الشهادة والعدالة في علاقات الإنجيليين مع الحكّام

يسوع المسيح، المسلمون والقرآن: بحثًا عن بناء السلام الإعلاني
أغسطس 29, 2019
سوء الفهم بنوايا حسنة: مواجهة خمسة مفاهيم خاطئة في العلاقات الإسلامية المسيحية (الجزء 1)
أكتوبر 10, 2019

بقلم وسام الصليبي

سألني صحفي سويسري مؤخرًا، “هل يجب أن تكون المنظمات المسيحية محايدة تجاه الحكومات؟” وذلك حينما تطرّقنا إلى موضوع مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي. انعكاسات موقف الحياد هي استمرار العمل كالعادة واعتباره شكلًا من أشكال الشهادة المسيحية. أمّا البديل فهو قطع العلاقات بين المسيحيين وهؤلاء الحكام. وإجابتي كانت شيئًا من هذا القبيل: “هل الله محايد؟ بالتاكيد لا. كإنجيليين نريد أن نتشبّه بالله الذي أظهر نفسه في شخص يسوع. الله الذي بجانب الأرامل والأيتام والغرباء والفقراء. لا يمكننا أن نبقى محايدين إذا أردنا أن نكون في تناغم مع قلب الله “.

في هذه المدونة، أود التوسّع في هذه الإجابة.

في إطار عملي مع التحالف الإنجيلي العالمي في جنيف، نتفاعل مع الدبلوماسيين من شتّى أطياف البلدان، بما في ذلك – أو ينبغي أن أقول، لا سيّما – البلدان التي تخضع لتدقيق في سجّلها في مجال حقوق الإنسان. وعلى الصعيد العالمي، يجتمع قادة التحالف الإنجيلي العالمي مع وزراء ورؤساء وغيرهم من كبار السياسيين من جميع أنحاء العالم. هذا ويجتمع القادة الإنجيليون والمسيحيون بانتظام وعلى نطاق واسع مع القادة والسفراء ووزراء الخارجية والملوك والأمراء والقادة الدينيين، بمن فيهم من هم من إيران والمملكة العربية السعودية ومصر وميانمار والأردن وكوريا الشمالية وسوريا.

وهذا ما يجعلنا نسأل: ما هو موقفنا وخطابنا تجاه السلطات التي يؤثّر فسادها وظلمها على عشرات الآلاف، إن لم يكن مئات الآلاف من مواطنيها، الذين تحرمهم قوانينهم من حرية اختيار دينهم؟ كيف ينبغي أن نتعامل مع أمثال آخاب ورحبعام اليوم، وقمعهم شعبهم واستغلال القوة من أجل الثروة الشخصية والنفوذ؟

وإليكم محاولتي في الإجابة.

(1) الإصغاء إلى صوت الكنيسة المحلية. نحن بحاجة لأن نستمع لأصوات الذين في صفوف المواجهة، الذين يتفاعلون نبويًا مع قادتهم السياسيين ويدافعون عن العدالة والحرية الدينية. ولا بأس في الاختلاف مع الكنيسة المحلية التي، في بعض البلدان، قد تدعم السلطات الظالمة الحاكمة، أو قد تدعم الإطاحة العنيفة بالنظام القائم أو حتّى الحرب ضده. في الأشهر الأخيرة، استمعت إلى قصص مشابهة في 3 بلدان على الأقل. غير أنّه، من المهم الاستماع إلى الكنائس المحلية لفهم وجهة نظرهم، ولتحديد الأصوات النبوية التي قد تكون الأغلبية أو الأقلية.

(2) شهادتنا هي عن الله وسيادته. لقد لفتني في ملوك الأوّل 20: 28 أنّه عندما قرّر الآراميون مهاجمة إسرائيل، لم يكن رد الله يتعلّق بإسرائيل بل بنفسه ومعرفته: “هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: مِنْ أَجْلِ أَنَّ الأَرَامِيِّينَ قَالُوا: إِنَّ الرَّبَّ إِنَّمَا هُوَ إِلهُ جِبَال وَلَيْسَ هُوَ إِلهَ أَوْدِيَةٍ، أَدْفَعُ كُلَّ هذَا الْجُمْهُورِ الْعَظِيمِ لِيَدِكَ، فَتَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ”. في تفاعلنا مع الزعماء السياسيين والدبلوماسيين، مهمتنا هي أولاً وقبل كلّ شيء الشهادة لسيادة الله.

(3) إدانة الظلم. استند سؤال الصحفي الذي أشرت إليه سابقًا إلى نمطٍ في التفكير الإنجيلي يعتبر الانفصال عن العالم السياسي – الحياد السويسري – ضروريًا للشهادة المسيحية. أنا مقتنع أنّ هذا خطأ. نقل النبي إيليا التشبي إدانة الله للملك آخاب لمقتل نابوت. نقل النبي ناثان إدانة الله للملك داود لمقتل أوريا. يوحنا المعمدان أدان زواج هيرودس من زوجة شقيقه. يقول كريستوفر رايت في كتابه أخلاقيات العهد القديم لشعب الله: “إذا هلكت العدالة، فسوف تتفكك أسس النظام الكوني بأسره، لأن العدالة عنصر أساسي في طبيعة الله، خالق الكون، وهي أساسية لجوهر حكم الله التاريخي”. (2004 ، ص 253)

(4) رفض المحسوبية أو التحيز. في أحد النقاشات مع أحد القادة الإنجيليين هنا في جنيف المنخرط في صنع السلام مع قادة كوريا الشمالية، أوضح لي عن معاناة الكوريين الشماليين، وقدّم تفسيرًا للأعمال العدائية التي يقوم بها زعمائهم. عندما انتقلنا إلى مناقشة قضية إسرائيل وفلسطين، لم يبرّر إطلاق حماس للصواريخ على الإسرائيليين، وأخفق بالكامل في تطبيق المعايير نفسها لفهم معاناة الفلسطينيين الناتجة عن الحصار الطويل لغزة، والأعمال العدائية لحماس تجاه إسرائيل. سمعت أيضًا البعض يمتدح قيادة المملكة العربية السعودية في شيطنتها للقيادة الإيرانية، بينما أثنى آخرون على الأسد السوري في إدانة بن سلمان السعودي. الله عادل، وله مقياس واحد لوزن أفعال الناس. في سفر التثنية 28، يحذّر الله إسرائيل من أنّه إذا تصرفوا كالكنعانيين، فسوف يعامل إسرائيل كعدو له بالشروط نفسها التي يعامل بها الكنعانيين، ويفرض عليهم العقاب نفسه بواسطة الأمم الأخرى. (رايت، ص 476)

(5) يُعلن الظلم سرًّا في البلاط الملكي فربّما يتوب الملك. أو يمكن أن تكون مناصرة المظلومين عامة وعلنية، كما هو الحال مع يوحنا المعمدان. من الصعب أن نحدّد ما إذا كان يجب القيام بالمناصرة علنيًا أو بصورة خاصة مع الحفاظ على بعض السريّة. يواجه فريق التحالف الإنجيلي العالمي في جنيف اليوم هذا السؤال في العديد من المواقف في البلدان المختلفة. في الدبلوماسية الدولية، التحدث والتسمية والتعييب، ليس الخطوة الأولى (عادةً). والبديل السائد هو الدبلوماسية والمناصرة خلف الكواليس. تمنح الدول والمنظمات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان لمن ينتهكون حقوق الإنسان الفرصة لتغيير المسار.

يسعى التحالف الإنجيلي العالمي إلى تعزيز الحق في حرية الدين أو المعتقد، بغية تحقيق رسالته المتمثلة في إنشاء التحالفات الإنجيلية الوطنية وتعزيزها. في سعينا إلى تحقيق هذه الرسالة، يمكن للدبلوماسية خلف الكواليس أن تبني علاقات شخصية وثقة متبادلة (ثمة حاجة ماسة إلى الثقة اليوم)، كما أنّها تشجّع الطرف الذي نتحاور معه على تغيير سياسته تجاه الأقليات الدينية، وتعديل التشريعات الضارة بالحرية الدينية، والإفراج عن القساوسة المحتجزين، أو السماح للكنائس المغلقة بأن تعيد فتح أبوابها.

أحد المعايير لاتخاذ قرار بشأن المحاسبة العامة أم لا هو التوبة أو تغيير المسار. آخاب تاب. والملك أحشويروش سمع نداء الملكة أستير. لا يُعبّر عن التوبة فقط عن طريق إحضار من قُتلوا وعذّبوا إلى المحكمة، بل عن طريق تغيير قلب الحاكم وتغيير مسار الحكم. أبدو مثاليًا. أنا أعلم ذلك. “التوبة” بعيدة عن السياسة الواقعية والمصالح الوطنية (والشخصية). لكنني أنا منخرط في الشهادة على سيادة الرب يسوع المسيح، وليس في مجال بيع وشراء السلع والعلاقات العامة والتأثير.

هنا بين موظفي الأمم المتحدة وبين الدبلوماسيين في جنيف، أو في اجتماعات في عواصم الدول، يشهد الإنجيليون لسيادة يسوع المسيح. هذا لا يعني فقط أن يشهدوا على محبة الله التي لا تساوم ولا تتزعزع، ولكن أيضًا على توازن الله في العدل والرحمة والذي يدعو جميع الناس، بما في ذلك حكّام هذا العالم، إلى التوبة والبر.

اترك رد