اغتيال قاسم سليماني يعيد فتح تقرحات جراح الضحية في منطقة هي في أمَسّ الحاجة لشفاء عميق

هل يمكن أن تكون الكنيسة بدون مبنى كنيسة أفضل؟
يناير 9, 2020
الكنيسة مجتمع كهنوتي
يناير 23, 2020

بقلم مرتان عقّاد

اغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، بأمرٍ من الرئيس دونالد ترامب في فجر الثالث من كانون الثاني / يناير في مطار بغداد، كرّس سنة 2020 الجديدة بالدم منذ مطلعها. من المتوقع أن تترتّب على القضاء على لواء فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني ونائب قائد قوات التعبئة الشعبية العراقية ورئيس كتائب حزب الله آثار خطيرة للغاية تنعكس على استقرار منطقة الشرق الأوسط.

هذه العملية، التي قرأها الكثيرون بأنّها خطوة حرب من قِبل الولايات المتحدة تجاه إيران، سبقها أشهر من العصيان الشعبي في العراق ولبنان، ومؤخرًا في إيران، وجميع هذه التحركات ضمّت فصائل شبه عسكرية مدعومة من إيران. هذا وقد أدّى مقتل أكثر من 400 متظاهر في العراق وإصابة نحو 20 ألف شخص بجروح خطيرة نتيجة أعمال انتقامية وحشية قامت بها القوات الحكومية وحلفاؤها شبه العسكريون إلى استقالة رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي في أوائل ديسمبر/كانون الأوّل. وكان الشيعة الموالون للتيار الصدري من بين الضحايا الرئيسين لهذا العنف الذي ترعاه الدولة. وحقيقة أنّ الجناة والضحايا من الشيعة في معظمهم يبرز الدور الاستثنائي لإيران واستراتيجيتها التوسعية الفتاكة في المنطقة. وفي حين أنّ التدخل الإيراني في العراق، أدّى إلى أعمال انتقامية دامية، في لبنان، ما زال دور حزب الله كوكيل إيران يظهر على نحوٍ أكثر ليونة، رغم أنّه لم يكن أقل عدوانية، وفي الحالتين يُظهر سيطرة إيران على النتيجة المستقبلية للمواجهات الشعبية بين مواطني هذه البلدان والنخب السياسية الراسخة والفاسدة.

لقد ولدت جمهورية إيران نفسها بسبب نضال حركة المضطهدين في وجه النخب السياسية المدعومة من الغرب. كانت الثورة الإيرانية عام 1979 لحظة فاصلة للنصر والتبرير في تاريخ طويل من التهميش والاضطهاد. وحركة مماثلة في لبنان، اشتعلت عام 1982 وهي حركة المضطهدين للإمام موسى الصدر التي تتجلى في حزب الله ذي الولاء الإيراني القوي.

على الرغم من أنّ الحركات الشيعية المستوحاة والمدعومة من إيران في المنطقة بعد أربعين عامًا ظهرت كواحدة من أفضل الجماعات شبه العسكرية المسلحة والأقوى، سواء في لبنان أو سوريا أو العراق، فإنّ قواعد دعمهم تندفع إلى الاستمرار في الإيمان بتلك الرواية القديمة للظلم والتهميش.

المواجهة الحالية المتصاعدة بين الشيعة المدعومين من إيران والأغلبية السنية في المنطقة هي قضية كلاسيكية ومأساوية يتحوّل فيها الضحايا إلى جناة، لأنّهم يشعرون بأنّهم ملزمون بالحفاظ على أنفسهم في موقع السلطة والهيمنة خوفًا من التعرض لظلم الضحية من جديد.

هذا وقد انغمس القادة الدينيين المسيحيين في لبنان والعراق في محور هذه الديناميكية المتناقضة. في لبنان، المطران الأرثوذكسي الياس عودة في خطبته الأحد في 8 كانون الأول/ديسمبر، لمّح إلى حزب الله وبالتحديد الأمين العام للحزب السيّد حسن نصرالله من دون أن يسميه، باعتباره الشخص الذي يتخذ جميع القرارات في لبنان لأنّه زعيم الحزب الوحيد الذي لا يزال متمسك بأسلحته خارج الجيش اللبناني. ونتيجة لتصريحه هذا انهال وابل من الانتقادات على المطران عودة من كلّ حدب وصوب. وعلى غرار تصريح عودة تحدّث في العراق المطران الكلداني بشّار وردة من أربيل منتقدًا دور إيران في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 4 ديسمبر/كانون الأوّل.

أثارت تصريحات المطرانين وقادة الكنيسة الآخرين انتقادات واسعة وأعادت فتح مسألة حدود التداخل بين الكنيسة والدولة. ولكن في الواقع، تؤكّد هذه الإدانات ذات الدوافع السياسية مسؤولية أتباع المسيح على التصرف باستقامة وأن تقول الكنيسة الحق للسلطة دون خوف من العواقب. لقد دعم كلّ من عودة ووردة بصوتٍ عالٍ الانتفاضات الشعبية في بلديهما منذ بدايات شهر أكتوبر/تشرين الأوّل، وإدانتهم لدور إيران معتمدين على فهمهم بأنّ الأخيرة باتت مساهمًا رئيسًا في إخضاع وإسكات أصوات الإصلاح ومكافحة الفساد.

كيف نكسر حلقة العنف التي يغدو فيها الضحية معتدٍ دون ارتكاب ظلم تاريخي؟ كيف نحرّر أولئك الذين يعانون عقلية الضحية من فوضى التصور التاريخي المشوه للذات؟ كمسيحيين عرب، نحن مدعوون لتحرير أنفسنا أولاً من عقلية الضحية ووضع الأقلية المضطهدة. فقط عندما نُشفى من جروحنا التاريخية بواسطة جروح المسيح، يمكننا أن نبدأ في رؤية أنفسنا كجزء من حلّ العنف والظلم اللذين باتا جزءًا من الحياة اليومية في منطقتنا. عندما نرد على الاضطهاد من خلال السعي لحماية أنفسنا بالقوة الدنيوية، فإننا نحرم أنفسنا من فرصة اتباع معلّمنا. من خلال تبني نموذج المسيح، الشافي المجروح، يمكننا أن نتعامل مع جرحنا ونجد فيه مصدر شفاء للمجتمعات من حولنا. هذه هي دعوتنا إلى الدور النبوي الشافي، سواء كنا نخدم الشيعة اللبنانيين والعراقيين أو اليهود الإسرائيليين.

اترك رد