حالة الدولة القومية: تأملات حول الاستقلال

مدوّنة السودان – نوفمبر/ تشرين الثاني 2019
نوفمبر 19, 2019
مدوّنة الجزائر – نوفمبر/ تشرين الثاني 2019
نوفمبر 26, 2019

بقلم برنت حمود

غدًا هو 22 تشرين الثاني/ نوفمبر، ذكرى استقلال لبنان، ولا شكّ أنّه سيكون يومًا مثيرًا للاهتمام. غير أنّ كلّ ذكرى استقلال هي مثيرة للاهتمام بالنسبة لي. يولي معظم العالم اليوم اهتمامًا خاصًا لهذه الظاهرة الحديثة[1]، ويُدرِجون في قائمة متى تحقّق الاستقلال وممن نالت البلدان استقلالها وهذا يقدّم قراءة متبصرة لتاريخ العالم. غالبًا ما تُستمد احتفالات الاستقلال من القصص الوطنية المفعمة بالصور الباعثة للحياة وفقًا لهذه السطور:

يتبصّر ناس ملهمون في قلوبهم وعقولهم تطلعاتهم الوطنية في أرضهم الذي حُتّم عليهم البقاء بها. وهذا ما يؤدّ إلى تحمّل مشقّات العمل الدؤوب في خوض حملات المقاومة النبيلة. وفي نهاية المطاف، بعد مسيرة كفاح كبيرة، تولد السيادة المستقلة منتصرةً متشحة بلباس الحرية والعدالة الوطنية.

ونحن بغنى عن القول، إنّ يوم الاستقلال ليس وقتًا للاهتمام المفرط بالدقة التاريخية.

بات 22 تشرين الثاني/ نوفمبر على عتبة الغد، ولكن نقاشنا لا يدور حول لبنان فقط؛ بل حول موضوع يوم الاستقلال: الدولة القومية.

نعيش اليوم في عصر الدولة القومية. لقد كان القرن العشرون فعليًا طويلًا ومتقلبًا أعلن انتهاء عصر الإمبراطورية، ومن رماد الحروب العالمية والكوارث الاستعمارية نشأ نظام الدول القومية التي لها حدودها وسيادتها ومواطنيها. هذا النظام مألوف بالنسبة لنا في عام 2019 حتّى أنّه من السهل أن ننسى الحداثة التاريخية لهذا الوضع العالمي الراهن. لا يزال استقلال الدولة القومية مفهومًا يافعًا نسبيًا، وهو مفهوم يتطلب تفكيرًا وتأملًا.

الهويات الوطنية تتغلغل عميقًا في الناس وتتسم بكونها عاطفية. ومن الحماقة قول أيّ أمر مسيء عن بلد ما؛ ومع ذلك، أظن أن أحداً لن يشعر بالإساءة عندما أقول إنّ هذه الأيام سيئة للدولة القومية. يمكننا أن نجول جميع أقطار العالم لنستكشف حالة تلو الأخرى لشعوب وحكومات تعاني أزمات وجودية لأنها تشكك في جوهرها الوطني. ما هي قيمنا؟ ما هي طبيعة علاقتنا مع الجيران والمجتمع الدولي؟ من الذي ينتمي لنا بالفعل؟ في حين أنّ بعض الدول تتعامل مع هذه الأسئلة من خلال الأساليب المدنية للانتخابات، والإجراءات الإدارية والتخطيط السياسي، فإنّ دولاً أخرى تلجأ إلى اتخاذ تدابير أكثر تشددًا، وحتّى تدابير عنيفة. أينما نظرنا هذه الأيام، لا سيّما في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فإنّ حالة الدولة القومية تدعونا لليأس. كأشخاص مؤمنين، فإنّ التحدي يكمن في دراسة هذه الوقائع السياسية والمحبطة جيدًا.

لا مكان للسخرية على طاولة النقاش المثمر، لكن النقد المعقول دائمًا ما يكون مثمرًا. عشية عيد استقلال إحدى الدول، أطرح ثلاثة انتقادات لعالم الدولة القومية.

  • أصول الدولة القومية إشكالية إلى حدّ كبير

لكلّ دولة قصّة تكوين فريدة خاصة بها، ولكن يمكن العثور على محور مشترك للبدايات الإشكالية عبر حبكة هذه القصص التكوينية. ثمة العديد من الكيانات توجد في شكلها الحالي لأنّ مجموعة صغيرة من الناس تملي الشروط والأحكام بصورة تعسفية لمجموعة أكبر من الشعب. أولئك الذين يضعون الخطط لم يكونوا حتّى جزءًا من الأراضي المُتاقسمة[2]. حتى حركات الاستقلال المشرّفة والعادلة لها جانبها المظلم. تعاني الدول القومية إلى حدّ كبير من التشكيلات المعيبة، ويجب ألا يكون مفاجئًا أنّ عالم الدول القومية مليء بالعيوب أيضًا[3].

  • الدولة القومية تركت الملايين مستبعدين

من الناحية النظرية، تهدف الدول القومية إلى منح الجميع حقًا قانونيًا في عالمنا من خلال الجنسية – وهي الرابط القانوني بين الناس والأقاليم والأنظمة السياسية[4]. في الواقع، أنتجت الدول القومية شكلاً متطرفًا من الاستبعاد. فثمة الملايين حاليًا ممن يعيشون من دون جنسية ويعانون من كتمان القيد؛ وجودهم هو حالة من عدم الوجود لأنّهم يعيشون خارج النظام السياسي العالمي. إنّه لغز نشأ بواسطة عدد لا يحصى من القوى المعقّدة، ومعاناة مكتومي القيد تزداد حدّة مع إضفاء الطابع الرسمي على نظام الدولة القومية.

  • الدولة القومية لم تفي بوعودها

الطموحات الوطنية تغذّيها الرغبة فيما أفضل؛ فالطريقة القديمة تٌعتبَر غير كافية ويصبح الخلاص بهيئة دولة مستقلة تتمتّع بالسيادة. في حين أنّ الاستقلال غالبًا ما يجلب التقدم، يُظهر التاريخ أنّ “الآلام المتنامية” لما بعد الاستقلال تنبع إلى حدّ كبير من جرّاء في صراعات الانقلابات والاضطرابات السياسية والحروب الأهلية. غالبًا ما يُدفع إلى الدولة القومية إيداعات كبيرة من التضحيات والآمال، لكن غالبًا ما يكون العائد على الاستثمار خيبة أمل.

لكي نكون منصفين، ليس هو أمر سيء حصريًا للدولة القومية. جميع أشكال السلطة السياسية البشرية تخضع لمثل هذا النقد. في صموئيل الأوّل، يروي الكتاب المقدس كيف أنّ إسرائيل القديمة، استقرت في أرضٍ محدّدة ونظّمت نفسها في اتحاد من القبائل والقضاة تحت حكم الله المركزي، وطالبت بإصلاح سياسي. قل الشعب للنبي صموئيل: “نريد ملكًا، لكي نكون مثل الأمم الأخرى.” أكرم الله طلبهم ونالوا إصلاحاتهم ولكن ليس قبل أن قدّم صموئيل درسًا عابرًا للزمن حول النظرية السياسية:

وَقَالَ: «هذَا يَكُونُ قَضَاءُ الْمَلِكِ الَّذِي يَمْلِكُ عَلَيْكُمْ: يَأْخُذُ بَنِيكُمْ وَيَجْعَلُهُمْ لِنَفْسِهِ، لِمَرَاكِبِهِ وَفُرْسَانِهِ، فَيَرْكُضُونَ أَمَامَ مَرَاكِبِهِ. وَيَجْعَلُ لِنَفْسِهِ رُؤَسَاءَ أُلُوفٍ وَرُؤَسَاءَ خَمَاسِينَ، فَيَحْرُثُونَ حَرَاثَتَهُ وَيَحْصُدُونَ حَصَادَهُ، وَيَعْمَلُونَ عُدَّةَ حَرْبِهِ وَأَدَوَاتِ مَرَاكِبِهِ. وَيَأْخُذُ بَنَاتِكُمْ عَطَّارَاتٍ وَطَبَّاخَاتٍ وَخَبَّازَاتٍ. وَيَأْخُذُ حُقُولَكُمْ وَكُرُومَكُمْ وَزَيْتُونَكُمْ، أَجْوَدَهَا وَيُعْطِيهَا لِعَبِيدِهِ. وَيُعَشِّرُ زُرُوعَكُمْ وَكُرُومَكُمْ، وَيُعْطِي لِخِصْيَانِهِ وَعَبِيدِهِ. وَيَأْخُذُ عَبِيدَكُمْ وَجَوَارِيَكُمْ وَشُبَّانَكُمُ الْحِسَانَ وَحَمِيرَكُمْ وَيَسْتَعْمِلُهُمْ لِشُغْلِهِ. وَيُعَشِّرُ غَنَمَكُمْ وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لَهُ عَبِيدًا. فَتَصْرُخُونَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ مِنْ وَجْهِ مَلِكِكُمُ الَّذِي اخْتَرْتُمُوهُ لأَنْفُسِكُمْ، فَلاَ يَسْتَجِيبُ لَكُمُ الرَّبُّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ».  1 صموئيل 8: 11-18

ونحن بغنى عن القول، إنّ يوم الاستقلال وقت مناسب للتفكير في اللاهوت الكتابي.

بعد كلّ ما ذكرته آنفًا، اسمحوا لي الآن أن أغيّر نبرتي وأضفي بعض الفرق على هذا النقاش من خلال تقديم ثلاثة أسباب لإيجابيتي حول الدولة القومية.

  • ساهمت الدولة القومية في رفع مستوى حقوق الإنسان

شهد القرن العشرون، بالإضافة إلى تحقيق عصر الدولة القومية، تطورات تاريخية في مجال حقوق الإنسان، حيث حدّدت الاتفاقيات والمنظمات الدولية بوضوح المزايا الأساسية للتجربة الإنسانية[5]. على الرغم من أنّ الهيئات العالمية تقرّ حقوق الإنسان، فإن الدول القومية هي المشرفة التنفيذية. يجب منح حقوق الإنسان سلطة تطبيقية، والدول تستخدم حاليًا سلطتها لتأمين الحقوق. غير أنّه ثمة مجال كبير للتحسين.

  • الدولة القومية تعزّز مكانة عادلة بين الناس والأماكن

من المسلَّم به أنّ مجتمعنا العالمي يتسم بالتفاوت الشديد، لكن نظام الدولة القومية يخلق إمكانية للناس للتعايش على قدم المساواة. ويُعبّر عن هذا بطرق لا حصر لها، مثلًا من خلال المشاركة في الألعاب الأولمبية واليوروفيزيون إلى العضوية في الأمم المتحدة. وبالتالي كمواطنين في دول مُعترَف بها، ينخرط الناس على نحو منصف – ونحن بحاجة إلى ذلك من أجل معالجة المشاكل الإنسانية الهائلة التي تهدّد عالمنا. يوفّر النظام الدولي الحالي صوتًا للدول القومية، وهذه خطوة في إعطاء صوتٍ لكلّ فرد.

  • الدولة القومية توفر للكنيسة فرصة ممتازة لإظهار الإنجيل

هذا أمر معترف به – لا يوجد سياق لا تُتاح للكنيسة فيه فرصة لإظهار الإنجيل – لكنني أعني التأكيد على أنّ نظام الدولة القومية يوفّر مؤسسات وشروطًا في الحياة العامة يمكن للمجتمعات الدينية الاستفادة منها في خدمة أخبار الملكوت السارة على المستويات المحلية والوطنية والدولية. لا تزال هناك تحديات هائلة، لا سيّما في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا حيث ينخرط الشأن العام في ساحات التشابك السياسي الخطير. رغم ذلك، لا بدّ أن تنخرط الكنيسة. فالسؤال إذًا يتعلق بطبيعة المشاركة. هذا سؤال سوف نستكشفه بتعمق في كلية اللاهوت المعمدانية العربية من خلال مؤتمر الشرق الأوسط 2020 الإنجيل في الشأن العام: أسس كتابية للانخراط في الحياة السياسية والاجتماعية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والعالم (15-19 حزيران/ يونيو). نأمل أن تتمكنوا من الانضمام إلينا ونحن نفكّر في عالمنا، وندرس الكتاب المقدس ونناقش القضايا الملحّة حول الإيمان والشهادة في هذه الأوقات المضطربة.

كيف يمكننا إذًا الاحتفال بذكرى الاستقلال؟ من الجيد أن ندرك نقاط الضعف في الدولة القومية، ونقدّر نقاط القوة، ونمجّد الملكوت الأبدي الذي يسود فوق جميع الأمم.


[1] تحتفل بعض الدول باليوم الوطني بلدانها أو يوم الاتحاد، وهو ما سأعتبره يوم الاستقلال الفعلي لهذه البلدان. وأدرك أنّ هذا أمر قابل للنقاش.

[2] أحد أكثر الأمثلة البارزة على ذلك هو مؤتمر باريس للسلام 1919-1920، حيث قسّمَت مجموعة صغيرة من الأفراد والمندوبين في أوروبا العالم بطرق من شأنها التأثير على مئات الملايين، بل المليارات. بعد قرن من الزمان ما زلنا نتصدى لنتائج هذا الحدث المشؤوم، ولا سيّما في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

[3] في بعض الحالات، قد يكون الخلل حرمان أمة من فرصة لقيام دولة كريمة، مثل حالة الأكراد والفلسطينيين.

[4] يمكن اعتبار نشوء الدولة القومية أيضًا نشوء فكرة جواز السفر.

[5] لعل المثال الأعمق على ذلك هو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، والذي شارك في لجنة صياغته اللبناني شارل مالك.

اترك رد