مواجهة فايروس كورونا والاستعمار واللاهوت الفاسد على غرار غاندالف الأبيض

غارقون في الطين: تأمل حول الانغماس الإنجيلي في السياسة
يناير 28, 2020
“التاريخ لا يعيد نفسه، لكنّه يردّد القافية نفسها” – كيف يمكن أن يصنع المسيحيون التاريخ هنا والآن
فبراير 13, 2020

بقلم نبيل حبيبي

يقف الساحر غاندالف الرمادي، وهو شخصية أساسية في رائعة تولكين Lord of the Rings، في مواجهة وحش من أسافل الأرض ويصرخ بوجهه: “لن تمر!” يهرب أصدقاء غاندالف بينما يسقط هو في هوة عميقة مع الوحش. يقوم من جديد وقد تحوّل إلى غاندالف الأبيض بعد أن هزم الوحش. هذا المشهد من أكثر المشاهد شهرة في أفلام Lord of the Rings. والسؤال لنا هنا هو متى يجب أن نقف وقفة لاهوتية مشابهة لتلك التي وقفها غاندالف؟ متى يجب أن نرفع عصانا الرمزية في وجه حالة ثقافية أو اجتماعية ما ونصرخ “لن تمر”؟

انقضى شهر يناير/كانون الثاني. ونشعر كأنّ سنة كاملة قد مرّت علينا. في الأسبوع الأوّل من السنة الجديدة اقتربنا من حافة حرب عالمية ثالثة بسبب الاغتيال الأميركي للجنرال الإيراني قاسم سليماني. وها نحن نقف الآن على حافة وباء عالمي بسبب تفشي فايروس كورونا في الصين وغيرها من البلدان في العالم.

أمّا على المستوى المحلي فالأمور ليست أفضل حالًا. ما زال لبنان في خضم العاصفة الاقتصادية. خفتت وتيرة المظاهرات السياسية الآن ولكنّه الهدوء المؤقت ما قبل تجدد المظاهرات. وبالنسبة لفلسطين كشف الرئيس ترامب عن “صفقة القرن.” احتجّ الجميع[1] ما عدا، ويا للعجب، الحكومة الإسرائيلية اليمينية والمسيحيين الصهيونيين في أميركا[2]. الفلسطينيون ونضالهم لأكثر من سبعين سنة من أجل العدالة والوجود اختُصِر بقبول أو رفض بضع مدن وقرى متناثرة تربطها حواجز عسكرية إسرائيلية ونفق تحت الأرض!

لقد كان شهرًا حافلا باللاهوت المميت. الموضوع مؤلم لي شخصيًا، وبالكاد أجد القوة لأكتب عنه. لنبدأ بالصين. ارتفعت عدة أصوات دينية، مسيحية[3] وإسلامية[4]، تدّعي أن فايروس الكورونا هو عقاب من الله للصين على اضطهادهم للجماعات الدينية.

ويستمر الإنجيليون في الغرب والعالم بالدفاع عن إسرائيل، آخر دولة استعمارية في العالم الحديث. لا أرى حاجة للتوسّع في هذه النقطة الواضحة. يصف هؤلاء صفقة القرن بأنّها حلّ منطقي وسيشيطنون الفلسطنيين إن رفضوا هذا العرض “المنعم.”[5]

لن أقدّم حججًا لاهوتية ضد نسب فايروس كورونا لله أو ضد الدفاع عن دولة إسرائيل الاستعمارية. قد أكتب حول هذه الأمور في مدوّنة مستقبلية. أريد أن أناقش اللاهوت، وبخاصة اللاهوت المميت.

بصراحة تامة، المسيحيون الذين يدافعون عن دولة إسرائيل أو الذين يرون يد الله العادلة في فايروس كورونا ليسوا أشرارًا. هم مسيحيون أمناء يريدون أن يتبعوا يسوع في العالم. يرون في دفاعهم عن إسرائيل أو تهجمهم على الصين وقفة كوقفة غاندلف. هم يتصرفون بأمانة تجاه لاهوتهم في وجه التيار الثقافي العام. وإن رأى الكون بأسره أنّ فلسطين مظلومة سيقف هؤلاء مع إسرائيل. ولو رأى كلّ العالم أنّ الصين تتألّم وتحتاج إلى مساعدة سيتمسكون بالقول أنّ فايروس كورونا من الله. لقد حسموا موقفهم.

إذًا، كيف نفرّق بين اللاهوت المُحيي واللاهوت المميت؟ أعتقد أنّ الإجابة بسيطة. ربّما مفرطة في البساطة لبعض القرّاء. يمكننا أن نفرّق بين اللاهوت مُحيي واللاهوت المميت على أساس شخص يسوع المسيح. لاهوتنا وكلّ إيماننا يعتمدان على تجسد المسيح وحياته وموته وقيامته وصعوده. كلّ لاهوتنا وإيماننا يعتمدان على ربوبية يسوع المسيح. إذا كان المسيح ربًّا، إذًا مسيحيتنا منطقية. لو لم يكن كذلك، فنحن نتبع معتقدات فارغة.

ما هي صفة يسوع الأساسية؟ ما الذي ميّزه عن معلمي عصره؟ أعتقد أنّ لاهوته المحيي ونعمته وإصراره على أنّ السبت (لا بل كلّ الناموس) هو تحت البشر وليس العكس. وفوق كلّ شيء محبته. من هو إلهنا؟ ببساطة إنّه يسوع الذي أظهر لنا صورة الآب. وكيف يجب أن نحيا؟ على نحوٍ متناغم مع صورته، صورة يسوع.

إذًا، قبل الدخول في المقاطع الكتابية ومناقشة الأفكار اللاهوتية، دعونا نتوقف للحظات. هل يسوع الذي نراه في الأناجيل يرسل مرض فايروس الكورونا ليُظهر غضب الله؟ هل المسيح الذي نراه في الأناجيل يوافق على العنف الإسرائيلي ضد الفلسطينيين؟ هل سيقبل يسوع الأناجيل طرد أشخاص من بلدهم وبناء دولة على أنقاضهم؟

أعتقد أنّه سواء القراءة السطحية أو العميقة للنصوص المقدسة ستجلب الإجابة نفسها على الأسئلة أعلاه: “لا”.

هذه ليست دعوة لبعض المسيحيين الهشّين الراغبين في اتخاذ قراراتهم وفقًا لسوار “ماذا كان ليفعل يسوع؟” كدارس ومدرّس للكتاب المقدّس ولغته وسياقاته الأصلية، أرتجف خوفًا أمام مثل هذا الخيار. وعلى العكس من ذلك، أعتقد أنّ اللاهوت المميت المذكور آنفًا يمكن مواجهته بسهولة بقراءة متوازنة للكتاب المقدس.

فيما يمضي عام 2020 قدُمًا، ومع استمرارنا في تحمل الأحداث المحلية والعالمية، سنواجه لاهوتيات محلية وعالمية تنسب لله قضايا مختلفة. قد لا تكون لدينا المهارات أو الوقت لإجراء بحث مناسب في كلّ موضوع بغية الحكم على كلّ لاهوت، ولكن لدينا يسوع. فلنسأل إذًا، هل لاهوتنا محيي؟ هل يشبه ربّنا ومخلصنا يسوع المسيح؟ عندها فقط يجب أن يرن صوتنا عاليًا: لن تمر!


[1] https://www.middleeastmonitor.com/20200203-deal-of-the-century-backfires-on-israels-netanyahu/ يوضح رد فعل الجامعة العربية. يمكن الاطلاع على المقالات المختلفة التي لها ردود فعل سلبية من قوى عالمية أخرى على الإنترنت.

[2]  إليكم مثال: https://www.jpost.com/Arab-Israeli-Conflict/Donald-Trump-Deal-of-the-Century-peace-plan-proves-Israel-kissed-by-God-615570

[3] https://www.newsweek.com/christian-pastor-claims-coronavirus-gods-death-angel-blames-parents-transgendering-little-1484473

[4] إليكم مقال وجهة النظر هذا: https://caravandaily.com/coronavirus-may-be-divine-punishment-for-china/.. رأيت الكثير من وجهات النظر المماثلة من أصدقائي المسلمين على الفايسبوك.

[5] انظروا منشور مرتان عقّاد حول صفقة القرن من حزيران/ يونيو 2019: https://abtslebanon.org/ar/%d9%85%d8%af%d9%88%d9%91%d9%86%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b1%d8%af%d9%86-%d9%8a%d9%88%d9%86%d9%8a%d9%88-%d8%ad%d8%b2%d9%8a%d8%b1%d8%a7%d9%86-2019/

اترك رد