهد الجديد، النظرة الأولى للبقية المفدية تعكس بأمانة نعمة الله الفدائية أكثر من النظرة الثانية التي تركّز على برّ البقية. هدفنا يجب أن يكون تطوير كنيسة منفتحة ومندمجة بصورة جيّدة في المجتمع.

تشكيل نموذج شمولي: إلغاء التصورات المتطرفة تجاه “الآخر”

بمجرد أن يتم تحدّي السرد السائد “للأقلية المضطهدة”، فإن مسؤوليتنا تجاه طلابنا هي مساعدة طلابنا على إلغاء تصوراتهم المطرفة تجاه “الآخر”. هذا بالطبع أيضًا تحدٍ كبير نواجهه. لم يولد التصور المتطرف للإسلام بين طلابنا من العدم. غالبًا ما شهد المسيحيون في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تهميشًا لأتباعهم وفرصًا غير متكافئة يواجهها كبارهم في مكان العمل. وهم يشهدون مختلف مظاهر العنف، مثل إحراق الكنائس والشغب ضد مجتمعاتهم الضعيفة، والتي غالبًا ما تثيرها الحكومات الصامتة.

عندما نعلّم الإسلاميات في كليات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يجب أن يكون العنصر الأساسي هو تعزيز مجتمع يمكن أن يكون شاهدًا منفتحًا ونشطًا في مجتمعات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وذلك من خلال التأكيد على التنوع الموجود في مظاهر الإسلام المختلفة. من السهل، بطبيعة الحال، الوقوع فريسة للخطاب المهيمن والانضمام لجوقة المغنين على لحن الشكوك المتصاعدة تجاه الإسلام عالميًا. غير أنّ التكلفة النهائية لمثل هذا النهج سيكون تعزيز مجتمع عاجز عن “المفديين” الذين يكافحون من أجل البقاء على قيد الحياة في بيئة معادية. من ناحية أخرى، من خلال إزالة التطرف من الخطاب المهيمن وبمساعدة طلابنا على اكتساب فهم أكثر شمولية لـ “الآخر”، فإنّنا نشكّل قادة مسيحيين مقتنعين تمامًا بدورهم البنّاء في تحويل المجتمع. عندئذ تصبح الكنيسة عنصرًا حاسمًا لا غنى عنه في التركيبة الاجتماعية للمجتمع، وليس أقلية مضطهدة في طريقها إلى الانقراض.

تطوير “وعي بديل”: إعادة بناء دور مجتمع الإيمان كعنصر محوِّل للمجتمع

بعد تفكيك السرد السائد لـ “الأقلية المضطهدة”، والسير مع طلابنا في تحول نموذجي من نظرة ضيقة إلى نظرة شمولية أكثر إلى المجتمع، فإن دورنا كمعلمي لاهوت هو المساهمة في إعادة بناء “الوعي البديل” في طلابنا. يجب أن يكون خريجو كليات اللاهوت قادرين على رؤية جيرانهم المسلمين الأكثرية كشركاء محتملين في تطوير المجتمع نحو الأفضل، بدلاً من أن يكونوا أغلبية قمعية يسعون إلى قمعهم. خيالهم بحاجة إلى التحرّر إلى الحد الذي يمكنهم من خلاله رؤية أنفسهم كجزء ناشط من مستقبل متغيّر، بدلاً من أن يكونوا ضحايا سلبيين لحاضر منحلٍ وكمدٍ لماضٍ مقفر. إذا لم يخرج خريجونا من كلية اللاهوت برؤية ديناميكية لدورهم كقادة لمجتمع إيمان مفدي، مدعوون إلى بناء السلام في خضم النزاع، فسوف تضيع دعوة المسيح للجيل القادم لتكون كنيسته ملحًا ونورًا للمجتمع. إذا لم يقودوا مجتمعات متصالحة مع الله ومع أنفسهم، فإنّهم سيفتقدون الفرصة ليكونوا وكلاء للمصالحة بين مجتمعاتهم والله وبين مختلف مكونات مجتمعاتهم.

ولامتداد هذه الرؤية إلى مستوى أوسع، أود أن أقترح أن هذه العملية التكوينية للتفكيك، وتغيير النموذج، وإعادة البناء، قد تعمل كمخطط جديد لكليات اللاهوت على مستوى العالم الذين ينظرون إلى إرساليتهم على أنّها “نبوية” على نحو أساسي. غالبًا ما كان دور كلية اللاهوت تفكيك الفهم الطفولي المتصور لله لفهم أكثر تعقيدًا، من خلال رحلة أزمة الإيمان. لكنّني أود أن أزعم أنّ هذه المهمة، التي تتم بصورة أساسية على المستوى الفكري، تسعى إلى حد كبير إلى خدمة الذات. الكنيسة كجماعة المفديين في المسيح مدعوة لتخرج العالم (المعنى الأساسي لـ ekklesia في اليونانية) ليس لخدمة نفسها والحفاظ على ذاتها، ولكن للعودة وخدمة المجتمع وإرسالية الله في العالم. تمر الكنيسة خارج منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي اعتادت على شغل موقع الأغلبية في المجتمع، بأزمة كبرى، كما يبدو لي، حيث تتحول بصورة متزايدة إلى مجتمع أقلية. وهذا ما يُظهر على أرض الواقع أنّ الكنيسة الآن في جميع أنحاء العالم بحاجة إلى أن تتعلم بعناية ما يعنيه العيش في عالم ما بعد المسيحية. الملح، هذا المنكّه الذي يبدو عديم الأهمية، هو ما يمنح الطعّام ذوقًا. النور، هذا المصدر السري للحياة في الظلام الطبيعي ليس المقصود أن يكون مخفيًا تحت المكيال. يشبه ملكوت الله بذرة الخردل التي عندما توضع في التربة ويسمح لها بالموت، تنبت وتنمو لتصبح شجرة كبيرة أو شجيرة يمكن أن توفر المأوى والتوابل للمجتمعات التي تحتاج إلى كليهما. ستحتاج كليات اللاهوت في جميع أنحاء العالم إلى لعب دور رئيس في تخريج الطلاب بهذا المفهوم الجديد لهدفهم، إذا كانت الكنيسة ستستمر كوكيل لتغيير الله في عالم غالبًا لا هدف له.


ملاحظة: هذه نسخة منقّحة لمدوّنة نشرها معهد دراسات الشرق الأوسط في 2 آذار/ مارس 2017.

اترك رد