مدوّنة لبنان – يناير/ كانون الثاني 2020

إلامَ نفتقد في مساهمتنا في انتفاضة لبنان؟
يناير 2, 2020
هل يمكن أن تكون الكنيسة بدون مبنى كنيسة أفضل؟
يناير 9, 2020

موقف اللبنانيين المتناقض حول عودة اللاجئين السوريين

بقلم شادن هاني

 

الخبر

موضوع اللاجئين السوريين في لبنان ليس بالجديد، ومسألة عودتهم إلى بلادهم قد طُرِحَت باستفاضة في المجالس الداخلية وفي الدوائر الدولية. في السنوات القليلة الماضية، تداولت السلطات اللبنانية موضوع عودتهم كجزء من حلّ داخليّ للسياسة المحليّة، وفي مناسبات أخرى وجّهت خطابًا حادًا إلى المجتمع الدولي تلومه بالتآمر من أجل تسوية وضع النازحين السوريين في لبنان. تتباين المواقف والمشاعر فيما يتعلّق بموضوع النازحين في لبنان. فخلال الثورة الشعبية التي شهدها لبنان في الأشهر الماضية، رأينا احتجاجين متناقضين متقابلين في الشارع بالقرب من مقرّ بعثة الاتحاد الأوروبي في العاصمة بيروت. أحد الاحتجاجات عبّر عن امتعاضه من الأعباء الاقتصادية التي فرضها وجود اللاجئين السوريين على الاقتصاد اللبناني، بينما أثار الاحتجاج المقابل موضوع حقوق الانسان ورفع شعارات تعبّر عن رفض التمييز والعنصرية تقول “اللاجئون ليسوا أعداءنا”.

التحليل

موضوع النزوح السوري له العديد من الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية في لبنان. العبء الاقتصادي الناجم عن تدفق ما يفوق المليون والنصف نازح أثّر على الموارد المحليّة وفُرص العمل. كما أنّ الانقسام السياسي الداخلي حول قضية النزوح السوري يكشف لنا عن مواقف مختلفة في السياسة الخارجية تجاه سوريا. فموقف رئيس مجلس الوزراء السنيّ، سعد الحريري، الذي لا يزال يشكّك في شرعية الرئيس بشار الأسد ويرفض الدخول في مفاوضات مباشرة مع النظام السوري، ويكرّر التزام لبنان في دعم القانون الدولي والمبادئ الإنسانية. أمّا موقف وزير الخارجية جبران باسيل، الذي ينتمي إلى الطائفة المسيحية، يخشى أن يتزعزع التوازن الطائفي الدقيق بين المسلمين والمسيحيين في البلاد، فهو يوافق على تطبيع العلاقات مع الحكومة السورية ويدعم العودة “الطوعية” للاجئين من خلال الترويج للحملات المحليّة التي تدعو إلى الاستعجال بترحيلهم بموجب اتفاقيات محليّة غير خاضعة لإشراف مفوضية الأمم المتحدة التي تعتبر أن عودة النازحين لا زالت غير آمنة.

اللبنانيون لديهم مواقف متضاربة تجاه اللاجئين. فالاحتجاجات الأخيرة حول انتشار الفساد والزبائنية السياسية والطائفية أنتجت موجة غضبٍ ضد أضعف فئات المجتمع هذه، وهي تهدّد مستقبل السوريين المقيمين في لبنان وحياتهم. وبالرغم من كون أغلبية النازحين يعيشون ظروفًا صعبة، غالبًا ما يمكن توصيفها بالاستغلال في مجال العمل والتعليم والخدمات الصحيّة، وبالرغم من تعرض ما يقارب نسبة 74% من النازحين لخطر الاحتجاز أو الترحيل بسبب افتقارهم إلى إقامة قانونية في البلاد، إلّا أنّ نسبة كبيرة منهم تفضّل البقاء في لبنان بدلاً من مواجهة عواقب العودة إلى بلادهم حيث تُسمع أخبار اعتقالات عشوائية وأعمال قتل.

أحداث لبنان الأخيرة شهدت انتفاضة تطالب بالكرامة الإنسانية. فهل يجوز أن نطالب نحن بالكرامة ونحرمها عن آخرين؟ هل نحن اللبنانيون نستسلم لمشاعر عدائية تجاه النازح السوري لأسباب اجتماعية -اقتصادية، أو بسبب الفروقات الاجتماعية، أو بسبب مشاعرنا التي تعود إلى حقبة الحرب الأهلية؟

التأمل اللاهوتي

يتناول هذا التأمل موقفنا المتناقض والمتقلّب تجاه موضوع عودة اللاجئين السوريين. يجد اللبنانيون أنفسهم ممزقين بين مشاعرهم وقناعاتهم. فمن ناحية، وجود النازحين واقامتهم في لبنان تسبب مشاكل اقتصادية في بلادنا، ومن ناحية أخرى نرى بوضوح أنّ الله قد ائتمن الكنيسة في لبنان على رعاية النازحين ومعاملتهم برحمة وكرامة.

من الطبيعي أن يعزل الإنسان ذاته عما يعتقد أنّه يهدد رفاهيته ومستقبله. يمكن للخوف أن يسيطر على مشاعرنا ويدفعنا إلى اليأس وإلى إبعاد كلّ ما ومن يهدد أمننا وأماننا، حتّى لو كان هذا الشخص بحاجة إلينا. لكن يسوع يرفض أسلوب الحياة هذا. يصف اللاهوتي “ميروسلوف فولف” الأذرع المفتوحة ليسوع على الصليب بأنّها حركة تُخرج الانسان من ذاته ودعوة غير مشروطة للآخر. على الصليب أيضًا، تحمّل المسيح عنف الإنسانية وشرّها كي يحتضنها[1]. فإذا أردنا قبول دعوة الله، علينا أن نتخلى عن مخاوفنا الآنية، وأن نضع الحقوق الإنسانية للنازحين فوق اعتبار مصالحنا الشخصية. بالرغم من أنّ عملية الاحتضان التي جسّدها يسوع على الصليب ليست نهائية في ذاتها، يقول “فولف” أنّ حركة توجه الذات نحو الآخر متواصلة وتتمثّل بحركة الأذرع المفتوحة، ولا نهاية لها. وبدون هذه الدينامية التكميلية والمستمرة، نحن لسنا بقادرين على التغيير والنمو في معرفتنا وعلاقتنا بالله.

الانعكاسات الإرسالية

المحبة الباذلة ذاتها للآخر والذي تجلّت على الصليب هي جوهر الإيمان المسيحي. هذه المحبّة تتطلّب أن نعيش حياتنا بصورة مختلفة اختلافًا جذريًا. لقد استجابت الكنيسة المحليّة في لبنان بتعاطف كبير لحالة النازحين السوريين منذ بدء الأزمة السورية عام 2011.  ظهر هذا التعاطف من خلال الخدمات الإنسانية التي وفرّت الرعاية الصحيّة والغذائية والتعليمية، وقد عبّرت هذه الخدمات الرعائية عن موقف الكنيسة الذي يعكس قيم ملكوت الله. ولكن للأسف، هذا التعاطف الإنساني لا يملكه الجميع. لا يزال هناك عدد كبير من اللبنانيين يشعرون بالكراهية من نحو النازحين، وهو ما رأيناه علنًا في الانتفاضة. الأعمال الصالحة ضرورية كيّ نعبّر من خلالها عن إيماننا، ولكن عالمنا اليوم بحاجة إلى سماع صوت الحقيقية عاليًا. فهل الكنيسة حاضرة بما فيه الكفاية في خيام الثوّار الآن في جميع المناطق اللبنانية التي تشهد حوارات توجيهية وأحاديث متنوعة، كي تتحدث عن قيم وأخلاق الملكوت التي علينا ممارستها تجاه اللاجئين؟ مهما كانت النتائج والمخارج السياسية للموضوع، يجب ألا يكون موقفنا من منطلق خوف بل من منطلق محبة.


[1] Miroslov Volf, Exclusion and embrace (Nashville: Abingdon Press, 1996), 35.

اترك رد