بيروت، بوليفيا، بغداد، الجزائر، تشيلي، وهونج كونج

مدوّنة الجزائر – نوفمبر/ تشرين الثاني 2019
نوفمبر 26, 2019
مدوّنة سوريا – ديسمبر/ كانون الأوّل 2019
ديسمبر 3, 2019

بقلم روبرت حمد

من بيروت إلى سانتياغو، ومن بغداد إلى هونج كونج، نزل الناس إلى الشوارع للاحتجاج. القاسم المشترك بين كل هذه البلدان هو أنّ عددًا أكبر من الناس أضحوا اليوم فقراء أكثر من أي وقت مضى. وفي الوقت نفسه، تركّز النخبة الحاكمة على الحفاظ على السلطة وجمع الثروة، وإفساد اقتصاداتها السياسية، والتحايل على الإصلاح السياسي، وفرض سداد الديون على شعبها.

في بيروت، يهتف المحتجون في انسجام تام. الناس ينددون بفساد النظام. فيما كنت أمشي في شوارع وسط بيروت، في خضم المظاهرات، سمعت جوقة من الصغار والكبار يرددون الكلام نفسه على حد ّسواء: الظلم الاقتصادي، والمديونية الشديدة، وارتفاع تكاليف الطبابة، والانتكاسة للنخب السياسية التي تحايلت على النظام لجني الأرباح على حساب الفقراء.

الشعب مصدر السلطة

بدأت المظاهرات بسبب اقتراح فرض ضريبة على تطبيق واتساب وتطبيقات مماثلة، لكنّها تصاعدت إلى حركة احتجاجية حاشدة وسلمية في جميع أنحاء لبنان. تتسم الاحتجاجات بميزة فريدة، وهي شموليتها للصغار والكبار وعبورها الخطوط الطائفية. يطالب المتظاهرون باستقالة الحكومة وأن تتنحى النخبة السياسية بأكملها التي حكمت لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية.

في 28 أكتوبر/ تشرين الأوّل، استقال رئيس الوزراء سعد الحريري من حكومته استجابةً للاحتجاجات غير المسبوقة التي عمّت جميع أنحاء البلاد. لقد ضربت الاحتجاجات النخب الحاكمة بشدّة بشل لبنان. أحد الآثار هو أنّ المصارف قد أُغلِقت لأسابيع. علاوة على ذلك، وفقًا للمدير الإقليمي للبنك الدولي ساروج كومار جها، بينما يستمر لبنان في المظاهرات، يواجه الاقتصاد خسائر تتراوح بين 600 و700 مليون دولار يوميًا.[1]

من الواضح أنّ النّاس مرّوا بما يكفي من التدابير السياسية والاقتصادية الماضية ونزلوا إلى الشوارع بأعداد تاريخية مطالبين بالتغيير. بصفتي محاضرًا في التاريخ والسياسة والاقتصاد في برنامج الماجستير في العلوم الدينيّة لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في كلية اللاهوت المعمدانية العربية، أتتبع التوجهات الاقتصادية الكبرى المختلفة، وأعتقد أنّ ما يبدو أنّه مجرّد حراك على مستوى البلاد قد يشير في الواقع إلى المشكلة الكبرى المتمثلة في الاقتصاد المبني على استخراج الإيجار. يضع معدّل النمو الهابط للاقتصاد وارتفاع الديون الاقتصادية أعباء هائلة على عامة الشعب، وتحديدًا أعباء الأجور المنخفضة والرسوم والعقوبات المفرطة، ونسبة الفائدة الثقيلة على الديون المتراكمة.

يقول النبي إرميا “لأَنَّ عَيْنَيْكَ وَقَلْبَكَ لَيْسَتْ إِلاَّ عَلَى خَطْفِكَ، وَعَلَى الدَّمِ الزَّكِيِّ لِتَسْفِكَهُ، وَعَلَى الاغْتِصَابِ وَالظُّلْمِ لِتَعْمَلَهُمَا” (22 :17). من الواضح أنّ إرميا راقب الاقتصاد السياسي في أيامه. يقول المحلّل الاقتصادي مايكل هدسون أنّ البيانات الاقتصادية العالمية تشير إلى أنماط متشابهة ويطرح حجّة مفادها بأنّ الاقتصادات المدعومة في جميع أنحاء العالم لا تتألف من منتج حقيقي وازدهار بل نقل مدفوعات من الاقتصاد ككل إلى القطاع المالي والتأمين والعقارات[2]. بمعنى آخر، ما هو موجود هو اقتصاد لا يخدم سوى مصلحة 1% من قطاع امتلاك الأراضي وتحصيل الإيجارات بدلاً من اقتصاد يعمل لصالح جميع السكان.

توجهات اقتصادية شائعة من الشرق الأوسط

ثمة حاليًا 2115 ملياردير بغنى غير مسبوق على مستوى العالم، بزيادة تقارب 40٪ عن خمس سنوات، بثروة مجتمعة تبلغ 8.7 تريليون دولار[3]. لبنان، بلد يبلغ عدد سكانه حوالي 4 ملايين نسمة (لا يشمل هذا الرقم ما يقرب من مليوني لاجئ سوري أو نصف مليون لاجئ فلسطيني يعيشون داخل لبنان) يضم 9 مليارديرًا.[4] حاليًا يبلغ متوسط دخل الأسرة في لبنان، وفقًا لجالوب، 13004 دولار[5]. تتلقى الأسر الأكثر ثراءً في لبنان، وهي نسبة 1٪، ما يقرب من ربع إجمالي الدخل القومي، ما يجعل لبنان من بين أكثر البلدان غير المتكافئة في العالم.[6] التباين الاقتصادي في لبنان مذهل ، ويحاول الـ99٪ من السكان الآن تحمّل عبء التفاوت عن أكتافهم.

يسوع يفكّ ختوم السفر

في عظة يسوع الأولى التي توجّه بها إلى مجتمعه (لوقا ٤: ١٦ وما يليها)، أعلن عن إرساليته “أن يكرز بسنة الرب المقبولة”، وفقًا لإشعياء ٦١: ١-٢. يشير النص إلى اليوبيل في سفر اللاويين 25. وفقًا لعالِم العهد القديم كريستوفر رايت، كان الغرض الأساسي من اليوبيل هو الحفاظ على النسيج الاجتماعي والاقتصادي واستمرارية المجتمع ورفاهه[7]، وعلى وجه التحديد في مواجهة الديون وعمل السخرة. يدعو إعلان يسوع إلى بداية حلول ملك الله الأخروي. بعبارة أخرى، إرسالية يسوع تُعنى بجميع أوجه الحياة.

علاوة على ذلك، أعلن يسوع أن آمال شعبه في التجديد والتحوّل المسياني اللذين تحققا في خدمته. يشير رايت إلى أنّ استخدام يسوع لكلمة “إطلاق”، aphesis  في اللغة اليونانية الأصلية، يحمل معنى الغفران الروحي للخطيئة وكذلك المغفرة الحرفية والمالية للديون الفعلية[8]. في الشرق الأدنى القديم وبلاد ما بين النهرين، كان العفو عن الديون سياسة مُطبّقة لقرون. ولذلك فهم مستمعو يسوع بلا أدنى شك الأهمية الاقتصادية لكلماته من أشعياء 61 ولاويين 25.

التحدي الذي واجهه مستمعوه هو إعلانه بأنّه يغفر الخطايا. يروي لوقا لاحقًا قصة امرأة ذات سمعة سيئة سكبت الطيب على رجلي يسوع ومسحتهما وهي تبكي بغزارة (لو 7، 37، 50). قال لها يسوع، “مَغْفُورَةٌ لَكِ خَطَايَاكِ” (آية 48). وتناقش الحاضرون فيما بينهم، “مَنْ هذَا الَّذِي يَغْفِرُ خَطَايَا أَيْضًا؟” (آية 49).

ومازال هذا التحدي يواجه الكنيسة اليوم. نحن مرتاحون تمامًا بأن نحدّ يسوع بدور غفران خطايانا، لكننا نناقش مزايا يوبيل الديون. نحن نعتقد أنّ المسائل الاقتصادية تقع خارج نطاق إرسالية الكنيسة. الدعوة إلى إصلاح اقتصادي يبدو دعوة جذرية للغاية. غير مريحة أبدًا. على خلاف ذلك، فإنّنا نفوّت إنجيل يسوع الشامل الذي يحث الناس على المجيء ليجدوا مغفرة الخطايا فيه وحده، ولمعرفة ما يعنيه “اغفر لنا ديوننا كما نحن نغفر للمديونين لنا” في الممارسة العملية. اتباع يسوع يعني اتخاذ مسار مختلف تمامًا، في ضوء الاحتجاجات الأخيرة. يدعونا يسوع إلى إعلان البشارة بأكملها التي قد تتضمن فقط الهدف الاجتماعي-الاقتصادي المتمثل في “استعادة قدرة الناس على المشاركة في الحياة الاقتصادية للمجتمع من أجل سلامتهم وفائدة المجتمع”.[9]

يميل قرّاء الكتاب المقدس اليوم إلى تجاوز النصوص الكتابية المتعلقة بإلغاء الديون، أو يميلون إلى إضفاء الطابع الروحاني على فكرة العفو عن الديون أو تحرير المدين من العبودية. الكتاب المقدس لديه الكثير ليقوله عن سندات الدين والظلم المالي والفساد والاستغلال والاستحواذ على السلطة. بالنسبة لنا كلبنانيين، وعلى وجه الخصوص الكنيسة، نحن نواجه هذه الحقائق. دعونا نعيد تعريف أنفسنا بالكتاب المقدّس كلّه، ونجد الشجاعة من ربنا، الذي يقول، “من له أذنان للسمع، فليسمع،” للوقوف في وجه الظلم والسعي إلى السلام والازدهار في لبنان.


[1] Bassem Mroue, Washington Post, https://www.washingtonpost.com/world/middle_east/world-banks-regional-chief-raises-alarm-on-lebanese-economy/2019/11/08/17f7fbee-0245-11ea-8341-cc3dce52e7de_story.html (accessed November 10, 2019)

[2] Michael Hudson, A Total-Returns Profile of Economic Polarization in America, https://michael-hudson.com/2019/10/asset-price-inflation-and-rent-seeking/ (accessed October 31, 2019)

[3] Luisa Kroll and Kerry A. Dolan, Billionaires the Richest People in the World, https://www.forbes.com/billionaires/#5355989f251c (accessed November 4, 2019)

[4] Maryam Srour, Lebanon’s Billionaire Club, https://www.the961.com/people/8-lebanese-just-made-forbes-middle-east-billionaires-list (accessed November 11, 2019)

[5] Glenn Phelps and Steve Crabtree, Worldwide, Median Household Income About $10,000

Country-level income closely related to Payroll to Population results, https://news.gallup.com/poll/166211/worldwide-median-household-income-000.aspx (accessed October 31, 2019)

[6] World Inequality Database, https://wid.world/country/lebanon/ (accessed October 31, 2019)

[7] Christopher J. H. Wright, “Theology of Jubilee: Biblical, Social and Ethical Perspectives” ERT (2017) 41:1, 11.

[8] Wright, “Theology of Jubilee: Biblical, Social and Ethical Perspectives” 17.

[9] Wright, “Theology of Jubilee: Biblical, Social and Ethical Perspectives” 12.

اترك رد