أرسطو، عقّاد والمتوسّط الذهبي للتفاعل المسيحي

طلبُ سلام المدينة: صلاة تُغيرنا
فبراير 20, 2020
من تبرير إلهي إلى عدالة إنسانيّة
مارس 5, 2020

بقلم برنت حمود

إنّ البشر مبتكرون بالفطرة، غير أنّ الابتكار قد يضمحل بسهولة في المجال الديني. إنّ للقناعات الإيمانيّة سِجلٌ في تحويل خطوط الرمليّة السطحية إلى تصدعات عميقة، ولا سيّما في العلاقات المسيحيّة الإسلاميّة. وقد تولّدت العديد من الأفكار على مرّ السنين، غير أنّه لم ينتج عنها مادة كافيّة. وثمة جهود حثيثة للحوار ما بين الأديان، إلّا أنّه ثمة حاجة للمزيد منها، وبجودة أعلى. وما أقترحه هنا أنّه يمكن للنظريّة المعاصرة للعلاقات المسيحيّة الإسلاميّة الاستفادة من الكلاسيكيات. فقد نتمكن من إطلاق العنان لبعض الابتكار إذا ما قرأنا أفكار مرتان عقّاد في ضوء فلسفة أرسطو.

لقد اهتمّ أرسطو بمسألة الخير في كتابه “الأخلاق النيقوماخيّة”، وقد عرّف الخير بكونه الفضيلة في “قاعدة الوسط الذهبي”. ووفقًا لهذه القاعدة، كلّ فضيلة هي توازن وسطي على طيف يحدّه طرفين من الرذيلة. ففي الطرف الأوّل الرذيلة هي شحُّ في الفضيلة وفي الطرف الثاني هي  إفراط بها. وبذلك ثمة وسط بين طرفين وهو موضع الفضيلة. يشير أرسطو جوهريًا أنّ في الاعتدال خيرًا؛ أي أنّ امتلاك الكثير أو القليل لهو أمر سيء، وأنّ الامتلاك المعتدل لهو فضيلة.  

فعلى سبيل المثال، إنّ الشجاعة بالنسبة لأرسطو هي الفضيلة الوسط لتوازن الثقة بين رذيلتي التهور والجبن. إذ أنّ الشحّ في الثقة سينتج جبنًا والإفراط فيها يبيت تهورًا. إنّ هاتين الرذيلتين ليستا من الفضائل. تتحقّق الشجاعة عند إظهار القدر السليم من الثقة. وكما هو الحال مع كلّ الفضائل، من غير أن تتمتّع بالقليل أو بالكثير من الشجاعة؛ بل جُلّ ما يمكنك تحقيقه هو الاقتراب أكثر فأكثر من الوسط الذهبي.

يرى أرسطو أنّ الفضائل جمعاء تقع في الوسط بين طرفين،[1] كما وأعتقِد أنّ البنيّة النظريّة بإمكانها إفادة كيفيّة مقاربتنا للعلاقات المسيحيّة الإسلاميّة على نحو فعّال اليوم.

لقد طوّر عقّاد إطارًا لتصنيف التفاعل بين الأديان، وقد أطلق عليه تسميّة طيف “وعاده” للتواصل المسيحي-الإسلامي، والذي يبدو بدوره يستحضر قاعدة الوسط الذهبي لأرسطو لتقديم أداة لتقييم التقبل الديني المسيحيّة[2] للإسلام.

طيف “وعاده” للتواصل المسيحيالإسلامي

ح5 الموقف الهجومي ح4 الموقف الدفاعي ح3 الموقف الإعلاني ح2 الموقف التعايُشي ح1 الموقف التوفيقي

إنّ الانفتاح المفرط في أحد أطراف طيف عقّاد هو التفاعل التوفيقي، الذي بدوره يهمل الفروقات الدينيّة باعتبار أنّ كافة الأديان هي عينها في الجوهر. ويتموضع التفاعل الهجومي عند الطرف الآخَر، بحيث هناك شحّ في قبول الآخر حين “يسعى المرء للانقضاض على المعتقدات (الإسلاميّة) واقتلاعها”، وذلك بناء على نظرة مسيحيّة ذي طابع انتصاري وإقصائي. [i] يقدِّم عقّاد المقاربتين التوفيقيّة والهجوميّة بكونهما رذيلتين أرسطيّتين من جهة إشكاليّة تطرّفهما في تقبّل الإسلام. في التقبّل المبالغ فيه أي التفاعل التوفيقي يُرخّص الإيمان الإسلامي بجعله نظامًا إيمانيًا عامًّا وشموليًا. بينما التفاعلُ الهجومي لا يرى في الإسلامَ قيمة لدرجة عدم وجود أي أمر ذو أهمية في تقليده العريق ولا شيء فيه جدير بالقبول. ولا يبدو أنّ إحدى هاتين المقاربتين تحمل ثمارًا بنّاءة للشهادة عن المسيح، غير أنّ عقّاد يعود ليقترح سبيلاً وسطًا بينهما، وهو نوعٌ من أنواع الوسط الذهبي الأرسطي: النهج الإعلاني.

تتميّز مقاربة عقّاد الوسطيّة بكونها إعلانيّة (مشتقّة من اليونانيّة كريغما التي تعني الإعلان) “لأخبار الله السارة فيما يتعلّق بالتوبة، والملكوت ويسوع”.[ii] تُظهِر هذه المقاربة التقبل الديني عبر اعتبار الإسلام ظاهرة دينيّة مركّبة، وهي تحوي مختلف التيارات والتقاليد الإيمانيّة. وتتّسم هذه النظرة للإسلام أنّها نقديّة ووديّة في آنٍ معًا، كما وأعتقِد أنّ النهج الإعلاني يلهمنا بطرق مدروسة للانخراط مع المسلمين في ضوء الرجاء الذي في يسوع المسيح. [3]

وبينما نحاور أرسطو مع عقّاد للإفادة بالتوصّل لمقاربات تفاعل مسيحيّة-إسلاميّة تتّسم بالفضيلة، يكشف لنا ذلك أيضًا نظرة الآخَرين للمقاربة الإعلانيّة هذه. تشكّل مسألة نسبيّة الفضائل من جهة علاقتها مع الرذائل منحى ملفتًا لقاعدة أرسطو للوسط الذهبي. وبمعنى آخَر، قد تبدو الفضيلة مختلفة لمن ينظر إليها من طرف الإفراط عنها من طرف الشحّ. دعونا نلقي نظرة أخرى على الشجاعة بكونها الوسط بين الجبن والتهوّر. سيظهر موقف الشجاعة للمتهوّر أنّه جبن، غير أنّ موقف الشجاعة سيظهر للجبان أنّه تهوّر. فعلى سبيل المثال، لمن الشجاعة الإخبار عن مشرف فاسد لأرباب العمل. غير أنّه قد يبدو في هذا الموقف جبنًا بالنسبة للمتهوّرين الذين سيميلون لمواجهة المشرفين الفاسدين مباشرة وبضراوة. أمّا الجبناء من ناحيّة أخرى، فسيعتبرون هذا العمل الشجاع تهورًا لسبب أرجحيّة النتائج السلبيّة المتوقّعة. وهكذا، سيبدو موقف الشجاعة مختلفًا وفقًا لاختلاف درجة الثقة التي يتمتّع بها من ينظر إليه. وغالبًا ما علينا أن نتصرّف بصورة تبدو وكأنّها إفراط أو تقصير، إذا ما أردنا أن نحرز هدف الفضيلة.

وهكذا، إنّ تناول المقاربة الإعلانيّة للتفاعل عبر الأديان يعتمد على موقع المرء على طيف وعاده. سيميل الهجوميين لاعتبار الموقف الإعلاني بكونه توفيقي، وذلك بسبب انفتاحه على التعاليم الإسلاميّة المتعلقة بمحمّد والقرآن. غير أنّ نظرة التوفيقي للنهج الإعلاني مضطربة أيضًا، وذلك على أساس اعتبار الإعلاني رافضًا لاختزال الحق الذي أعلنه يسوع المسيح وإصراره على البحث في الروايّة الإسلاميّة والتعابير التاريخيّة لهذه الديانة. وهكذا، قد يُساء فهم الموقف الإعلاني من قبل طرفي الطيف، الأمر الذي يتناوله أرسطو في مفهومه حول الفضيلة.      

وعلى الرغم من القيمة النظريّة لهذه العملية الذهنية، إلا أنّ فائدتها تبقى متواضعة إذا لم تستشفّ من مثال يسوع المسيح. إنّ في تجسّد المسيح الفضيلة عينها، وذلك بالمقارنة مع نظريات أرسطو حول الفضيلة. يتمحوّر كلّ ما في المسيح حول الخير؛ إنّ معرفته هي السبيل لمعرفة الله! ستؤول أيّة محاولة نظريّة لاحتواء المسيح في طيف ما بالفشل، غير أنّ الكتاب المقدَّس يقدّم لنا يسوعَ بكونه الصورة الذهبيّة التي لا تقبل أبدًا بالتطرّف. لقد تملك الرعب المتدينين الأخلاقيين المتشددين من طرق يسوع الفاضحة وغير التقليديّة، إذ به يقدّم الرحمة والنعمة “للمهمّشين” غير المرغوب بهم. وقد أدّى أسلوب حياته الاجتماعي وعلاقاته الشخصية مع الآخرين إلى اعتباره “انسانٌ اكولٌ وشرّيب خمرٍ محبٌ للعَشَّارين والخطاة” (لوقا 7: 34). ومن ناحيّة أخرى، فقد جُوبِهت “تعاليم يسوع الصعبة” بالاستياء والامتعاض من قِبَل من عارضوا سمو قراءته للناموس وطاعته (لاحظ يوحنا 6: 53-66، مَرقس 10: 17-22، متّى 19: 1-12). لقد جسّد يسوع الفضيلة في عالَم ملؤه الإفراط والشح؛ إنّه إعلان الله المغيِّر. 

علينا بوضع هذا النقاش ضمن سياقاتنا الخاصة، وذلك كما أشار أرسطو إلى مدرسة أثينا. إنّ الانخراط في التواصل بين الأديان بالنسبة لكليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة يشكّل شهادة عن المسيح، كما وأنّ العديد من مبادرات بناء السلام لمعهد دراسات الشرق الأوسط تسعى لتيسير تفاعل إعلاني مع المسلمين. سيجلب هذا الأمر امتعاض البعض مِمَن يرون في مثل هذا النهج نحو الإسلام تراجعًا عن أساسيات الإيمان الكتابي. وغالبًا ما يتم الحكم على محاولات حبّنا لجيراننا المسلمين حكمًا ظاهرًا بدلاً من الإمعان في حقيقة الأمر.

أقدِّر قاعدة الوسط الذهبي وطيف وعاده لكونهما مفيدان من جهة مساعدتنا على إدراك أنّ العمل المتّسم بالفضيلة لا يتعلّق كثيرًا بإحراز أهداف ثابتة بل بمراعاته للمتغيرات السياقيّة الديناميّة الحركة. يلمِّح أرسطو لعمليّة المعايرة الأخلاقيّة هذه بقوله: “علينا أحيانًا أن نميل نحو الإفراط وأحيانًا أخرى نحو التفريط، وهكذا سنصل بسهولة أكبر للوسط وللصواب”.[iii] نصيحة يسوع الصريحة من جهة إحراز الهدف هي أن “اُثْبُتُوا فِيَّ”. لم يصل أحد لمستوى الكمال من جهة الانخراط المسيحي مع الإسلام؛ بل علينا المثابرة للتطوير. فلنحاول ألاّ نصرف النظر سريعًا عن المقاربات الأخرى بينما نستقر في خندق مقاربتنا المفضّل. ودعونا عوضًا عن ذلك أن نسعى بتواضع في مسيرنا الشخصي نحو الفضائل بينما نتحاور مع الآخرين، وفي قلوبنا أشواق متبادَلة لتمجيد المسيح بكونه الوسط الذهبي.    


[1] على سبيل المثال، إنّ الكرم هو الوسط بين التبذير والإسراف، والطموح هو الوسط بين الكسل والجشع، والاعتدال هو الوسط بين الخمول والانغماس بالملذات.

[2] نذكر هنا أنّ القبول لا يعني اعتناق التعاليم الإسلاميّة بل يشير إلى الإصغاء وأخذ تصريحات الإسلام بعين الاعتبار.

[3] من الهام أن نذكر أنّ طيف وعاده عند عقّاد يقدِّم موضعين آخرين من جهة التفاعل بين الأدبان. تقع المقاربة التعايشيّة بين المقاربتين التوفيقيّة والإعلانيّة، وتقع المقاربة الدفاعيّة بين المقاربتين الإعلانيّة والهجوميّة. تشكّل هذه معًا الطيف، وهو مي يُطلَق عليه اختصارًا عبارة وعاده. ويشير عقّاد أنّ كلّ موضع على الطيف بكونه يتمتّع بدرجات متفاوتة من الصحّة – فأنا، لا عقّاد، من قام بإقحام عبارة رذيلة ضمن النقاش، وهو يقترح المقاربة الإعلانيّة بكونها الفضلى. لا أتناول المقاربتين التعايشيّة والدفاعيّة هنا مع أنّهما جزء من النقاش المسيحي الأوسع من جهة الإسلام، وذلك بهدف التركيز على محاورة قاعدة أرسطو عن الوسط الذهبي.    

.


[i] “Christian Attitudes toward Islam and Muslims: A Kerygmatic Approach”, in Evelyne Reisacher (ed.), Toward Respectful Understanding and Witness among Muslims: Essays in Honor of J. Dudley Woodberry (William Carey Library, Pasadena: 2012) 33-34. The SEKAP Spectrum is also discussed in Accad’s latest book, Sacred Misinterpretation: Reaching across the Christian Muslim Divide.

[ii] Accad, “Christian Attitudes Towards Islam and Muslims”

[iii]Aristotle. Nicomachean Ethics. Translated by W.D. Ross. Batoche Books, 1999. 32.

اترك رد