سوء الفهم بنوايا حسنة: مواجهة خمسة مفاهيم خاطئة في العلاقات الإسلامية المسيحية (الجزء 1)

الشهادة والعدالة في علاقات الإنجيليين مع الحكّام
أكتوبر 3, 2019
سوء الفهم بنوايا حسنة: مواجهة خمسة مفاهيم خاطئة في العلاقات الإسلامية المسيحية (الجزء 2)
أكتوبر 17, 2019

بقلم مرتان عقّاد

إنّ الطريق الذي يفضي إلى الحوار والعلاقات المسيحية الإسلامية اليوم يعترضه عدد كبير من العقبات. ما يكتبه المسيحيون عن الإسلام وما يكتبه المسلمون عن المسيحية لم يعد من الممكن إخفاءه في كتيبات مجهولة غامضة أو تضمينه في محادثات داخل المجموعات المغلقة. فنتيجة للعولمة والهجرة ووسائل التواصل الاجتماعي، بات لما نكتبه عن بعضنا البعض تأثير أكبر على مجتمعاتنا في جميع أنحاء العالم. وما نعزّزه من خلال نصوصنا المكتوبة أو كلماتنا المنطوقة يسهم إمّا في إحلال السلام أو نشوب النزاع بين الجيران من مختلف الديانات. في كتابي الأخير، سوء الفهم بنوايا حسنة: عبور الهوة الإسلامية – المسيحية الصادر عن دار نشرEerdmans  2019، أغامر في مجال الحوار اللاهوتي، واعتمد نهج “تاريخ الأفكار” ، وأعيد النظر في بعض الخلافات العقائدية السائدة في الحوار المسيحي الإسلامي. في هذه المقالة، سأعالج 5 “مفاهيم خاطئة” سائدة بين المسيحيين حول الإسلام.

 

المفهوم الخاطئ الأوّل: الله القرآن ليس إله الكتاب المقدس

بُذِل الكثير من الحبر مؤخرًا على هذا التصريح. أولئك الذين يؤمنون أنّ المسيحيين والمسلمين يعبدون إلهين مختلفين يؤكدون على الاختلافات بين المفهوم المسيحي والمسلم لله. ويجادل البعض من جهة بأنّ الله كان إلهًا وثنيًا للجزيرة العربية قبل الإسلام، حيث أعاد محمد استخدامه بمعنى وسلطة جديدين بينما كان يسعى لتوحيد القبائل العربية حول أيديولوجية جديدة. يجادل آخرون بأنّه فقط الله الثلاثي الأقانيم الذي ينطوي على الأقنوم الثاني والإيمان بألوهية المسيح يتماهى مع إله التقليد اليهودي المسيحي. ولا يزال آخرون يجادلون على تفوق الله العلائقي الثالوثي على إله الإسلام والقرآن المطلق الأحادي.

اخترت التخلي عن السؤال الذي يُطرَح غالبًا، “هل يعبد المسيحيون والمسلمون الإله نفسه؟” أو “هل إله الإسلام هو آب يسوع المسيح؟” السؤال الأول، في رأيي، يأخذنا بسرعة إلى عوالم علم الوجود وما وراء الطبيعة أي إلى نقاش فلسفي حول طبيعة “الوجود”. وينتهي بنا المطاف إلى السؤال: ماذا نعني بكلمة “نفسه”. لكن هل يعبد أي شخصين في الحقيقة الإله “نفسه”؟ ألا ينحني كلّ شخص، في نهاية المطاف، ويعبد تمثيلًا خاصًا لله يتشكّل في عقله أو قلبه نتيجة لمزيج معقد من مفاهيم الكتب المقدسة مع الخلفية الشخصية والاجتماعية – الثقافية والدينية والتاريخية والجغرافية؟ من وجهة نظر هذه الظاهرة، ألا يعبد كلّ منّا إلهًا مختلفًا بمعنى ما أو بآخر؟ وإذا كان الأمر كذلك، أليست عبادتنا مقبولة لدى الله فقط – عندما تكون مقبولة – كعطية من النعمة الإلهية؟ يبدو هذا، على أي حال، هو الدرس المستمد من قصة قابيل وهابيل في سفر التكوين الفصل الرابع. وأنا لست مقتنعًا بأن مغزى القصة يسمح لنا بالوقوف كقضاة ندين أيّ عبادة مقبولة وأيّ عبادة ليست مقبولة في عيني الله.

السؤال الثاني يأخذنا بسرعة إلى عالم لاهوت الخلاص – مسألة الخلاص. ولكن هل التأكيد على أنّ المسيحيين والمسلمين أو اليهود أو غيرهم يصلّون “لإله مشترك” يجب بالضرورة أن يؤدّي إلى التأكيد على أنّه سيخلص كلّ من يفعل ذلك؟ في النقاش حول العلاقة الجوهرية للخلاص بالإيمان والأعمال، يؤكّد الرسول يعقوب (2 :19): “أَنتَ تؤمن أنّ الله واحدٌ. حسنًا تفعل. والشّياطين يؤمنون ويقشعرّون!” رغم أنّ هذا ليس المكان المناسب لمناقشة الصورة التكاملية لعقيدة الخلاص ودور المسيح فيها، إلّا أنّه واضحًا أنّ الخلاص لا ينجم عن الإيمان الصحيح وحده. يكفي القول أنّ عبادة إله إبراهيم الواحد ليست الشرط الوحيد للخلاص.

مع هذا الاهتمام بسؤال الخلاص خارجًا عن مسار نقاشنا، فإنّ إجابتي المؤكدة للمفهوم الخاطئ الأول هي أنّه، على الأقل في ذهن القرآن ومؤلّفه – وبالنسبة لي كشخص غير مسلم أعتبره محمّد نفسه – كل إشارة إلى الله في النص التأسيسي للإسلام هي إشارة إلى إله التقليد اليهودي المسيحي. وتؤكّد الرسالة القرآنية برمّتها هذا الأمر باستمرار. هل الله، كما هو في القرآن، يعكس ملء الآب كما هو موضح في العهد الجديد؟ مرة أخرى، كوني غير مسلم، أشعر بالحرية في الرد بصيغة السلب. لا الإيمان اليهودي في يهوه الذي يعتبر أنّ يسوع الناصري كان دجالًا، ولا الإيمان الإسلامي بالله الذي يرفض ألوهية المسيح وموته على الصليب، على الرغم من أنّه يؤكّد عظمته، يمثلان الله بملئه – وأعيد وأكرّر أنّ هذا من وجهة نظري كتلميذ ليسوع المسيح. لكن هذا الإيمان لا يستند بالضرورة، إلى عدم تقدير محمد التاريخي، ولا إلى تشويه ما أعتقد أنّ محمد كان يحاول إنجازه في تنقيحه رسالة كان يقصد بها تثبيت شهادة الكتاب المقدس اليهودي المسيحي وإصلاح هذين التقليدين كما اختبرهما في عصره.

من خلال التأكيد على أنّ القرآن ومؤلّفه كانا يشيران بلا شك إلى إله التقليد اليهودي المسيحي في كلّ مرة يُذكر فيها اسم الله في كتب الإسلام المقدّسة، فإنني أؤكد من جديد إيماننا بإله الكتاب المقدس كنقطة انطلاق للمحادثات اليهودية المسيحية الإسلامية. كلّ محاولة معاصرة تشكّك في هذه الأرضية المشتركة، أعتبرها عقيمة وبصراحة انحرافًا لم يعرفه معظم المسيحيين والمسلمين واليهود عبر التاريخ. ليس هناك أدنى شك في ذهني أنّ الإشارة إلى إله الكتاب المقدّس باسم “الله” قد سبقت الإسلام في أوساط المسيحيين واليهود العرب. ويكشف شكل اسم “الله” ولفظه الأصول اليهودية المسيحية الآرامية والسريانية للاسم. في حين أنّ معظم اللغات قد اشتقت تسمياتها لله من تقاليد وثنية، مثل Gott “غوت” وDeus “ديوس” وTheos “ثيوس” وحتّى Elohim “إلوهيم”، فإنّ الله بالعربية هو مثال نادر لأنّه أُخِذ من تقليد الكتاب المقدس الموجود آنفًا.

اقرأ المزيد عن “الله في الحوار المسيحي الإسلامي” في الفصل الثالث من كتابي.

 

المفهوم الخاطئ الثاني: المسلمون يحطّون من قدر يسوع

هذا المفهوم الخاطئ الثاني أكثر انتشارًا في الأوساط الشعبية منه في الأوساط الأكاديمية. ولأنّ معظم المسيحيين يعرفون أنّ المسلمين لا يؤمنون بألوهية المسيح، كما أنّ مسيحيين كثر يعرفون أنّ الإسلام يرفض صلب يسوع، فإنّهم يفترضون غالبًا أنّ المسلمين يرفضون يسوع تمامًا وأنّ القرآن يهينه. وبين العلماء المسيحيين، على الرغم من أنّ معظمهم يدركون أنّ القرآن يتحدّث برفعة عن المسيح، إلّا أنّ الكثيرين ما زالوا يجادلون بأن القرآن يحط من قدر يسوع “الحقيقي”، لأنّه يحتوي على العديد من المقاطع الجدلية حول العقائد المسيحية منها ألوهية المسيح.

في كتابي، “سوء الفهم بنوايا حسنة” (الفصلان 3-5)، أحاجج أنّه، بعيدًا عن الدافع بالرغبة في الحطّ من قدر يسوع من خلال رفض لاهوته وربما صلبه، فإنّ رغبة القرآن هي أن يبرئه أو يصونه من التجاوزات المنسوبة إليه في التقليد المسيحي. القرآن يشدّد تشديدًا كبيرًا على وحدانية الله المطلقة ما يفسّر رفض أيّ محاولة لضعضعة هذا التأكيد واعتبارها غطرسة تؤدي إلى الشرك (نسب شريك لله)، وبالتالي الكفر. بهذه الروح، مع التأكيد على أنّ يسوع كان صانع معجزات، وشافيًا للمرضى، واهب حياة للأموات، ومعلمًا عظيمًا، فإنّ القرآن يؤكّد أنّ “لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ” (سورة النساء 172)، والتأكيد على أنّ يسوع عبد الله هو إشارة إلى تواضعه وعدم كبريائه. الخلاف الأساسي بين وجهة النظر المسيحية والإسلامية عن يسوع لا علاقة له بعظة المسيح بل بدوره. في التقليد المسيحي، الدور الأساسي ليسوع هو أنّه مخلّص العالم. وبذلك يؤكّد اللاهوتيون المسيحيون ألوهيته الكاملة وإنسانيته الكاملة على قدم المساواة. ويشهد آباء الكنيسة أنّ “ما لم يبذله يسوع على الصليب لم يُشفى”. وبعبارة أخرى، لو لم يحمل إنسانيتنا بالكامل على الصليب، بما في ذلك الجسد الذي كان يحتاج إلى الغذاء والراحة ويمكن أن يتألّم، بالإضافة إلى إرادة إنسانية تحتاج إلى أن تطيع إرادة الآب، لما كان خلاصنا قد اكتمل. غير أنّ يسوع المسيح كان أيضًا الله بالكامل، كما يؤكّدون، لأنّ الله وحده في ملئه هو القادر على مبادرة خلاصنا على الصليب وتحقيقه.

وبالروح ذاتها يرفض القرآن، ليس الصلب نفسه، بل غطرسة اليهود، الذين ادعوا أنّهم تمكنوا من التغلب على يسوع وقتلوه بالصلب (انظر صورة النساء 155-158). في الواقع، يؤكد المسلمون في كثير من الأحيان أنّهم يحبون يسوع أكثر ما يحبّه المسيحيون، لأنهّم لا يستطيعون أن يقبلوا أنّ الله قد تخلّى عنه وأسلمه لهذا الموت العنيف. فالعائق، كما يتضح، لا يكمن في حقيقة صلب المسيح بقدر ما يكمن في انعكاساته الخلاصية. المسلمون يحبون يسوع وهذا التأكيد هو جسر رائع ونقطة انطلاق في أيّ محادثة بيننا وبين المسلمين حول عمل يسوع كمخلّص.


ملاحظة:

  • هذه ترجمة لمقالة نشرتها مدوّنة Eerdmans بتاريخ 31 تموز/يوليو 2019 .
  • Purchase Sacred Misinterpretation at Amazon or ChristianBook.com.

اترك رد