أتباع يسوع في الشأن العام: الصلاة أم التظاهر؟

تقرير مكينزي حول لبنان: الفساد يضرب أطنابه
أكتوبر 24, 2019
مدوّنة لبنان – نوفمبر/ تشرين الثاني 2019
نوفمبر 5, 2019

بقلم نبيل حبيبي

اليوم الثالث عشر. المتظاهرون أغلقوا الطرقات الرئيسة في كلّ المدن الكبرى تقريبًا في لبنان. إنّه الاعتصام الأكبر الذي شهده لبنان منذ تشكيل دولة لبنان الحديثة عام 1920(الشعب في الشارع يسمّونها ثورة). لقد تخطّت المظاهرات الأحزاب والطوائف الدينية. والناس يدعون إلى إصلاحات كبرى، وتغيير شامل للنظام الطائفي الذي سمح لقادة الحرب الأهلية الطائفية بالبقاء في السلطة. ولقد حاولت عصابات الحكومة فضّ المظاهرات غير أنّها باءت بالفشل. وقد أقدم رئيس الحكومة على تقديم استقالته. والناس متسمّرون أمام شاشاتهم يترقبون الأخبار.

اليوم الثالث عشر. الإنجيليون اللبنانيون يتناولون موضوعًا واحدًا فقط، السياسة. ويتمحور النقاش حول المشاركة في المظاهرات. هل يجب أن يحتج أتباع المسيح على الحكومة؟ وتكلّم قادة بارزون في الكنيسة لدعم كلا الجانبين من النقاش. على سبيل المثال، القس طوني سكاف يعارض المشاركة في الحراك في عظته يوم الأحد 25 أكتوبر/تشرين الأوّل. أمّا القس حكمت قشوع يؤيّد المشاركة في الحراك في عظته يوم 27 أكتوبر/ تشرين الأوّل. وشعب الكنيسة يتراشقون الآيات. ووسائل التواصل الاجتماعي تغصّ بالناس الذين يتحاججون بأنّ “يسوع لم يثر ضدّ الرومان” أو “أنّنا مدعوون لمحاربة الظلم”.

أنا شخصيًا لبناني. وأنا مشارك ناشط في خدمة الكنيسة. وأنا أيضًا مشارك ناشط في الحركة الاحتجاجية الحالية. اسمحوا لي أن أتوقّف وأنظر إلى الصورة الكبيرة. ما السؤال الحاسم هنا؟ هل السؤال هو ما إذا كان يجب أن يشارك أتباع يسوع في الاحتجاجات ضد الحكومة؟ لن أتناول هذا الموضوع هنا. أعتقد يمكنكم توقّع إجابتي. وهل يمنعنا الكتاب المقدس من الاحتجاج على الحكومة؟ سوف أحجم أيضًا عن معالجة هذا السؤال مباشرةً في هذه المدونة القصيرة. تفسير نصوص الكتاب المقدس هو أمر مهم وحاسم. غير أنّه في أمور كهذه، يمكن أن يتصارع الطرفان في النّص نفسه ويخلصان باستنتاجات مختلفة.

أعتقد أنّ السؤال الأساسي المطروح هنا هو: ما هو دور أتباع يسوع، إن كان لهم دور، في الشأن العام؟ هل نحن مدعوون للانخراط في السياسة والاحتجاجات والعصيان المدني؟ أم يجب أن نلتزم بالأساسيات والاكتفاء بالعبادة ومشاركة قصة يسوع؟

كما هو الحال في كل عظة إنجيلية جيدة، سأقدم ثلاث حجج، كلّ منها مبني على الحجة التي تسبقها. أهدف إلى بناء إطار كتابي للإجابة باختصار على سؤالنا المركزي. فالإجابة الكاملة تحتاج مؤتمرات وكتب متعددة.

أولاً، إنّ مجرد مطالبة أتباع يسوع الامتناع عن الاحتجاج على أيّ حكومة في أيّ وقت من الأوقات في التاريخ، هي قراءة مفرطة التبسيط للكتاب المقدس واللاهوت. ويتبادر إلى ذهني هنا لحظات تاريخية شائعة. الكنيسة الألمانية في عهد هتلر. الكنيسة الرواندية في زمن الإبادة الجماعية. الكنيسة الأمريكية في زمن العبودية في الولايات المتحدة. وأفترض أنّ أي من أتباع يسوع الجادين سوف ينظرون إلى هذه الأوقات التاريخية، والعديد غيرها، ويقولون: بالطبع لو كنت في أي من هذه اللحظات لاحتجيت على الحكومة. كما تتبادر إلى ذهني قصص كتابية شائعة. حين طلب موسى من الحكومة، فرعون، السماح لشعبه بالرحيل. حين واجه إيليا الحكومة، أخاب، بشأن خطاياه. وحين عصى الأسرى الشباب من يهوذا مثل دانيال آسريهم البابليين. وحين شبّه يوحنا روما بالمدينة شريرة والوحش في رؤيته. وأستطيع أن أفترض أن أيّ قارئ جاد للكتاب المقدّس سوف ينظر إلى هذه القصص، والعديد من القصص الأخرى، ويوافق على أنّ أنبياء الكتاب المقدس وأبطال الإيمان كانوا يقفون بوجه حكوماتهم.

وإليكم الحجة الثانية. حركة يسوع التي نراها في العهد الجديد هي حركة ارتبطت دائمًا بالشأن العام. كان كتّاب العهد الجديد وقراءه جزءًا من العالم الاجتماعي الواقعي. واجهوا تحديات سياسية حقيقية[1]. ومن المسلّم به أنّ الاضطهاد على نطاق الإمبراطورية بأسرها لم يحدث حتّى نهاية القرن الأول (حينما كانت معظم أسفار العهد الجديد قد كُتبت)، وفي عدد من مدن الرومان شارك الجميع في عبادة الامبراطور وكان الامتناع عن ذلك يُعتبَر تمردًا على كل الإمبراطورية[2]. في الواقع، الإمبراطورية الرومانية هي “السياق الغالب” لأسفار العهد الجديد[3]. وأسفار العهد الجديد ليست مجرّد كتب روحية. بل لهم أيضًا جانب سياسي. لقد صُلب يسوع على يد السلطات الدينية اليهودية والقادة السياسيين الرومان.

ويقدّم لنا وارن كارتر طيف من الطرق المختلفة التي تُقيّم بها نصوص العهد الجديد الإمبراطورية الرومانية[4]. وأعتقد أنّ هذا الطيف يمكن أن يكون دليلًا مفيدًا لنا في معالجة سؤالنا المحوري في هذه المدوّنة وفي أحاديثنا اليومية، ما هو دور المسيح في الشأن العام إن كان لهم دور. يحتوي الطيف على خمسة تقييمات أو طرق تفكير وتتفاعل مختلفة مع العالم الروماني:

  • الإمبراطورية من الشيطان: الإمبراطورية تحت حكم إبليس (مثلًا، يدّعي الشيطان أنّ العالم له في لوقا 4: 6-7؛ ويمنح قوّته إلى وحش من البحر، ربّما روما، في رؤيا 13: 12).
  • العالم الروماني تحت الدينونة: سيحكم الله على الإمبراطورية في الأيام الأخيرة (مثلًا، يقول بولس أنّ حكّام هذا العالم الذين يفتقرون إلى حكمة الله سوف يهلكون في 1 كورنثوس 2: 6؛ ويسوع في مرقس 13، متى 24 – 25، ولوقا 21 يتحدّث عن تدمير ممالك هذا العالم في النهاية)
  • في هذا الزمن: أعمال تحولية: يجب أن نلك وفقًا لملكوت الله وليس الإمبراطورية الحالية (مثلًا، يصف يسوع خدمته كخدمة ستحوّل المجتمع في لوقا 4: 18-19 وهو هنا يقتبس من أشعياء مستخدمًا صورة سنة الرب المقبولة من لاويين 25).
  • في هذا الزمن: مجتمعات بديلة: يجب على مجتمعات أتباع يسوع اتباع أخلاقيات الملكوت بدلاً من أخلاقيات الإمبراطورية (مثلًا، يطلب بولس من مجتمع المؤمنين الذين هم أقلية في روما أن يعيشوا وفقًا لإرادة الله في رومية 12: 2؛ مقابل سياسات جباية الضرائب في روما، يجمع بولس العطايا النقدية من مجتمعات الأمم لإرسالها إلى كنيسة أورشليم في 1 كورنثوس 16: 1-4)[5].
  • الخضوع للإمبراطورية والصلاة لأجلها وتكريمها: تقدير أكثر إيجابية للإمبراطورية ويدعو أتباع يسوع للخضوع (مثلًا، طلبات بولس في رسالة بولس إلى أهل رومية ١٣: ١ـ ٧؛ طلب بطرس إكرام الإمبراطور في 1 بطرس ٢: ١٧).

إنّ الجدل الذي قدّمته حتّى الآن يفيد أنّ مسألة المشاركة في الشأن العام ليست واضحة تمامًا كما يشير البعض، وقد اقترحت أيضًا أنّ العهد الجديد يحتوي على مجموعة من ردود الفعل المختلفة تجاه الإمبراطورية. الآن إليكم الخلاصة الثالثة والأخيرة لهذه المدونة: المسيحي هو مشارك في الشأن العام. لمَ لا، لنفكر في تأثيرنا في هذا المجال؟

كما أوضح تحليلي المختصر للعهد الجديد، وبعض الأمثلة القليلة من العهد القديم، فإنّ أتباع يسوع في تفاعل مستمر مع الشأن العام. حتى في الحدّ الأقصى للطيف، وهو الصلاة والخضوع للسلطات، هو تفاعل مع الشأن العام. نعم، أنت تصلي في غرفتك أو داخل كنيستك، لكن غياب الكنيسة عن مناسبة عامة، مظاهرة عامة، هو في حد ذاته تعبير عام. عندئذ ستصدر الكنيسة بيانًا مفاده أنّ هذه الاحتجاجات لا معنى لها، ولن يحدث التغيير سوى بتدخل إلهي خاص. يمكن للمرء أن يجادل أيضًا بأنّ غياب الكنيسة عن مناسبة عامة قد يكون أيضًا بيانًا ضمنيًا بموافقة الكنيسة على السلطة الحاكمة.

أن تكون في الشأن العام ليس خيارًا. ونحن كثيرًا ما نشبه كنيسة القرن الأوّل، فنحن محاطون بإمبراطورية أو إمبراطوريات. وعلى غرار كنيسة القرن الأوّل، قد نجد أنفسنا نقف أمام الإمبراطور نفسه لمشاركة الإنجيل، أو قد نجد أنفسنا منفيين إلى جزيرة بعيدًا لأننا نكرز بأنّ يسوع هو الرّب.

أدعو جميع أتباع يسوع في لبنان ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى أن يكونوا مدركين لاهوتيًا وكتابيًا أنّنا بالفعل جزء من الشأن العام. دعونا نتصارع مع السؤال: ما الذي نقوله لشركائنا في بلدنا عن موقفنا من القضايا العامة اليوم؟ عدم اتخاذ موقف هو موقف في حدّ ذاته.

أخيرًا، أدعو جميع أتباع يسوع في لبنان ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى السعي لإظهار التعاطف المسيحي مع إخوانهم المؤمنين وغير المؤمنين الذين يتبنون مقاربة مختلفة للشأن العام. العهد الجيد لا يتخذ طرفًا واحدًا في هذه المسألة. إذا اخترت الصلاة بصمت في غرفتك، فلا تحكم على أخيك أو أختك الذين يتظاهرون في الشوارع. اعلم أن اختيارك للتغيب هو بحدّ ذاتك انخراط بالشأن العام. واعلم أيضًا أنّهم يحاولون إظهار استجابة كتابية على القضايا العامة في الأماكن العامة.

أصلّي أن يرحم الرب كنيسته وهذا البلد والمنطقة بأسرها. الله رحيم.


[1] Loveday C. A. Alexander, “The Relevance of Greco-Roman Literature and Culture to New Testament Study,” in Hearing the New Testament: Strategies for Interpretation, 2nd ed. (ed. Joel B. Green; Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 2010), 88-9.

[2] Peter Oakes, “Re-mapping the Universe: Paul and the Emperor in 1 Thessalonians and Philippians,” in JSNT 27.3 (2005): 314.

[3] Warren Carter, The Roman Empire and the New Testament: An Essential Guide (Abingdon Essential Guides; Nashville: Abingdon, 2006), 51 (Kindle).

[4] The five evaluations can be found in Ibid., 315-449 (Kindle).

[5] النقطتان 3 و 4 في الطيف متشابهان للغاية. لقد أبقيت التقييمات الخمسة جميعها لتعكس عمل كارتر على نحو أفضل. أنا لا أقيم الطيف.

اترك رد