“هذا ما يريدونكم أن تصدّقوه”

مدوّنة سوريا – ديسمبر/ كانون الأوّل 2019
ديسمبر 3, 2019
القوّة عند الافتقار
ديسمبر 12, 2019

قصّة عن صحن الحمّص ونظريات المؤامرة

بقلم وسام نصرالله

أصبحت نظريات المؤامرة هي “الحمّص” للخطاب السياسي اللبناني. لا يمكنك المشاركة في أي حديث حول ما يجري من حولنا من دون أن تغمس لقمتك فيه.

وكما يحبّ الجميع “الحمّص” اللبناني، فإنّ جميع شرائح المجتمع اللبناني تتمتّع بمشاركة نظريات المؤامرة – صغارًا وكبارًا، “الأشرفيون” و”العكاريون” (نسبة إلى مدن ومناطق لبنانية)، المهندسون والسباكون، المصرفيون والمزارعون، القساوسة وسائقي سيارات الأجرة. “كلّن يعني كلّن، وأنا واحد منّن” – (هذا نسختي الخاصة من الشعار الذي ردّده المتظاهرون).

اسمحوا لي أن أبدأ بمثال حديث للغاية. بمجرد خروج اللبنانيين إلى الشوارع فيما أصبح يعرف باسم “ثورة تشرين”، بدأوا في تلقي الرسائل عبر الواتساب لمقاطع فيديو تفيد أنّ منظمة ثورية سرية تُدعى أوتبور تتولّى تنظيم المظاهرات في لبنان وأماكن أخرى من العالم. نشأت أوتبور (المقاومة باللغة الصربية) في صربيا، وتزعم الرسائل أنّ من يموّلها المستثمر الملياردير جورج سوروس، وهو من المحتمل أن يكون عميل صهيوني. يبدو أنّ الصلة بين الانتفاضة اللبنانية وأوتبور هي رمز القبضة المشدودة التي استخدمها المتظاهرون (اقرأ المزيد في هذا المنتدى).

إذًا، ما هي نظرية المؤامرة على أي حال ولماذا هي واسعة الانتشار؟

وفقًا للقاموس، فإنّ نظرية المؤامرة هي “نظرية تشرح حدثًا أو مجموعة من الظروف كنتيجة لمؤامرة سرية قام بها متآمرون أقوياء عادة” (Merriam-Webster). ينبغي اعتبار آثارها على المجتمع وثقافتنا السياسية والمدنية خطيرة للغاية لأنّها يمكن أن تكون ضارة وفي بعض الأحيان مدمّرة. وفقًا لمايك وود، محاضر في جامعة وينشستر، فإنّ هذه الحملات “تحفّز الناس على اتخاذ إجراءات – للتصويت أو عدم التصويت، لتطعيم أطفالهم أو عدم تطعيم أطفالهم، أي للقيام بكلّ هذه الأشياء المهمة”. تكمن الصعوبة في كون النظريات مجرد نظريات ولا يمكن دحضها علمياً دائمًا، لا سيّما عندما يتعلّق الأمر بالسياسة والشؤون الدولية، ما يجعل محاربتها أكثر صعوبة.

بالإضافة إلى ذلك، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، تصل نظريات المؤامرة اليوم إلى جمهور أوسع وهو يجلس مسترخيًا في غرفة المعيشة. وهذا أكثر إثارة للقلق لأنّ الجيل الأصغر سنًا يتزّود بالمعلومات في الغالب من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وليس من خلال القنوات التقليدية مثل الصحافة والأوساط الأكاديمية والمسؤولين الحكوميين الذين يعتبرونهم مشبوهين.

الأخبار غير السارة هي أنّ هذه الظاهرة لا تقتصر على الشرق الأوسط إنّما هي واسعة الانتشار في البلدان المتقدمة أيضًا. وفقًا لبحث أُجري حول الموضوع، فإنّ نصف سكان الولايات المتحدة يصدّقون نظريات المؤامرة. تزعم نظريات المؤامرة الشعبية أنّ وكالة الاستخبارات المركزية نفذت هجمات 11 سبتمبر/ أيلول، وأنّ المتنورين يسعون لحكم العالم أو أنّ اللقاحات هي مؤامرة صيدلانية كبيرة لكسب المزيد من المال.

من السهل جدًا الاستهزاء بنظريات المؤامرة والتقليل من أهميتها، ولكن إن أردنا أن نكون منصفين، فإنّ الأمر أكثر تعقيدًا مما نعتقد. لكنّني أدركت القيود الخاصة بي فيما يتعلق بالموضوع أثناء محاولة كتابة هذه المدوّنة.

هدفي في هذا المنشور هو تحديد بعض الأسباب والآليات التي تنتِج وتنشر نظريات المؤامرة، والتأمل في بعض الانعكاسات العملية بالنسبة لنا اليوم.

  1. أهمية الأسبقية

يقول المثل الشعبي، “لا يوجد دخان بدون نار”. المؤامرات الحقيقية للغاية، التي تبدو وكأنّها مُستخرَجة من فيلم جيمس بوند، قد شكّلت تاريخ الشرق الأوسط الحديث. على سبيل المثال، تم ترسيم حدود الدول الحالية في الشرق الأوسط في عام 1916 بموجب معاهدة سرية بين الدبلوماسيين البريطانيين والفرنسيين المعروفة باسم اتفاقية سايكس بيكو. في عام 1953، تمّت الإطاحة برئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق، المنتخب ديمقراطياً، في أعقاب الانقلاب الذي نظمته وكالة الاستخبارات الأمريكية (عملية أجاكس). تزايد العمليات السرية خلال الحرب الباردة وأصبحت منذ ذلك الحين جزءًا من الثقافة الجماهيرية وخيالنا السياسي من خلال الأفلام الدرامية المثيرة. أخيرًا، وعلى نحوٍ أكثر مرحًا ومتعةً، أليس بابا نويل وأقزامه أعظم مؤامرة على الإطلاق؟

قد يتساءل المرء، إذا كانت مؤامرات الأمس صحيحة، فلماذا لا تكون صحيحة اليوم؟ بالإضافة إلى ذلك، هل مئات الآلاف من موظفي الاستخبارات العاملين في واحدة من 17 وكالة أمريكية بميزانية التشغيل بمليارات الدولارات يمضون اليوم كلّه بقراءة الأخبار؟

هذه الأمثلة هي مجرّد بعضٍ من أمثلة عديدة أخرى عزّزت ثقافة التآمر بين الشرق أوسطيين، والتي، تضخّم في أذهان الكثيرين قوة وكالات الاستخبارات الأجنبية وتأثيرها. في حالة لبنان، فإنّ جاذبية نظريات المؤامرة تتناسب مع التدخل الأجنبي الذي اعتاد البلد عليه.

  1. قوة التبسيط

نظريات المؤامرة هي الفياجرا للعقل لأنّها تعيد الشعور بالقدرة على السيطرة على أحداث الحياة. في الواقع، فإنّ شرح الظواهر المعقدة باستخدام سرد شامل بسيط يمنح المرء شعورًا بالوضوح وفهمًا للموقف. في مقالته الثاقبة والممتعة، “لماذا نحب المؤامرات“، يوضح إم جي وبر أنّه “بدلاً من أن نكون تحت رحمة قوى تاريخية معقّدة وغامضة خارجة عن سيطرتنا بالكامل، فإنّ المؤامرة الجيدة تجعل العالم أبيض وأسود… المؤامرة الجيدة تقضي على الغموض والريبة. نحن مقابل هم. الخير مقابل الشر. أنت البطل في هذا السرد، المستضعف الذي يحارب تهديدًا عالميًا يبدو أنّه لا يمكن وقفه.” في حالة الثورة اللبنانية، التفسير الأكثر شيوعًا وسهولة لهذه الأحداث هو أنّها نتيجة مباشرة للمواجهة الإقليمية بين الولايات المتحدة وإيران.

  1. راحة إلقاء اللوم على الآخرين

ربما تكون هذه واحدة من أهم السمات البشرية؛ إنها آلية التعاون/ الهروب اللاواعي التي تساعدنا على فهم ما يحدث دون الاضطرار إلى اجتياز عملية الفحص الذاتي المؤلمة. في الواقع، من الملائم أكثر إلقاء اللوم على الآخرين لما نعانيه من بؤس بدلاً من أن نتمسك بأخطائنا.

علاوة على ذلك، نظرًا لأنّ المشكلات العالمية تمثّل مجموعًا من أخطائنا الفردية الصغيرة، عادةً ما نواجه صعوبة في ربط تصرفاتنا الفردية بالمشكلة الكبرى. بعبارة أخرى، من الأسهل دائمًا إلقاء اللوم على أمريكا أو إيران أو المملكة العربية السعودية بسبب مشاكلنا الاقتصادية والاجتماعية بدلاً من فحص أنفسنا بشكل نقدي وتحديد إخفاقاتنا وتبني تدابير تصحيحية. هذا هو الحال عندما تكون الساحة السياسية مقفلة من قبل النخبة الحاكمة يصبح الانخراط مع الأغلبية نقطة الدخول الوحيدة (نأمل أن يتغير هذا مع الثورة الحالية!). عندها يسيطر علينا شعور اللامبالاة وتصبح لعبة اللوم منفذاً جذاباً للغاية.

  1. جاذبية الأنماط

تسعى أدمغتنا إلى البحث عن أنماط بأشياء عشوائية مثل رؤية الوجوه أو الأشكال الحيوانية في الغيوم. هذا ما يسميه العلماء باريدوليا. بعبارة أخرى، عندما تحدث أحداث عشوائية، تحاول أدمغتنا البحث عن خيط مشترك أو نمط ذو مغزى من شأنه أن يربط هذه الأحداث ببعضها ويفهم ما يحدث. انحيازنا إلى التأكيد يدفعنا إلى البحث عن أدلة تؤكد افتراضاتنا أو تريح نظرتنا للعالم.

علاوة على ذلك، يفترض تحيزنا إلى التناسب أنّ الأحداث الكبرى لها أسباب كبيرة. هذا يقودنا إلى المبالغة في تأكيد تأثير بعض الأحداث على مجرى التاريخ البشري أو، على العكس من ذلك، للمبالغة في الأسباب التي تؤدي إلى الأحداث الكبرى التي تحدث. يوضح الفيلسوف كارل بوبر أنّ منظّري المؤامرة يستبعدون النتائج غير المقصودة لأعمالنا وقراراتنا و “يفترضون أنّه يمكننا شرح كلّ شيء في المجتمع تقريبًا عن طريق السؤال: من أراد ذلك؟”. بعبارة أخرى، ننسى أنّ الآثار الاقتصادية والاجتماعية هي نتيجة أفعال وإغفالات العديد من الأشخاص العاديين الذين لم يقصدوا أن تحدث الأشياء بالطريقة التي حدثت بها.

في حالة الثورة اللبنانية الحالية، يمكن للمرء أن يتساءل كيف يمكن أن تكون هذه التعبئة غير المسبوقة في تاريخ لبنان الحديث نتيجة لضريبة الواتساب الوضيعة، والانفجار التلقائي لغضب المواطنين العاديين. إن تحيزاتنا تدفعنا إلى البحث عن تفسيرات أكثر حدة مثل تدخل القوى الأجنبية. هذا لا يعني أنّ القوى الأجنبية لا يمكنها الاستفادة من مثل هذا الموقف، لكن يبدو لي أنّ هذا لا يمكن أن يكون التفسير الوحيد.

  1. فعالية التضليل

أثبتت المعلومات المضللة في الوقت الحاضر أنّها أكثر فاعلية من الأسلحة التقليدية. تنشر حملات التضليل التي ترعاها الدول نظريات الكذب والتآمر بهدف إرباك الناس وجعلهم يشككون من خلال الخوف أو عدم اليقين أو الغضب. تستخدم الأنظمة التضليل لصرف الانتباه عن القضايا الداخلية واختبار ولاء الناس من خلال توحيدهم ضد أعداء خارجيين (في حالة الشرق الأوسط، ضد الولايات المتحدة وإسرائيل بصورة خاصة). في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أثبتت الأبحاث أنّ هذه الاستراتيجية فعالة للغاية بالنظر إلى أنّه “في المتوسط ​​، تصل القصة الخاطئة إلى 1500 شخص أسرع بست مرات من القصة الواقعية. وهذا صحيح بالنسبة للقصص الكاذبة حول أي موضوع، لكن القصص عن السياسة هي الأكثر عرضة للتفشي بسرعة”.

علاوة على ذلك، فإنّ حجاب السرية الذي يحيط بالكثير من عمليات صنع القرار في السياسة، ولا سيّما في هذا الجزء من العالم، قد أوجد ثقافة الشك وعدم الثقة في السياسة والسياسيين التي تعزز جاذبية نظريات المؤامرة.

انعكاسات عملية

بصفتنا مسيحيين ومواطنين، ساهمنا غالبًا في نشر أخبار ومعلومات كاذبة من خلال إعادة توجيه الرسائل التي تلقيناها على وسائل التواصل الاجتماعي دون التحقق منها أو التدقيق في افتراضاتهم. عندما حدث إطلاق النار في مساجد كرايستشيرش في آذار/مارس 2019، بدأ عبر الواتساب، تداول شريط فيديو على الفور تقريبًا عن الكنيسة التي أحرقها المتطرفون المسلمون في باكستان. لم يكن معظم الناس يعرفون أنّ الفيديو كان عمره بضع سنوات (ولم أعرف أنا أيضًا، لقد اضطررت إلى البحث على غوغل)، ولكن نقر الكثيرون على زر “إعادة الإرسال” كرد فعل دون قياس عواقب مثل هذا الفعل. من خلال الانضمام إلى موجة تداول الرسائل دون التحقق من الحقائق والتاريخ، نقر دون وعي قانون حمورابي الانتقامي، “العين بالعين والسن بالسن”، أو نخمد مشاعر التعاطف تجاه الضحايا لأنّه في مكان ما في الماضي أو الحاضر ثمة متطرفون يضطهدون المسيحيين.

في حالة شريط فيديو أوتبور والثورة اللبنانية، ربما تعلّم بعض الناشطين اللبنانيين من تجربة حركات أخرى غير عنيفة أو حتّى قرأوا “دليل النضال اللاعنفي الفعّال” (دليل أوتبور). غير أنّ هذا لا يجعل مطالب المتظاهرين من أجل نظام سياسي عادل وشفاف خالٍ من الفساد والمحسوبية، كنا لا يجعل الثورة مؤامرة ضخمة تحرّضها منظمة سرية تهدف إلى تقويض الديمقراطية اللبنانية.

ليس هناك شك في أنّ وضعًا كهذا يحذى باهتمام كبير من الحكومات الأجنبية، لا سيّما إذا كان يتيح لها تحقيق أهدافها الإقليمية دون إطلاق رصاصة واحدة. ومع ذلك، لن يكون من العدل ولا من الصدق أن يُنظر إلى التظاهرات من هذا المنظور فقط.

كما يحثنا بولس في 1 تسالونيكي 5: 21-23 ” امْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ (النبوات ونظرات المؤامرة). تَمَسَّكُوا بِالْحَسَنِ. امْتَنِعُوا عَنْ كُلِّ شِبْهِ شَرّ.” لذلك نحن لا نصدّق كلّ شيء ولكن نفكّر في خطواتنا كما يذكرنا الأمثال 14 :15.

وعطفًا على كل ما قيل آنفًا يجب علينا أيضًا أن نتذكر ألا نكون ساذجين بل أن نكون يقظين لأنّ “مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ” (أفسس 6: 12).

وحينما تشارك في مناقشة تتضمن نظريات المؤامرة، تحدّى الافتراضات وتحقق من الحقائق دون التقليل من شأن الشخص الذي أمامك أو الاستهزاء به؛ كن متواضعًا وتذكّر أنّه في كثير من الأحيان ليس هناك تفسيرًا واحدًا لكلّ ما يحدث.

أخيرًا، نعلم أنّ هناك أشياء لا يمكننا معرفتها وبإعادة صياغة لدونالد رامسفيلد، ثمة أمور لا نعرف أننا لا نعرف عنها. أي أنّ هذا لا ينبغي أن يقلقنا. قبل صعوده إلى السماء، أخبر يسوع تلاميذه ” لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا الأَزْمِنَةَ وَالأَوْقَاتَ الَّتِي جَعَلَهَا الآبُ فِي سُلْطَانِهِ، لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ” (أعمال 1: 7 و8). ينبغي أن نركّز على إرساليتنا. دورنا هو أن نثق به، والخبر السار هو أنّه أثبت أنّه جدير بالثقة.

اترك رد