غارقون في الطين: تأمل حول الانغماس الإنجيلي في السياسة

الكنيسة مجتمع كهنوتي
يناير 23, 2020
مواجهة فايروس كورونا والاستعمار واللاهوت الفاسد على غرار غاندالف الأبيض
فبراير 6, 2020

بقلم مايك كون

منذ بدء المظاهرات التي عمّت البلاد في 17 تشرين الأوّل/ أكتوبر، 2019 والشارع اللبناني يسمع عبارات مثل “الدولة المدنيّة هي الحل”، “الدولة العلمانيّة هي ما

“لاَ تُعْطُوا الْقُدْسَ لِلْكِلاَب، وَلاَ تَطْرَحُوا دُرَرَكُمْ قُدَّامَ الْخَنَازِيرِ، لِئَلاَّ تَدُوسَهَا بِأَرْجُلِهَا وَتَلْتَفِتَ فَتُمَزِّقَكُمْ” (متى 7: 6).

أحد التفسيرات لهاتين الكلمتين الغريبتين اللتين قالهما يسوع “الخنازير” و”الكلاب” هما إشارة غامضة إلى السلطة السياسية للأمم (أي الرومانية). من وجهة نظر هذا التفسير، لم تكن غاية يسوع التكلّم ضد روما بصورة مباشرة، لذا سمحت لغة “الخنازير” و “الكلاب” للمستمعين اليهود بتمييز المغزى الذي أراده وفي الوقت نفسه التكتم عنه. لم يكن يسوع مهتمًا بروما في حد ذاتها، بل كان مهتمًا بتحذير القادة الدينيين في إسرائيل من التواطؤ مع السلطات الرومانية. ففي نهاية المطاف لقد سمحت نعمة الرومان لليهود بإعادة بناء الهيكل وتوسيعه ليكون في أمجد حالةٍ عرفها في تاريخه. أمّا مصطلحا “القدس” و”الضرر” التي أشار إليهما يسوع فهما دلالة إلى منشآت العبادة اليهودية، ولا سيّما الهيكل الذي كان تحت السلطة الرومانية وتحت حمايتها.[1]

وقد لا يكون هذا المفهوم هو التفسير الشرعي الوحيد للنص، ولكن بالنظر إلى مصير الهيكل اليهودي في عام 70 م وتشتت الشعب اليهودي نتيجة لذلك، يمكننا القول أنّ نبوءة يسوع عن دمار المقدّسات ومهاجمة الأقداس قد تحققت بصورة مرعبة. بالفعل لقد سحقت “الخنازير” “الضرر”.

لقد كُتِب الكثير عن العلاقة بين السلطة السياسية وملكوت يسوع، بحيث يبدو أنّه ليس من الضروري قول أيّ أمرٍ آخر. غيرّ أنّ على شعب الله في العهد القديم قد ننسى تمامًا كلّ ما قيل.

عندما عاد يسوع من البرية، بعد أن هزم الشيطان بعد معموديته وإعلان الآب أنّه الابن الحبيب، أعلن حلول ملكوت الله. وخلافًا لكثير ممّا يُشاع في الفكر المعاصر، لم يكن يعد بحلول ملكوت الله مستقبلاً، ولكنّه أعلن أنّه قد حلّ فعلًا وأنّه حاضرًا، لأنّه هو الملك، كان حاضراً. لقد كان إعلانًا جريئًا – يتحدى كل ولاء سياسي وغير سياسي لا بلّ قد يقلب كلّ ولاء.

ولكي نكون واضحين، لم يكن يسوع لاسياسيًا. لم يقل “قد يكون لكم قادة دنيويون لكن تذكّروا أنّه ذات يوم ستسكنون السماء حيث أكون أنا ملكًا”. كما لم يكن يقول: “هيرودس ملك على أرضكم، أمّا أنا ملك على أرواحكم.” ملكوت الله يدعونا إلى الولاء المطلق لأنّه غزى ممالك هذا العالم، وهو يدعو رعاياها ليكونوا دليلًا حيًّا على الملكوت، وليكونوا ملحًا ونورًا في مجتمعاتهم (متى 5: 13-16).

التاريخ الفاسد لكلّ من المؤسسية المسيحية والإسلامية يغصّ بالانغماس السياسي والعسكري. ترك لنا أسلافنا المسيحيون إرث الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش الإسبانية وحروب الدين – أمثلة واثقة لما يحدث عندما الطاعة المخلّصة للمسيح تفسدها الأجندات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي يتبنّاها رجال الدين.

لم يكن الإسلام أفضل حالًا لأنّ الممالك الإسلامية المتعاقبة داهمت ونهبت باسم الله. على الأقل، زعم الإسلام أنّه مؤسسة سياسية، بينما يرفض يسوع بوضوح مفهوم الإكراه. يمكن للمرء أن يسامح الملحدين الحديثين لاتهامهم الدين بأنّه المسؤول عن سفك الدماء أكثر من الفلسفات المادية والمناظير العالمية. عندما تقترن السلطة السياسية بالاستحقاقية الإلهية، تبيت النتيجة كارثية.

ومن المثير للاهتمام، أنّ مسألة الدين والسياسة هي في طليعة الأحداث الدرامية التي تتكشف في كلذ من الشرق الأوسط (وبخاصة لبنان، ولكن العراق أيضًا) والولايات المتحدة. رغم أنّه يمكن قول الكثير عن رغبة لبنان في حكومة غير طائفية، إلّا أنني أترك ذلك لأصدقائي اللبنانيين (انظر منشورات مدونة معهد دراسات الشرق الأوسط الحديثة). وهنا، أركّز على المسألة في الولايات المتحدة، الأمر الذي له تداعيات في الشرق الأوسط والعالم.

منذ عهد ريغان والأغلبية الأخلاقية، غازل الإنجيليون السلطة السياسية وتزوجوها في بعض الأحيان. يرى الكثيرون أنّ الولايات المتحدة تأسست على “مبادئ مسيحية”. هذا التوجه الفكري يبوّق لانتصارات إدارة الجمهوريين الحالية في تعيين قضاة محافظين للمحكمة العليا كدليل على أنّ التحالفات السياسية يمكن أن تخلّص الأرواح، وبالتالي تخلّص المجتمع الذي على هاوية النسبية لما بعد المسيحية. ثمة الكثير من الحديث حول “استعادة أمريكا للمسيح” أو إعادة البلاد إلى الرؤية المسيحية للآباء المؤسسين.

احذروا من طرح ضرركم قدّام الخنازير، لئلاَّ تدوسها بِأَرجلها وتلتفت فتمزِّقكم!

في هذه الحقبة المربكة، لن يجدي التفكير وفقًا لمبدأ “الكل أو لا شيء”. ساهمت الإدارة الأمريكية الحالية في القضايا الحيوية التي ناضل المسيحيون منذ زمن طويل لدعمها (مثل حماية الجنين الذي لم يولد بعد). غير أنّه ثمة أسئلة أخرى يجب مواجهتها على نحوٍ مباشر. وتشمل هذه الأسئلة قول الحقيقة، الكرامة والمساواة بين جميع الأعراق، العنف المسلّح، التبادل والاحترام بين الجنسين، رحمة المحتاجين (مثل المهجرين وطالبي اللجوء)، الالتزامات تجاه الحلفاء القدامى، المسؤولية المالية، الكياسة في الكلام والتفاعل، استغلال المنصب السياسي لتحقيق مكاسب شخصية، مخاطر التوافق الإنجيلي مع أجندة “أمريكا أولاً”، إلخ.

عندما أصدرت مجلة Christianity Today افتتاحية لأحد أعدادها تدعو فيه إلى عزل الرئيس الحالي وإقالته من منصبه، اشتعلت عاصفة نارية في الصحافة وبين المسيحيين. وقد أكدّت دعوة لاحقة للحوار حول هذه القضية أنّ Christianity Today لديها مسؤولية التحدث نيابة عن جسد المسيح الكوني. أشارت المجلة إلى أنّ الرئيس الحالي يتمتع بدعم واسع من الإنجيليين الأمريكيين ما قد يوجّه رسالة مربكة للمسيحيين حول العالم.

هل الجواب هو أن يظلّ الإنجيليون لاسياسيين؟ لا.

من خلال تأسيس الملكوت على الأرض، بدّل يسوع المسيح الولاءات السياسية للقوى الأرضية. إنّ انخراطنا في ذلك الملكوت ليس دعوة للانسحاب من ممالك العالم، بل دعوة للتغلغل فيها كملح ونور. فكّر في نفسك كسفير لملكوت المسيح في مجتمعك.

يمكن لأولئك الذين ينتمون للمسيح أن يحتفلوا بصورة مشروعة بالخير الذي حققه نظام سياسي ما، لكن دون إقصاء أنفسهم عن كشف شرّه وظلمه. أتباع المسيح ليسوا محايدين في السياسة، بل ناشطون، يتكلّمون ويتصرفون بطرق تعكس قيم ملكوت يسوع. لن يوافق أتباع المسيح المفكّرون على مجموعة متنوعة من القضايا والشؤون. لذا، فإنّ هذه المشاركة تتطلب حوارًا واستعدادًا لاحتضان من يختلفون معهم. “الاحتضان” بهذا المعنى هو تعليق الحكم لفترة كافية لرؤية منظور إخواننا وأخواتنا والتعلّم منهم. نحتاج إلى حوار “ملح ونور” بين المسيحيين حتى حين نكون منخرطين في أنظمتنا السياسية.

وفقًا لتيموثي دالريمبل، الرئيس والمدير التنفيذي لمجلة Christianity Today، “في المشهد السياسي الذي يسيطر عليه الاستقطاب والعداء وسوء الفهم، نعتقد أنّه من المهم بالنسبة للمسيحيين أن يكونوا نموذجًا كيف يصيّغوا رأيًا حازمًا ويستضيفون مناقشة حرة في الوقت نفسه. لا يستطيع الإنجيليون في مختلف أطيافهم أن يستمروا في الصراخ على بعضهم البعض، أو التنمر على من يعارضونهم أو يستبعدون بعضهم بعضًا ويرفضون الاستماع إلى الآخر”.

ربّما كيفية مشاركتنا سياسيًا سوف تُظهر من هو ملكنا الشرعي.

سواء كنا نتظاهر في بيروت أو بغداد أو نراقب محاكمة الاقالة في الولايات المتحدة، يبقى ولاء جميع أتباع المسيح واحدًا.


[1] Stassen G and Gushee D. (2003) Kingdom Ethics: Following Jesus in Contemporary Context, Downers Grove, IL: InterVarsity Press, p. 457-459.

اترك رد