الكنيسة وتفاهة الشر

التعليم اللاهوتي يشكّلنا للخدمة النبويّة
أغسطس 1, 2019
هل يحقّ للفقراء التماس العدالة والتحرير؟
أغسطس 15, 2019

بقلم سوزي لحّود

لأَنَّ الشَّيْطَانَ نَفْسَهُ يُغَيِّرُ شَكْلَهُ إِلَى شِبْهِ مَلاَكِ نُورٍ! (2 كورنثوس 11: 14)

تفاهة الشر

عندما وافقت الفيلسوفة السياسية الكبيرة، هانا أرندت، على تغطية محاكمة الزعيم النازي، أدولف ايخمان، أشك في أنّها كانت هي أو أي شخص آخر يتوقعون الاستنتاج المروّع الذي توصّلت إليه. في صياغة مصطلح “تفاهة الشر”، كشفت أرندت عن الحالة الطبيعية المرعبة التي كانت تسود الآلة النازية في تنفيذ الحلّ النهائي[1]. فيما وصفته أرندت بأنّه “محاكمة صورية”، أثبت الشرير الذي في واجهة العرض أنّ دافعه لم يكن العقلية السادية بقدر ما هو الطاعة اللامترددة والشعور بالواجب[2]. وعلى غرار ذلك فالأمر المثير للقلق هو وصف كره أيخمان للعنف غير المبرر وعدم شجاعته الكافية لهرق الدماء. لم يقف أمام المحكمة، بصورة المشوش، القاتل ذي الدم البارد، بل “كمواطن عادي يحترم القانون”[3].

لم يكن هدف أرندت التقليل من أهوال الجرائم المرتكبة التي لا توصف، بل تحدي الصورة الشعبية لمرتكبيها على أساس الأدلة[4]. على الرغم من أنّ استنتاجها مثير للجدل، فقد يجادل المرء بأن استنتاجها كان أيضًا أكثر إثارة للقلق. وفقًا لأرندت “المشكلة مع ايخمان بالتحديد هي أنّ كثيرين كانوا مثله، وأنّ الكثيرين لم يكونوا منحرفين ولا ساديين، وأنّهم كانوا وما زالوا، وعلى نحوٍ رهيب ومرعب،… بهذه الحالة الطبيعية المرعبة أكثر بكثير من كلّ الأعمال الوحشيّة مجتمعة “[5].

إنّنا ننسى بسرعة هائلة.

ثمة جزء آخر من التاريخ في غير محلّه من تلك الفترة المظلمة نفسها وهو الصراع الداخلي الذي اجتاح الكنيسة الألمانية آنذاك. وفي الوقت الذي يجّل فيه الإنجيليون في القرن الحادي والعشرين، ولا سيّما أولئك في الغرب، الشجاعة الأخلاقية للاهوتيين الألمان مثل ديتريش بونهوفر وكارل بارث، يبدو أنّهم ينسون أنّ قادة الكنيسة الذين مثل هؤلاء اللاهوتيين كانوا مندثرين بين الأقلية. وكما بات معروفًا أنّ صراع الكنيسة حرّض غالبية الكنائس البروتستانتية، التي انحازت إلى الدولة النازية، ضدّ حركة الكنيسة المعتَرِفة (حركة أسّسها بونهوفر، بارث وآخرون)، والتي ناضلت من أجل استقلال الكنيسة عن سيطرة الدولة[6]. وقد زاد الأمر تعقيدًا أولئك الذين أرادوا فقط تجنب الصراع من الخارج ومنع الانشقاق من الداخل[7]. ومع ذلك، تم تأطير هذا النضال في المقام الأول من الناحية السياسية بمصطلح سيادة الكنسية وفقط في حالة بونهوفر وكارل بارث، وقلّة آخرين صُنِّف نضالهم بالغضب الأخلاقي الحقيقي.

قد يجادل المرء بأنّنا نشهد صراعًا مشابهًا اليوم في الإنجيلية الغربية، وبخاصة داخل الكنيسة في أمريكا.

“الشيء الوحيد الذي يحتاجه الشر لكي ينتصر، هو أن يقف الأخيار مكتوفي الايدي يتفرجون.”[8]

تحمّل المسؤولية في عصر ما بعد الحقيقة

قيل لنا أنّنا نعيش اليوم في عصر ما بعد الحقيقة. الحقيقة هي أنّ المجتمع كان هنا من قبل. تلاحظ أرندت في مقالة أخرى بعنوان “أصول الاستبدادية”، أنّ الأنظمة الاستبدادية مثل ألمانيا النازية وروسيا الستالينية مألوفة جدًا،

في عالم دائم التغير وغير مفهوم، وصلت الشعوب إلى نقطة حيث باتوا يصدّقون كلّ شيء ولا شيء في الوقت نفسه، ويفكّرون أنّ كلّ شيء ممكن وأن لا شيء حقيقي … واكتشفت حملات الدعاية الجماهيرية أنّ جمهورها جاهزًا أن يصدّق الأسوأ دائمًا، مهما كان سخيفًا، ولم يعترض على أن يتعرض للخداع لأنّه يحمّل كل عبارة احتمال الكذب على أيّة حال. اعتمد زعماء الجماهير الاستبداديين في حملاتهم الدعائية على الافتراض النفسي بأنّه، في ظلّ هذه الظروف، يمكن للمرء أن يجعل الناس يومًا يصدّقون البيانات الرنّانة، وأن يثقوا في أنّه في اليوم التالي لو حصل الناس على دليل دامغ على زيف هذه البيانات، سيلجأون إلى السخرية، بدلاً من ترك الزعماء الذين كذبوا عليهم، وقد يحتجّون على أنّهم لطالما علموا أنّ البيان كان كذبة ويُقدّرون الزعماء لبراعتهم التكتيكية المتفوقة.[9]

نحن نُخدع بسهولة جدًا. إلّا أنّه بدلاً من توجيه أصابع الاتهام نحو زعمائنا، ووسائل الإعلام من حولنا، والجماهير الخائفة المحتشدة على حدودنا، والإرهابيين الذين لم نذكر أسماءهم المنتشرين في كلّ حدبٍ وصوب، ربمّا قد حان الوقت لنا، ككنيسة، أن نبدأ بتحمّل مسؤولية أفعالنا.

إلى أي مدى نحن نتحمّل المسؤولية عن الفوضى التي نواجهها حاليًا؟

في حين أنّه ثمة شركة غنية في الحياة الجماعية، والتفكير الجماعي، والنظرة الجماعية للعالم، فإنّ هذا المعنى المجتمعي نفسه ضلّ بسهولة في طريق العنف الاستبدادي. المشكلة، في كثير من الأحيان، ليست أنّنا لا نعرف. المشكلة هي أنّنا كثيرًا ما نفشل في القيام بالعمل الشاق في البحث عن الحقيقة. إنّنا نغفل عن الحقيقة الأساسية المتمثلة في أنّ الحقيقة لا تظهر دائمًا بوضوح. يجب البحث عن الحقيقة. يجب اختبار الحقيقة وتجربتها. يجب اغتنام الحقيقة بأيّ ثمن، حتّى لو كان أنفسنا.

ربّما لا نريد أن نعرف لأننا في أعماقنا، نعرف بالفعل. لذلك نختبئ بين الحشود. نختبئ في المقاعد. نختبئ في المقاهي. نحاول الهروب من الجنون بعدم كشف هويتنا.

لكن من أين التوبة في اختبائنا؟ عندما ينادينا الله، “أين أنت؟” فأين في الفردوس المفقود لأرواحنا ومجتمعاتنا يمكننا أن نتواصل مع خالقنا؟ لكي نخرج إلى النور يجب أن نعترف أولاً بأننا نختبئ، وأن نخرج من الاختباء يعني أن نفضح عرينا.

ذنبنا يتطلّب أكثر بكثير من مسوح ورماد. وكما يقول النبي عزرا حتّى لو أثبتنا أنّنا بلا لوم، إذا لم نرجع بكلّ نفوسنا للحقيقة التي فقدناها، فعندها من المؤكّد أنّنا يجب أن ننوح على الخسارة الجماعية للحقيقة. يجب أن نعترف أنّنا فشلنا في أن نكون ملحًا ونورًا. أنّنا قد نكون من أعراض المشكلة أكثر من كوننا الحلّ لها. يجب أن يكون هذا الاعتراف جماعيًا، ولكن يجب أن يكون شخصيًا أيضًا، لئلا نعود إلى اللامبالاة ونتجنب كأفراد القيام بأعمال توبة ملموسة.

“عندما يكون الجميع مذنبين، فلا أحد مذنب؛ اعترافات الذنب الجماعي هي أفضل ضمانة لعدم اكتشاف الجناة، وجسامة الجريمة هي أفضل عذر لأن نقف مكتوفي الأيدي من دون أن نحاول القيام بشيء”[10].

لن تُعاد الكَرّة

“لن تُعادَ الكَرّة أبدًا”، هذه ليست صرخة المنتصر؛ بل هي اعتراف بالذنب. إنّها صرخة التوبة. “لقد حدث ذلك مرّة، لكنّه لن يحدث مرة أخرى”. إنّه وعدٌ باستعادة اليقظة. ولكن أين تكمن اليقظة حين يعود هذا الشر نفسه إلى الظهور بصورة مختلفة، ونحن لا نعرف ذلك؟ حين تحتل الإيديولوجيات القومية مركز الصدارة باسم حماية حدودنا على حساب الترحيب بالغريب؟ حين يُضطهَد المسلمون في الغرب باسم المسيحيين المضطهدين في الشرق؟ فإنّنا ننفّس خوفنا وغضبنا على البشر الأبرياء الذين هم في الواقع ضحايا أكثر من كونهم جناة، وهذا هو تعريف كبش الفداء.

ليس من السهل دائمًا التعرّف على الشر. غالبًا ما يكون من السهل أن نخطئ في تحديده – إذ يأتي متسربلًا بثوب الوطنية والحماية، ونعم حتّى الالتزام الأخلاقي.

في المعركة لتحقيق العدالة والحقيقة، لا يُسمح لأحد بالجلوس على الهامش. إنّها ليست رياضة للمتفرجين. إنّه صراع مدى الحياة وسيقدم كل واحد منّا حسابًا. وعندما نكون قد حسمنا توبتنا، ثمة ما هو أعظم من الدينونة، لئلا نعيد الحكم على أنفسنا. وهو أن نمنح المغفرة.

“المغفرة هي الطريقة الوحيدة لعكس مسار التاريخ الذي لا رجعة فيه.”[11]

تؤكّد أرندت كذلك على قوة المغفرة السامية في تأملاتها حول “حالة الإنسانية”. “إنّ الخلاص المحتمل من مأزق اللارجعة – عدم القدرة على التراجع عمّا قمنا به – هو الغفران”. هذا هو الاستنتاج العميق الثاني لأرندت: القوة الوحيدة الفعّالة بما يكفي لكسر حلقة الشر والعنف بلا عودة هي المغفرة.

“الرحمة تنتصر على الدينونة”.[12]

من الجيد أن تتذكّر الكنيسة أنّه حتّى عندما نشعر أنّ ردنا مبرّر على الأخطاء التي ارتُكبَت ضدّنا، فإنّ المغفرة لأمر إلهي. تستمر الهجمات الجديدة في تمزيق غشاء جرائم الماضي، ومن المأساوي أنّنا لا نستطيع العودة في الوقت إلى الوراء. نحن لا نقدر إعادة إحياء الأرواح التي فُقِدَت. ولا يمكننا محو الندوب من نفسنا الجماعية. ومع ذلك، إذا أخفقنا في المغفرة، كما يذكرنا اللاهوتي ميروسلاف فولف، فإننا في خطر التحول إلى صورة الجاني.[13]

السعي بلجاجة للحقيقة. التوبة. المغفرة. هذه هي دعوة الكنيسة في هذا الزمن.

“الحقيقة المحزنة هي أنّ معظم الشرور يرتكبها أشخاص لا يحسمون أمرهم ما إذا كانوا أخيارًا أم أشرارًا”.[14]

كم بالحري هذا الأمر مأساوي بالنسبة لأولئك الذين يدّعون تمثيل الله الذي يحدّد الخير؟ وكم من الصعب أن نتصوّر أنّ الأشخاص الذين يزعمون أنّهم يتبعون الحقيقة غير قادرين على تمييزها؟ وكم هو محزن عندما يكون أولئك الذين يزعمون أنّهم يسيرون في النور عميانًا لا يبصرون علامات الأزمنة؟

يجب أن يكون أتباع المسيح، من جميع الشعوب، أوّل من يدرك أنّ الشر ليس قوة غامضة وشريرة “في مكان ما هناك”. إنّه يتنكّر في ثوب الدين والطاعة العمياء. إنّه معركة داخل كلّ قلب بشري، ويخسرها بسهولة أولئك الذين يرفضون القتال.

في كثير من الأحيان كانت الكنيسة في الجانب الخطأ من التاريخ، وفي كلّ مرّة نصرخ: “لن تُعاد الكَرّة أبدًا!”


ملاحظة: هذه نسخة منقّحة لمدوّنة نشرها معهد دراسات الشرق الأوسط في 23 شباط/ فبراير 2017.

[1] Arendt, Hannah, and Amos Elon. Eichmann in Jerusalem: A Report on the Banality of Evil. New York, NY: Penguin Books, 2006.

[2] المرجع نفسه.

[3] المرجع نفسه.

[4] Butler, Judith. “Hannah Arendt’s Challenge to Adolf Eichmann.” The Guardian. August 29, 2011. Accessed February 16, 2017. https://www.theguardian.com/commentisfree/2011/aug/29/hannah-arendt-adolf-eichmann-banality-of-evil.

[5] Arendt, Eichmann in Jerusalem.

[6] “Kirchenkampf.” The Concise Oxford Dictionary of World Religions. Encyclopedia.com. (February 16, 2017). http://www.encyclopedia.com/religion/dictionaries-thesauruses-pictures-and-press-releases/kirchenkampf

United States Holocaust Memorial Museum. “The German Churches and the Nazi State.” Holocaust Encyclopedia.

[7] United States Holocaust Memorial Museum. “The German Churches and the Nazi State.” Holocaust Encyclopedia. Accessed February 16, 2017. https://www.ushmm.org/wlc/en/article.php?ModuleId=10005206; Littell, Franklin H. “’Kirchenkampf’ and Holocaust: The German Church Struggle and Nazi Anti-Semitism in Retrospect.” Journal of Church and State 13, no. 2 (1971): 209-26. http://www.jstor.org/stable/23914357.

[8] Edmund Burke

[9] Arendt, Hannah. The Origins of Totalitarianism. Harcourt, New York, Brace & World, 1968.

[10] Arendt, Hannah. On Violence. S.l.: Important Books, 2014.

[11] Arendt, Eichmann in Jerusalem.

[12] يعقوب 2: 13

[13] Volf, Miroslav. Exclusion and Embrace: A Theological Exploration of Identity, Otherness, and Reconciliation. Nashville, TN: Abingdon Press, 2008.

[14] Arendt, Hannah. The Life of the Mind. San Diego: Harcourt Brace Jovanovich, 1981.

اترك رد